مجلة البلاد الإلكترونية

منعاً للتدخل بالشؤون الداخلية لبلدنا.. على القوى السياسية الخروج من اللعب على حافة الهاوية

العدد رقم 209 التاريخ: 2019-12-06

سد النهضة في قلب حرب المياه بين مصر وإثيوبيا

توفيق المديني

بلغت أزمة "سد النهضة" بين مصر وإثيوبيا ذروتها، إثر وصول المفاوضات بين البلدين، إلى "طريق مسدود"، وعلى مدار الشهر الماضي أكتوبر /تشرين الأول 2019، إذْ من المتوقع أن يبدأ تشغيله بشكل كامل عام 2022.

 ووصلت الأزمة ذروة "تصعيدها وتهديداتها المتبادلة"، بعدما تردد من تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، أمام برلمان إثيوبيا في 23 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، جاء فيها "لا توجد قوة يمكنها منع إثيوبيا من بناء سد النهضة"، مشيراً إلى أن بلاده "ستحشد مليون شخص للدفاع عن السد عند الضرورة، لكن الحرب لن تفيد أحداً". ورد القاهرة عبر وزارة خارجيتها معبرة عن "صدمتها" إزاء تلك التصريحات، مؤكدة "رفضها واستنكارها لها".

 لكن فشل جولة المفاوضات على الرغم من المناشدة الأمريكية، دفع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للمطالبة العلنية للمرّة الأولى بتدخل واشنطن. وكان مسؤول أمريكي كشف في وقت سابق من الشهر الحالي أن السيسي كان قد طلب من ترمب التوسّط لكسر الجمود الذي يخيم على المفاوضات، وذلك عندما التقيا في سبتمبر /أيلول2019 على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة. ووافق ترمب حينها على التواصل مع إثيوبيا وقد عرض وساطة وزير الخزانة ستيفن منوتشين، وفق ما أوضح المسؤول.

وفي 26أكتوبر/ تشرين الأول 2019، طلبت وزارة الخارجية المصرية من نظيرتها الأمريكية المبادرة إلى اتخاذ خطوة وساطة من نفسها، بدلاً من انتظار التوافق الثلاثي على اللجوء لها، وفقاً للصياغة غير الموفقة للمبدأ العاشر من اتفاق المبادئ، والذي يشترط "اتفاق الدول الثلاث" لاستدعاء الوساطة.

مفاوضات واشنطن السياسية

استضافت العاصمة الأمريكية واشنطن يوم الأربعاء 6نوفمبر/تشرين الثاني 2019، الاجتماع الذي دعت إليه الإدارة الأمريكية بشأن قضية سد النهضة، بين وزراء خارجية مصر وإثيوبيا والسودان، ورئيس البنك الدولي، وأداره وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوتشين، بتفويض من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بدلاً من وزارة الخارجية. وقبل اللقاء الأساسي للمفاوضات، استضاف الرئيس ترامب وزراء خارجية الدول الثلاث المعنية بالأزمة في المكتب البيضاوي لبعض الوقت، وتحدث عن أسباب تدخل واشنطن في القضية وحرصها على عدم إيقاع الضرر بأي طرف، وبالذات مصر، باعتبارها دولة المصب النهائية لنهر النيل، والتي سيقع عليها أكبر أعباء إنشاء السد.

وأجرى وزراء الخارجية للبلدان الثلاثة (مصر وإثيوبيا و السودان) محادثات مع منوشين، ورئيس البنك الدولي دايفيد مالباس، من أجل إيجاد حل للخلاف بشأن سد النهضة. واتفق الوزراء على اللجوء إلى المادة العاشرة من إعلان المبادئ الموقع في عام 2015 في حال فشلوا في التوصل إلى اتفاق بحلول منتصف شهر يناير/كانون الثاني 2020.

كما أعلنت الإدارة الأمريكية أن الولايات المتحدة والبنك الدولي سيدعمان وسيشاركان في الاجتماعات المذكورة بصفة مراقب. وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الأربعاء، إن الاجتماع مع الوزراء بخصوص السد "سار بشكل جيد".

