مجلة البلاد الإلكترونية

منعاً للتدخل بالشؤون الداخلية لبلدنا.. على القوى السياسية الخروج من اللعب على حافة الهاوية

العدد رقم 209 التاريخ: 2019-12-06

الحرب الأمريكية الصهيونية المستمرة على سورية وفلسطين

توفيق المديني

في ضوء احتداد الصراع العسكري على منطقة شرق الفرات، وانتشار الجيش العربي السوري في الشمال السوري، لا سيما في شرق الفرات، ومواصلة هذا الجيش اتباع استراتيجية القضم من أجل تحرير كل محافظة إدلب من رجس التنظيمات الإرهابية الممولة من الخارج لتحقيق أجندات أجنبية، وحسر مناطق نفوذ الاحتلال الأمريكي في جغرافية ضيقة جداً وهي الجغرافيا التي تحوي آبار النفط في شرقي الفرات.

جاء العدوان الصهيوني فجر يوم الأربعاء 20 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، ليستهدف محيط العاصمة السورية دمشق باستهدافه مستودعات للأسلحة ومقرات ومواقع تابعة للجيش العربي السوري، مواقع في الكسوة ومنطقة سعسع ومطار المزة العسكري وجديدة عرطوز وضاحية قدسيا ومحيط صحنايا جنوب وجنوب غرب العاصمة دمشق. وأدّى هذا العدوان الصهيوني الغاشم إلى سقوط عدد من الشهداء في صفوف أفراد الجيش العربي السوري، في حين أصيبت شابة بشظايا جراء القصف الصهيوني على ضاحية قدسيا، كما جرى انتشال عائلة مكونة من رجل وزوجته وابنه من تحت أنقاض منزل في قرية بيت سابر بناحية سعسع بعد استهداف أحد الصواريخ الصهيونية للمنزل.

وحسب صحيفة "يديعوت أحرنوت" الصادرة يوم الأربعاء الماضي، فإنّ العدوان الصهيوني استهدف 20موقعاً عسكرياً، لا سيما بطاريات الدفاع الجوي التي تضم صواريخ من طراز "سام 2" التابعة للجيش العربي السوري من أجل السماح للطائرات الصهيونية بحرية الحركة في سورية، مشيرة إلى أنه "لم يتم استهداف منظومة الدفاع الجوي S-300 الروسية، بسبب نشرها من مكان قريب من القوات الروسية".

علاقة العدوان الصهيوني بإعادة انتشار الجيش السوري في الشمال

يأتي العدوان الصهيوني - الأمريكي على سورية، في ظل الانتصارات التي يحققها الجيش العربي السوري من خلال فرض سيادة الدولة الوطنية السورية على الجغرافيا السورية في الشمال ومنطقة شرقي الفرات. فقد أصبح الجيش السوري يسيطر على السدود الكبرى المقامة على نهر الفرات، كإحدى المسائل التي تحظى بأهمية لافتة. وتشكل السدّود الثلاثة على نهر الفرات، وهي سدّ تشرين في ريف حلب، وسدّ الفرات، وسدّ البعث في ريف الرقة الغربي، ثروة كبرى تحاول الدولة الوطنية السورية استردادها لتحسين وضعها الاقتصادي، حيث تنتج القسم الأكبر من الطاقة الكهربائية في البلاد، فضلاً عن دورها الكبير في ريّ مساحات هائلة من الأراضي الزراعية، في المنطقة التي تأتي في مقدمة السلال الغذائية للسوريين.

ويحجز سد الفرات خلفه واحدة من أكبر البحيرات في العالم العربي، حيث يبلغ طولها حوالي 80 كيلومتراً وعرضها في بعض المواقع ثمانية كيلومترات، وسعتها التخزينية حوالي 14.1 مليار متر مكعب من المياه العذبة، تروي مساحات واسعة من الأراضي تزيد عن 640 ألف هكتار. ويولد السد 880 ميغاوات من الكهرباء عبر مجموعاته الثماني، التي تبلغ استطاعة الواحدة منها نحو 110 ميغاواط، وتعتبر محطته أول محطة كهرومائية في سورية. وأقيمت مدينة كاملة بالقرب من السد، كان يطلق عليها اسم "مدينة الثورة"، قطنها مهندسو وعمال السد والخبراء الروس ليس بعيداً عن مدينة طبقة والتي باتت بعد ذلك مدينة واحدة نتيجة التوسع العمراني.