وأعلنت وزارة الخارجية المصرية، يوم الأربعاء الماضي، في بيان رسمي، أنَّ اجتماع وزراء خارجية السودان وإثيوبيا ومصر أثمر عن اتفاق بعقد أربعة اجتماعات عاجلة بين وزراء الري والموارد المائية في الدول الثلاث وبحضور ممثلين من الإدارة الأمريكية والبنك الدولي. وقال وزير الخارجية المصري سامح شكري في أعقاب الاجتماع، إنَّ المحادثات قد أسفرت عن نتائج من شأنها أن تضبط مسار المفاوضات وتضع له جدولاً زمنياً واضحاً ومحدِّداً.

وأضاف شكري أن من المنتظر أن تنتهي الاجتماعات الأربعة بالتوصل إلى اتفاق حول ملء وتشغيل سد النهضة خلال شهرين بحلول 15 يناير/كانون الثاني 2020، على أن يتخلل هذه الاجتماعات لقاءين في واشنطن بدعوة من وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوشين لتقييم التقدم المحرز في هذه المفاوضات. وأكد المسؤول المصري أن بلاده تسعى للتوصل إلى اتفاق متوازن يمكّن إثيوبيا من تحقيق الغرض من سد النهضة، وهو توليد الكهرباء، من دون المساس بمصالح مصر المائية وحقوقها، وأن مياه النيل هي مسألة وجودية بالنسبة للقاهرة.

سياسة إثيوبيا الإقليمية في استهداف جيرانها

تعتبر قضية المياه من القضايا الحيوية التي تصل دول حوض النيل وخصوصاً دولتي المصب، وهما مصر والسودان. فهاتان الدولتان تتغذيان من نهر النيل، الذي هو أطول أنهار العالم، إذ يبلغ طوله 6825 كلم. ويمتد على مساحة 3.1 ملايين كلم مربع، أي مساحة حوض النيل تحتل 10 في المئة من إجمالي مساحة القارة. ويبلغ الإيراد المائي لنهر النيل نحو 1600 مليار م3 سنوياً، وهو إجمالي ما يسقط على الحوض من امطار. وهذا يعني أن متوسط نصيب كل فرد من مواطني دول الحوض العشر يصل إلى نحو 4878م3 سنويا، الأمر الذي يؤكد حالة الوفرة الكمية للمياه. إلا أن معظم دول النيل – ماعدا مصر-  لا تستخدم إلا قدراً ضئيلاً من إجمالي مواردها المائية المتجددة. وتستهلك دول المنبع كميات ضئيلة، فأثيوبيا تستهلك نحو 1في المئة، وكينيا 2%، وتنزانيا 3%، والكونغو 1%، وبوروندي 5%.

في المقابل، تؤكد أديس أبابا إنَّ السد المخصص لتوليد الطاقة الكهربائية، الذي تقدّر تكلفته بأربعة مليارات دولار ضروري لتأمين حاجة البلاد للكهرباء (سيكون أكبر مشروع للطاقة الكهرومائية في أفريقيا، وسيولد أكثر من 6 آلاف ميغاواط)، وضروري لتنميتها الاقتصادية،

إن مصر ملزمة، بشكل أو بآخر، بتنسيق واستعمال ثرواتها الطبيعية وقواها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية والعسكرية ضمن مخططات التنمية الطموحة الهادفة إلى تحقيق المصلحة القومية والثروة المائية. وهي أحد أهم الشرايين في جسم الدولة المصرية وبالتالي هي جزء جوهري من مصلحتها في التنمية القومية. ولما كانت مصر لديها خطط تنموية طموحة، فإن احتياجاتها من المياه ما انفكت تتعاظم، إذا انتقلت من55.5 مليار متر مكعب إلى حوالي 63 مليار متر مكعب. ومع دخول مصر القرن الواحد والعشرين، فإن احتياجاتها من المياه تصل الآن إلى حوالي 73 مليار متر مكعب.

التحالف الإسرائيلي – الأثيوبي لتطويق مصر

وهناك اتفاق بين الكيان الصهيوني وإثيوبيا على إقامة سد لتوليد الكهرباء. فقد استعملت إثيوبيا كمصدر تهديد لمصر عن طريق مياه النيل، تارة بين أمريكا أيام الإمبراطور هيلاسيلاسي في أواخر الخمسينات للضغط على مصر في موضوع السد العالي، وأخرى من الاتحاد السوفياتي في أواخر السبعينات للضغط في موضوع مياه سيناء. وهذا يفسر، إلى حد كبير الدعم المتبادل للحركات الانفصالية في كل من إثيوبيا والصومال والسودان، بمعنى أنه مقابل إشهار سلاح المياه من دولة ضد أخرى تشهر الثانية سلاح الأقليات في وجه الأولى.

وكان البرلمان الاثيوبي قد وافق على مشروع قرار تقدمت به الحكومة في 9/6/1996 بإنشاء خزانين: الأول على النيل الأزرق للاستفادة منه لأغراض زراعية وإنتاج الطاقة الكهربائية والثاني على نهر دايوس. وسوف يمول هذين المشروعين البنك الدولي وجهات أخرى على الأغلب إيطاليا والولايات المتحدة.

وجدير بالملاحظة أن البنك الدولي قد وافق على تمويل المشروعين الإثيوبيين الأخيرين من دون اشتراط حصول إثيوبيا على موافقة باقي دول حوض النيل كما هو معمول به ارتكازاً على نظرية القانون الدولي في الاستفادة المشتركة للدول المتشاطئة للأنهار الدولية، وعلى الأعراف السائدة بين هذه الدول في شأن استخدام المياه من دون الإضرار بالدول ذات الحق التاريخي في النهر الدولي. وتعتبر موافقة البنك الدولي بالشكل الذي تمت عليه سابقة خطيرة على مصالح دولتي المصب مصر والسودان.

وتستمد إثيوبيا أهميتها بين دول حوض النيل ليس من كونها دولة منبع فقط، وإنما بوصفها المصدر الرئيس لمياه. أما مصر والسودان فهما الدولتان المستهلكتان الرئيستان لمياه النيل، وبالتالي فهما صاحبتا المصلحة الرئيسة في تطوير إيرادات النيل وفي صياغة الأسس الناجعة لتقرير الاتفاقيات والهياكل الراهنة التي تحكم ضبط وتوزيع المياه طبقاً للقانون الدولي.

لقد أصبحت المياه أحد عناصر الأمن القومي العربي، وهي في الوقت عينه عنصر جاذب، أي يجذب إليه، وعنصر نابذ أي يبعد منه. لهذا السبب تصر الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في إطار رؤيتهما لبناء النظام الإقليمي الشرق أوسطي الجديد على أن تكون المياه بندا أساسيا في كل تسوية. وتنطلق الولايات المتحدة من قاعدة التعاون بمضمونها الأمريكي - الصهيوني، وعبر المفاوضات العربية – الصهيونية (الثنائية والمتعددة) لتفرض على الدول العربية حلاً يحقق الأهداف الثلاثة التالية:

- فرض نظام أمني إقليمي جديد يحتل فيه الكيان الصهيوني مركز الصدارة في تركيبته، مع الاحتفاظ بتفوقه النوعي التكنولوجي العسكري والاقتصادي.

- فرض نظام مائي إقليمي جديد يؤمن للكيان الصهيوني حاجته المستقبلية (أي بعد توطين اليهود الجدد) وليس الآنية وحسب.

- فرض نظام إنمائي إقليمي جديد يستفيد من خلاله الكيان الصهيوني من الثروات المائية الإقليمية الموجودة، كما يستفيد من الأسواق العربية المفتوحة.

وفي هذا السياق تطورات العلاقات الصهيونية – الإثيوبية، بهدف العمل على محاصرة مصر والسودان وخنقهما مائيا، إذ تعارض إثيوبيا الآن العديد من خطوات التنسيق بين دول حوض النيل، أو على الأقل تنظر إليها بحذر، خصوصا أن العلاقات السودانية – الإثيوبية قد مرت بفترة طويلة من التوتر، كما توترت العلاقات المصرية – الإثيوبية مع أواخر السبعينات لبعض الوقت وتحديدا بسبب المياه.