أما سَدَّ البعث، الذي يقع إلى الشرق من سد الفرات بنحو 25 كيلومتراً، فيأتي في المرتبة الثالثة من حيث الأهمية بين السدود الثلاثة المقامة على نهر الفرات، وهو كحال سابقيه، أشرف عليه خبراء روس واستغرق بناؤه نحو 10 سنوات (1977 ــ 1988).

ويأتي العدوان الصهيوني على سورية في ضوء توسع وحدات الجيش العربي السوري انتشارها في المحور الغربي لناحية تل تمر بمسافة 10 كم ودخلت 5 نقاط جديدة وهي قرية الدشيشة وقرية الطويلة ومزرعة شويش ومزرعة في غرب الطويلة وقرية ام الخير بريف الحسكة الشمالي الغربي، بالتوازي مع انهاء أعمال تثبيت نقاط عدة تابعة لها بريف الحسكة الشمالي الغربي وذلك ضمن مهامها الوطنية في الدفاع عن الوطن وحماية الأهالي.‏

ومع انتشار الجيش العربي السوري في ريفَي المالكية ورميلان في الشمال الشرقي، يكون قد أتمّ انتشاره بدءاً من ريف رأس العين الشمالي الشرقي، وحتى عين ديوار على المثلث الحدودي، بطول يتجاوز 200 كم، بالإضافة إلى الانتشار على امتداد 100 كم من أطراف بلدة مبروكة في ريف رأس العين الجنوبي الغربي وعلى امتداد الطريق الدولي (إم 4)، وصولاً إلى بلدتَي تل تمر وأبو رأسين في ريف الحسكة الشمالي الغربي، كما أتمّ الجيش العربي السوري منذ عدة أيام انتشاراً على الحدود من ريف تل أبيض الغربي، وصولاً إلى منبج على الشريط الحدودي مع تركيا، بطول يتجاوز الـ100 كم. كذلك انتشرت وحدات الجيش من ريف منبج الغربي، مروراً بعين العرب وصرين، وصولاً إلى بلدة عين عيسى واللواء 93، بطول 100 كم، لتتجاوز بهذا المساحةُ الحدودية مع تركيا التي يسيطر عليها الجيش نحو 300 كم.‏

يشكل انتشار الجيش العربي السوري في مناطق ومدن شمال وشرق سورية ضربة موجعة مزدوجة، للمشروع العثماني الذي يقوده أردوغان، والذي يستهدف ضم مدن وبلدات الشمال السوري إلى تركيا، وللمخطط الأمريكي أيضاً الذي يريد إبقاء شمال وشرق سورية، ميداناً واسعاً للتجاذبات والتحالفات وسياسات الابتزاز والضغط التي تمارس على الدولة الوطنية السورية.

وما انفكّت تركيا بزعامة أردوغان تطلق عمليات عسكرية بمساندة فصائل من المعارضة السورية موالية لها، وكذلك التنظيمات الإرهابية التي تحتضنها في الشمال السوري، بدأتها بـ "درع الفرات" أواخر العام 2016، وسيطرت بموجبها على مدن جرابلس والباب وإعزاز، والثانية باسم "غصن الزيتون"، وسيطرت من خلالها على منطقة عفرين، ثالث أضلاع الفيدرالية الكُردية الموءودة عند ولادتها ربيع العام 2016، وكانت آخرها عملية "نبع السلام"، وأنشأت من خلالها "منطقة آمنة" ممتدة بين مدينتي تل أبيض ورأس العين، وتسعى من خلالها إلى القضاء نهائيا على الإدارة الذاتية الكردية المعلنة منذ مطلع العام 2014.

والحال هذه، يُعَدُّ انتشار الجيش العربي السوري على الحدود مع تركيا، وفي منطقة شرق الفرات، انتصاراً استراتيجياً للدولة الوطنية السورية في مسيرتها الطويلة لبسط سيادتها على كامل تراب الجمهورية العربية السورية، و انتصارًا أيضًا على المخطط الأمريكي الصهيوني الداعم لانفصال الأكراد، و تقسيم سورية، ما دفع إدارة الرئيس الأمريكي ترامب إلى الانسحاب من شمال وشرق سورية، وإبقاء احتلالها لمنابع النفط فقط، وهوما ستتعامل معه الدولة الوطنية السورية عن طريق تصعيد المقاومة لتحريرها من براثن الاحتلال الأمريكي، والسيطرة عليها.