طموح أثيوبيا كقوة إقليمية عبر المراهنة على إنتاج الطاقة الكهرمائية

يكمن هدف الحكومة الأثيوبية خلال السنوات القادمة في تحويل أثيوبيا هذا البلد الإفريقي الفقير إلى قوة إقليمية لإنتاج الطاقة الكهربائية، وتكريس نفوذها في منطقة القرن والحوض الإفريقيين على السواء، حيث يضم القرن الإفريقي الصومال وإريتريا، وجيبوتين بينما يضم النيل كلاً من جنوب السودان والسودان وأوغندا. إضافة إلى ذلك، تستغل إثيوبيا تراجع مصر في أداء دورها الإقليمي على صعيد القارة الإفريقية، إذ إن هناك بوناً شاسعاً بين سياسات الزعيم الراحل جمال عبد الناصر تجاه إفريقيا، ولا سيما في ضوء تراجع الموارد المالية والأزمة الاقتصادية التي تؤثر بشكل لافت في برامج مصر الطموحة، والتحديات التي تواجهها مصر في المرحلة الراهنة صعيد التهديدات المتعلقة بالأمن الغذائي والمائي، خصوصاً وأن إثيوبيا تنحو منحى هجوميًا نحو القاهرة، من أجل تعديل الاتفاقيات التاريخية التي عقدتها مصر  في سنوات :1891، و1929، و1959، المتعلقة بحصتها من مياه حوض النيل، باعتبار أن أثيوبيا هي مصدر المياه. لذا تعتبر اتفاقية 1959 هي المحورية والتي ضمنت استحواذ كل من مصر والسودان على 90% من إجمالي مياه النيل بواقع 84 مليار متر مكعب، تذهب 55 مليار متر مكعب لمصر و18 مليار متر مكعب للسودان.

زاد من أهمية إثيوبيا الاستراتيجية، التنافس الدولي والإقليمي على السيطرة على مياه البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة لأسبابٍ مختلفة، كالتوجه الصيني إلى إحياء الطرق التجارية القديمة، والتوتر السعودي والإيراني، وحرب اليمن، ورغبة دول كالإمارات وتركيا للتوسع تجاريا في الإقليم. وهو ما أدى إلى إنشاء أكثر من قاعدة عسكرية وميناء تجاري لدول الإقليم الثرية في دول القرن. كما زادت الدول الخليجية استثماراتها الزراعية في إثيوبيا لتجنب تأثير تقلبات المناخ على أمنها الغذائي، ورغبة في تقوية علاقاتها الاستراتيجية بإثيوبيا. ويشار هنا على السبيل المثال إلى أن الإمارات رعت اتفاق سلام بين إثيوبيا وإريتريا العام الماضي. وبناء عليه، وعدت الإمارات إثيوبيا بمنح واستثمارات تقدر بثلاثة مليارات دولار.

وتُعَدُّ إثيوبيا من أكثر الدول الأفريقية تلقيا المساعدات التنموية الدولية (حوالي 3.4 مليارات دولار سنويا من 2010 - 2017)، بما في ذلك مئات الملايين من الولايات المتحدة (750 مليون دولار في 2017)، والتي شعرت أخيراً بأنها لم تمنح إثيوبيا الاهتمام السياسي الكافي، كما ظهر في تعليقات بعض أعضاء مجلس النواب الأمريكي والخبراء الأمريكيين في جلسة استماع، عقدتها لجنة أفريقيا التابعة للجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأمريكي، عن إثيوبيا في سبتمبر/ أيلول 2018. ويظهر في محضر الاجتماع شعور المسؤولين الأمريكيين بأن الولايات المتحدة لم تمنح إثيوبيا الاهتمام الكافي، على الرغم من صعودها المستمر اقتصاديا واستراتيجيا والتوغل الصيني داخلها. ويظهر أيضا حالة الشعور بالتفاؤل التي منحها صعود رئيس الوزراء، آبي أحمد، إلى الحكم والإصلاحات التي قام بها. حيث ذكر تيبور ناجي مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الأفريقية أن إصلاحات آبي أحمد منحت إثيوبيا "سمعة استثنائية".

لقد تحولت إثيوبيا إلى قوة واعدة على خريطة التنافس الاقتصادي والاستراتيجي الدولي في القرن الأفريقي، فمنذ منتصف التسعينيات، وإثيوبيا تعمل على تحديث اقتصادها من خلال انتهاج سياسات السوق المحكومة مركزيا، حيث نجحت في زيادة ناتجها القومي الإجمالي لإثيوبيا من 7.6 مليارات دولار أمريكي، في عام 1995، إلى 84 مليار دولار، في عام 2018. وهذا يعني أن الاقتصاد الإثيوبي نما خلال تلك الفترة بمعدلاتٍ تفوق 10% سنويا، ما جعله من أسرع الاقتصادات نموا حول العالم، على الرغم من الفقر والمشكلات المختلفة التي يعانيها. ويتوقع له الاستمرار في النمو خلال السنوات القليلة المقبلة بمعدلات تفوق 7%، وفقا للتقديرات الدولية.