 وتنظر الدولة الوطنية السورية إلى إبقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حوالي 600 من جنوده في المناطق القريبة من حقول النفط السوري بمنزلة الاحتلال لأراضيها، وممارسة السرقة المكشوفة، والنهب لثروتها الطبيعية المتمثلة بالنفط والغاز، وهو ما يتنافى مع القانون الدولي، ويمثل انتهاكًا فاضحًا ومكشوفًا لسيادة دولة، هي عضوة في هيئة الأمم المتحدة.

غير أنّ إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المهوسة بحماية الأمن الصهيوني بالتلازم مع حماية الأمن القومي الأمريكي، تسعى إلى مقايضة وجود ما تبقى من القوات الأمريكية مقابل ملفات قد يكون تحجيم الدور الإيراني في سورية أولها، وكذلك فرض شركات نفط أمريكية لاستخراج النفط السورية، وربما، بدرجة أقل، مساهمة بعض الشركات الأمريكية لإعادة إعمار سورية.

"شرعنة" أمريكا للمستوطنات الصهيونية

يعدُّ القرار الذي أعلنه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو يوم الاثنين 18نوفمبر/تشرين الثاني 2019، بشأن "شرعنة المستوطنات" الصهيونية في الضفة الغربية من قبل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واعتبار المستوطنات الصهيونية في الضفة الغربية لا تنتهك القانون الدولي، ضربة جديدة للمواثيق القانونية وللقانون الدولي، ولكل قرارات الشرعية الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية.

لكنَّ هذا القرار الأمريكي لم يكنْ مُفَاجئاً في شيءٍ، فهو ينسجم كُلِّياً مع السياسة الأمريكية التي انتهجتها إدارة الرئيس دونالد منذ وصوله إلى البيت الأبيض، وهي سياسة تقوم على دعم ثابت للاحتلال الصهيوني لكل فلسطين المحتلة، بدأت بإعلانها في شباط/فبراير 2017 عدم تشبث واشنطن بـ"حل الدولتين"، ثم إعلانها في 6 ديسمبر/كانون الأول 2017 القدس المحتلة عاصمة للكيان الصهيوني، ليلي ذلك في 14 مايو/أيار 2018 نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، وبعده قرار أمريكي بوقف تمويل "أونروا" ثم إغلاق مكتب البعثة الدبلوماسية الفلسطينية في واشنطن، وصولاً إلى إعلان ترامب في 21 مارس/آذار الماضي عن تأييده الاعتراف بسيادة الكيان الصهيوني على الجولان السوري المحتل.

في نطاق تبريره لـ "شرعنة المستوطنات الصهيونية"، حرص وزير الخارجية الأمريكية بومبيو على التأكيد أنَّ الإعلان ليس سوى عودة إلى تفسير للرئيس الأسبق رونالد ريغان في مطلع ثمانينيات القرن الماضي.

أمَّا المندوبة الأمريكية في الأمم المتحدة كيلي كرافت، فقد جددت التزام الولايات المتحدة الأمريكية بالوقوف إلى جانب الكيان الصهيوني، حين قالت : "مثلما نحن ملتزمون بالسلام، فإنَّنَا ملتزمون أيضاً بإسرائيل، وكما قلت من قبل، لقد دعمت الولايات المتحدة إسرائيل من قبل وها هي تدعمها اليوم وستدعمها في المستقبل". وأضافت كرافت، في بيان وزعته البعثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة على الصحافيين في نيويورك: "لنكن واضحين، الولايات المتحدة ستبقى ملتزمة التزاماً كاملاً بقضية السلام. وإعلان اليوم (حول المستوطنات) لا يغير هذه الحقيقة. ولن يؤدي الجدل الدائر حول القانون الدولي إلى إحلال السلام الدائم الذي نلتزم به".

إنّ هذا القرار الأمريكي يُعَدُّ الترجمة الواقعية للخطة الأمريكية التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية، والمعروفة إعلامياً بـ "صفقة القرن"، بعدما كشف صهر الرئيس ترامب ومستشاره، جاريد كوشنر، عن الجانب الاقتصادي من هذه الصفقة في مؤتمر المنامة في يونيو/حزيران 2019، مع تأجيل الجانب السياسي منها، لتكون الإدارة الأميركية مع قرارها حول المستوطنات قد استكملت الكشف عن "صفقة القرن" قبل نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني 2019.

ويتضح أن السفير الأمريكي في الكيان الصهيوني ديفيد فريدمان دفع من أجل تغيير موقف الولايات المتحدة من مشروعية المستوطنات الصهيونية في وقت مبكر من إدارة ترامب، ولكن وزير الخارجية السابق ريكس تيلرسون عارض هذه الخطوة. وإذا كان فريدمان، لم ينجح بداية مع وزير الخارجية الأمريكي السابق، ريكس تليرسون، الذي أقاله ترامب، من منصب وزير الخارجية، في آذار/ مارس 2018، فإنَّهُ وجد ضالته في وزير الخارجية الأمريكية الحالي مايك بومبيو، الذي كان يشغل مدير الاستخبارات الأمريكية (سي آي إيه).

وتكمن خطورة هذا القرار الأمريكي الجديد، في تداعياته الكبيرة، إِذْ لم تعد حسب القرار الأمريكي الضفة الغربية منطقة فلسطينية محتلة، بل أصبحت منطقة الصهيونية، وللكيان الصهيوني الحق وحده بتقرير مصيرها وليس عبر مفاوضات أو قانون دولي. وهذا أخطر من ضم الضفة الغربية، لأنه أعطى شرعية دولية للضم، فالولايات المتحدة الأمريكية القائدة للنظام الدولي أحادي القطب هي التي تمثل رأس الشرعية الدولية اليوم في العالم، بقوتها العسكرية الجبارة، وطابعها الإمبريالي المعادي لتحرر الشعوب، وانحيازها بالكامل للكيان الصهيوني، وليس باحترامها للقانون الدولي، وقرارات الشرعية الدولية.

تمدد الاستيطان الصهيوني في الضفة الغربية

بالتزامن مع شرعنة الولايات المتحدة الأمريكية الاستيطان الصهيوني في الضفة الغربية المحتلة، توجهت الأنظار إلى المساحة المتبقية للفلسطينيين من أراضيها، في ظل التمدد الاستيطاني المستمر دون توقف. وعلى الرغم من اعتبار المنظمات الدولية الاستيطان الصهيوني أمرا مخالفا للقانون الدولي، التهم الكيان الصهيوني أكثر من 51.6%، من مساحة الضفة الغربية المحتلة بما فيها مدينة القدس، على مدار العقود الماضية لصالح الاستيطان، والقواعد العسكرية، وما يسمى بـ" أراضي الدولة".

في نهاية عام 2018، بلغت مساحة أراضي الضفة الغربية المحتلة، التي تسيطر عليها دولة الاحتلال الصهيوني حوالي 51.6%، بحسب بيانات دائرة شؤون المفاوضات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية. ووفق البيانات، فإنَّ مساحة مناطق النفوذ في المستوطنات الصهيونية بالضفة الغربية المحتلة بلغت نسبتها حوالي 9.3% من إجمالي مساحة الضفة، يخدمها شبكة طرق على مساحة 2.3%.

 ووصل عدد المستوطنات الصهيونية في الضفة الغربية المحتلة، نهاية 2019، إلى حوالي 150 مستوطنة، و128 بؤرة استيطانية (غير مرخصة صهيونياً) بالإضافة إلى 15 مستوطنة في مدينة القدس المحتلة. وتشير البيانات إلى أن دولة الاحتلال الصهيوني شيدت 25 منطقة صناعية استيطانية في الضفة الغربية المحتلة، بالإضافة لمنطقة صناعية واحدة في مدينة القدس. أما المساحات التي تغلقها دولة الاحتلال بدعوى أنها منطقة عسكرية مغلقة فقد شغلت حتى العام الحالي، ما نسبته 20% من إجمالي مساحة الضفة التي يوجد فيها 94 قاعدة عسكرية صهيونية. وتسيطر دولة الاحتلال على 20% من مساحة الضفة الغربية بدعوى أنها أراضي دولة، بحسب دائرة شؤون المفاوضات.