تدهور العلاقات المصرية الإثيوبية

فقد عرفت العلاقات المصرية - الإثيوبية الكثير من التوترات على خلفية بناء سد النهضة، وتنامي الطموحات الإثيوبية المائية، التي باتت تشكل تهديداً لمصر.. وبدأت أثيوبيا في التفكير في بناء سد النهضة منذ بداية عقد الستينيات من القرن الماضي، أي في  الفترة بين العامين 1956 و 1964، وهي الفترة التي أجرت فيها الولايات المتحدة عمليات تحديد موقع مشروع سد "النهضة الاثيوبي الكبير"، عن طريق دراسة للمكتب الأمريكي للاستصلاح، والذي اقترح تقريره 33 مكاناً لإنشاء سدود للري، وأخري للكهرباء، أو متعدد الأغراض، وكان أكبرها قرب الحدود السودانية، أي مكان سد النهضة الحالي، وكان يسمي عندئذ "سد الحدود" ربما كان اختيار هذا المكان بالتحديد رداً أمريكياً علي اتفاقية 1959 بين مصر والسودان، وبداية إنشاء السد العالي. السد في هذا المكان يتحكم في كل مائية حوض النيل الأزرق، بما يرفده من شبكته النهرية، فيما عدا نهري الدندر والرهد اللذين يدخلان السودان مباشرة.

ومع قدوم عام 1995 حدثت قطيعة تامة في العلاقات بعد محاولة الاغتيال التي تعرض لها الرئيس الأسبق حسني مبارك بأديس أبابا إبان زيارته لحضور مؤتمر منظمة الوحدة الإفريقية المنعقد هناك، بعد تصاعد لهجة التصريحات الرسمية والإعلامية العدائية المتبادلة بين البلدين، واستمرت هذه القطيعة حتى قيام ثورة يناير 2011، فاستغلت إثيوبيا التوترات السياسية التي عصفت بمصر إبان ثورة يناير من العام 2011، وبدأت الخطوات الإنشائية للسد في هذا العام تحديداً.

إثيوبيا لديها طموح كبير بتصدير الكهرباء إلى قسم كبير من القارة الإفريقية. فحسب دراسة حديثة أعدها البنك الدولي، تنتج الـ 48 دولة الإفريقية جنوب الصحراء (800 مليون نسمة) مجتمعة من الكهرباء ما تنتجه إسبانيا (45 مليون نسمة). وهكذا، فإن أثيوبيا التي تريد أن تلقب نفسها بـ "بقصر الماء لشرق إفريقيا" حيث أن 2% فقط من سكانها الريفيين (80% من 80 مليون عدد سكانها) تصل الكهرباء إلى بيوتهم، تطمح إلى إنتاج مزيدا من الطاقة الكهربائية لتحقيق نهضتها التنموية، إضافة إلى تصدير الكهرباء من أجل الحصول على العملة الصعبة. وقد وقعت أثيوبيا عقدا مع السودان لتصدير الطاقة الكهربائية إليه بقيمة 150000دولار يوميا، وهناك عقود أخرى تم التوقيع عليها مع كل من كينيا وجيبوتي.

اتفاقية عنتيبي واستراتيجية خنق مصر

 أجرت دول حوض النيل التسع ومنها مصر واثيوبيا محادثات منذ ما يزيد على عشر سنين لتسوية الخلافات على اقتسام مياه النهر، إذ يعتبر بعض الدول أنه تعرض للغبن في اتفاق سابق في شأن مياه النيل وقع عام 1929. ويمنح الاتفاق الأصلي مصر 55.5 مليار متر مكعب من المياه سنوياً تمثل نصيب الاسد من الكمية الاجمالية التي تتدفق في أثيوبيا. فبينما تؤكد مصر حقوقها المكتسبة في مياه النيل من خلال الاتفاقيات التي تحفظ نصيب مصر منها، أعلنت إثيوبيا رفضها الدائم لاتفاقية 1929 واتفاقية 1959 في جميع عهودها السياسية.

و في ظل اهتمام مصر بشأنها الداخلي، بعد اندلاع الثورة المصرية، وقعت 6 من دول منابع النهر هي إثيوبيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا ورواندا وبوروندي التوقيع في مدينة "عنتيبي" الأوغندية في مايو/أيار 2010 على معاهدة جديدة لاقتسام موارده تنتهى بموجبها لحصص التاريخية لمصر والسودان وفقا لاتفاقيات 1929 و1959، ولتجريد مصر من العديد من امتيازاتها في مياه النهر وأبرزها حق الفيتو في منع إقامة أي مشروع على النهر خارج أراضيها. وأعلن دانيال ميبوما، المتحدث الإقليمي باسم مبادرة حوض النيل، ومقرها في عنتيبي في كمبالا، "بعد التوقيع أنه بات من الممكن أن تدخل الاتفاقية حيز التنفيذ"، مضيفا أنه وبموجب القانون الدولي الساري، كان لابد من أن توقع ست من الدول الأطراف على الاتفاقية. ومنحت القاهرة والخرطوم مهلة عاماً واحداً للانضمام إلى المعاهدة، يذكر أن دولة جنوب السودان قد أعلنت في مارس 2013 اعتزامها الانضمام إلى معاهدة "عنتيبى".

ورفضت كل من القاهرة والخرطوم الاتفاقية واعتبرتها "مخالفة لكل الاتفاقيات الدولية"، وأعلنت أنها ستخاطب الدول المانحة للتنبيه على عدم قانونية تمويل أي مشروعات مائية، ووصفت مصر موضوع المياه بأنه قضية "أمن قومي". ومع انفصال جنوب السودان وتحوله إلى دولة منبع لوجود بحر الغزال، فإنَّ هذا الوضع الجديد سيزيد في تعميق أزمة الاتفاقية الإطارية لدول منابع حوض نهر النيل وتداعياتها الخطيرة على تقسيم مياه النهر وحصة مصر من المياه، لا سيما في ظل تراجع الدور الإقليمي المصري في منطقة الشرق الأوسط، وإفريقيا، بعد أن تحولت مصر من دولة إقليمية فاعلة إلى دولة عادية عاجزة عن ممارسة النفوذ والقيادة.

وفي تموز/يوليو 2017 بدأت إثيوبيا ملء خزانات السد، مع انتشار المزاعم بأنها ستقوم بذلك خلال ثلاثة أعوام بدلاً من سبعة أعوام، بما يتعارض مع إعلان المبادئ الموقّع في تموز 2015 لتأكيد حق الانتفاع بمياه النهر من دون التسبب في الضرر الجسيم للدول المشاطئة الأخرى. وتبدو مخاوف مصر في محلها، إذ إن الإصرار على ملء السد بهذه السرعة سيعرض أمنها المائي لمخاطر جسيمة، مع الأخذ في الاعتبار وجود مصر تحت خط الفقر المائي، المحدد علمياً وعالمياً بـ 1000 متر مكعب، إذ إن نصيب الفرد حالياً حوالي 650 متراً مكعباً.

والواقع أن الغياب المصري عن أفريقيا كان له تأثير سلبي واضح على مواقف وتوجهات بعض الدول المؤثرة في ملف مياه النيل، وخصوصاً السودان. ففي أواخر عهد الرئيس مبارك تم إهمال أفريقيا لمصلحة قضايا فلسطين والعراق ولبنان، بينما تصاعد الدور الإثيوبي سياسياً من خلال الوساطة في الأزمتين السياسيتين في كينيا وزيمبابوي عقب الانتخابات الرئاسية في البلدين في 2007- 2008. كذلك لعبت إثيوبيا دوراً إيجابياً في النزاع الحدودي بين شمال السودان وجنوبه على منطقة أبيي الغنية بالنفط من خلال إرسال قوات حفظ السلام الإثيوبية كحل موقت حتى قيام استفتاء أبيي. وتعاظم الدور الإثيوبي في أفريقيا أكثر من خلال التدخل العسكري لمكافحة الإرهاب في الصومال من 2006 إلى 2009 ثم إرسال قوات حفظ السلام في 2014.

 

 

إخترنا لكم من العدد