المصالح الاستراتيجية المشتركة بين أمريكا وإسرائيل

وهكذا أصبحت إسرائيل من منظور المصالح الاستراتيجية للإمبريالية قاعدة عسكرية متقدمة في فلسطين المحتلة، ومركزاً إقليمياً يقوم بدور وظيفي عسكري لقمع النضالات الوطنية والقومية لحركات التحرر الوطني العربية.

تسم العلاقات بين أمريكا والكيان الصهيوني بنوع من الفرادة، وفرادتها تكمن في أن أمريكا كانت أول دولة بادرت إلى الاعتراف بالكيان الصهيوني في عام 1948، ومارست ضغوطاً دولية لتقبل تلك الدولة الصهيونية في عضوية الأمم المتحدة. وفي المنظور التاريخي، لم يكن إعلان قيام إسرائيل بوصفها تجسيداً مادياً للمشروع الصهيوني، سوى عملية استبدال العلاقة مع الدولة الاستعمارية الأم في الحالة الأولى، لتدخل في مرحلة جديدة من العلاقة التبعية مع المركز الإمبريالي الحديث ألا وهو، أمريكا، ولاسيما وأن هذه الأخيرة ظهرت بمظهر المدافع عن إسرائيل في المحافل الدولية، أكثر من غيرها من الدول الاستعمارية الأخرى، من أجل أن تكون إسرائيل قاعدة استراتيجية متقدمة تقوم بدور وظيفي يخدم الأهداف والمصالح الاستراتيجية للإمبريالية الأمريكية.

فأمريكا احتضنت إسرائيل، وقدمت لها كل أسباب التفوق العسكري والتكنولوجي على الدول العربية مجتمعة وفرادى، من أجل أن تستمر إسرائيل في أداء دورها الوظيفي الحربي على الصعيد الإقليمي بما يخدم أهداف استراتيجية أمريكا في العالم العربي. ومنذ هزيمة 1967 أصبحت العلاقة بين أمريكا وإسرائيل عضوية، واتخذت أبعاداً استراتيجية تتصل بمفاعيل الحرب الباردة، والصراع بين الشرق والغرب، وفي القلب منه الصراع العربي الصهيوني ضمن إطار تنامي علاقات التحالف الاستراتيجي بين أمريكا وإسرائيل، إذ تحولت هذه الأخيرة إلى ركيزة إقليمية في الاستراتيجية الأمريكية الكونية، وتنامت قواها العسكرية في سياق المخطط الأمريكي، ولاسيما خلال السنوات التي تلت هزيمة 1967.

لم تُقدرْ الولايات المتحدة إسرائيل حقّ قدرها، كحليف استراتيجي، إلاّ بعد انتصارها الخاطف سنة، 1967 وإنّ تقديرات وزارة الخارجية ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية كانت في البداية، أن إقامة تحالف وثيق مع دولة يهودية في الشرق الأوسط سيكون عائقاً استراتيجياً.

وتتفانى دولة إسرائيل ومن ورائها اللوبي اليهودي، في الذود عن موقعها المتميز في الاستراتيجية الأمريكية، وفي درء أي خطر قد يتهدد هذا الموقع من جانب دول أخرى منافسة لها عليه. وفي الواقع، فإن هذا الموقع هو عنصر أساسي جداً فيما يسمى "أمن إسرائيل القومي". ومن هنا، فالخصوصية التي تتمتع بها في العلاقة مع الولايات المتحدة، ومصلحتها الحيوية في صيانتها، تمليان على إسرائيل العمل على التفرد بهذا الموقع المتميز، وحتى الصراع من أجل ذلك... فإذا ضاعت هذه الخصوصية وتساوت في الموقع مع آخرين، فقدت عنصراً أساسياً من مقومات أمنها الاستراتيجي، وربما تدهور الوضع إلى ما هو أسوأ من ذلك. وقد حاولت الولايات المتحدة مراراً استيعاب الدول العربية، أو بعضها، في سياسة الأحلاف التي بادرت إليها، فاصطدمت بالرفض الإسرائيلي، وصولاً إلى التمرد على هذه السياسة، كما فعل بن غوريون في حرب السويس 1956.

 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد