مجلة البلاد الإلكترونية

منعاً للتدخل بالشؤون الداخلية لبلدنا.. على القوى السياسية الخروج من اللعب على حافة الهاوية

العدد رقم 209 التاريخ: 2019-12-06

الإسلام الرسالي والقطيعة مع التّراث القديم

هناك كثير من النخب وبعض الجماعات والفئات والتيارات الفكرية والسياسية في مجتمعاتنا العربية والاسلامية تأخذ موقفاً سلبياً من الدين وسلوكيات المتدينين، وربما تصل بها الأمور أن ترفض الدين والتدين ومختلف الانتماءات والقناعات الدينية كلها معبّرة عن حالة رفض نفسي وإنكار عملي سلبي للدّين برمَّته..

وقد يصل بها الأمر – في مواقع كثيرة - حد إعلان القطيعة مع الدين والمطالبة باستئصاله.. حيث وجدنا – على هذا الصعيد - أنه بدأت تظهر دعوات نخبوية في مختلف مواقع الإعلام لاجتثاث التراث الديني واعتباره عائقاً أمام انطلاقة قيم النهضة والتطور والحداثة.. يأتي هذا ربما – في تحديد سببي أولي- كنتيجة ربما لولادة التيارات الجهادية العنيفة ذات النظرة العدوانية والسلوك الدموي والمقاصد اللاإنسانية.. وهي تيارات استئصالية هيمنت على واقع مجتمعاتنا العربية خلال العقود القليلة الماضية لأسباب ودوافع سياسية وفكرية واقتصادية داخلية وخارجية عديدة، لسنا في وارد تحديدها في هذه العجالة.

طبعاً الواضح أن ردود الفعل السلبية للنخب والجماعات على واقع حركية الدين والحركات السياسية الدينية، قد يكون لها ما يبررها نسبياً في واقع مجتمعاتنا وبلداننا العربية.. فالناس عموماً (حتى لو كانوا نخباً ومفكّرين) تنظر للقريب العاجل، ولا تفكر –عموماً - بالبعيد الآجل.. بمعنى أن الناس مرتبطة عضوياً وفي العمق بمصالحها وحاجاتها القريبة الملحّة، وصعبٌ عليها أن تقرأ ما بين السطور أو ما وراء الأحداث والسلوكيات، وتتجاوز المتاح القائم إلى المخبوء البعيد.. كما أن ما فعله وارتكبه أتباع الحركات الجهادية الراديكالية من أعمال عنف وقتل وذبح وتنكيل يخيفُ الجميع، حتى أولئك المنتمين للفكر والثقافة الاسلامية المعتدلة..

.. ومن جهتنا نحن – كمثقفين نقديين وعضويين - نقول بأنه لا إمكانية مُطلقاً لإلغاء التراث، ولا مجال لاجتثاث أصل الفكرة وهو الدين ذاته، لأن الدين الذي يتصل بفطرة الإنسان، له ألف روح وروح، ولا يمكن إلغاؤه بالمطلق.. وهذا هو التاريخ شاهد حي على ذلك.. فكثيرون من البشر – سواء كانوا حكاماً ومفكرين وأصحاب مناهج أيديولوجية متنوعة ومختلفة - حاولوا العمل على تلك الفكرة، وجربوا كثير من أساليب وطرق الإلغاء، ولكنهم فشلوا وكلفوا مجتمعاتهم وأممهم كثيراً من الدماء والدموع.

نيتشه مثلاً – وهو فيلسوف ألماني كبير صاحب نظرية القوة والسوبر إنسان! - كان يريد إلغاء فكرة الدين، بل كان يدعو في كتبه وأفكاره إلى فكرة موت الإله واستئصال واجتثاث فكرة الدين ذاته، ولكنه لم يلق أدنى استجابة إلا من قليلين.. بينما كثيرون من فلاسفة التنوير الأوروبي دعوا إلى عقلنة التراث، وكبح جماحه مثل الفيلسوف العقلاني كانط..!!.

وهذا ما نريده نحن هنا في مجالنا الحضاري الديني الإسلامي.. إنها مسألة "عقلنة التراث"، وضبط مساراته، وإعادة روح الانسانية إليه بعدما فقدها طويلاً..

والأوروبيون نجحوا في ذلك نجاحاً باهراً نلمسه اليوم في حضارتهم المدنية وتقدمهم العلمي المذهل، واحتلال "الفرد - الانسان" لمركز الاهتمام والصدارة والاولوية والمبدئية القيمية (النظرية والعملية) في كل شيء عندهم.

وفي ظني أن ما حدث هناك عندهم في أوروبا هو ما سيحدث عندنا هنا لاحقاً في عوالمنا العربية الاسلامية الواسعة، حيث المجموع البشري العام يرفض التطرف وينبذ التعصب والعنف (بقطع النظر عن وجود كثير من الناس قد تؤيد حالة جهادية من هنا أو هناك نتيجة القمع والاستبداد كردة فعل فقط على واقع مزري سائد).. كما أن المجموع العام، أي غالبية الناس عندنا، تنفتحُ على معايير الدين ومقاصده المتمحورة حول قيم العدل والمساواة والحقوق، وتتمنى تحقُّق الفكر المفيد النافع والخيّر المرتبط بوجودها، والمؤدي فعلياً إلى تحقيق مصالحها وأمانيها الحياتية.. وتتقبل أي تفسير عقلاني مدني إنساني للدين والتدين.

الناسُ هنا، يعني في اجتماعنا الديني الحضاري، متديّنة تاريخياً على وجه العموم، تذهب إلى الجوامع والكنائس والأديرة ومختلف أماكن العبادة الدينية الخاصة بها وبانتمائها التاريخي للقيام بالطقوس وإحياء مناسباتها الدينية، وتأدية فروض الطاعة لمن تواليه وتحترمه وتقدسه.. أي هي تحب رموزها وعقائدها، وتتعبد مقدساتها، ولكن دون وجود فكرة الهيمنة والتسلط على الآخر عموماً.. حتى أن كثيراً من مقدسات هذه الفئة موجودة كمقدسات أيضاً لدى الفئة أو الطائفة الأخرى، وهذه من الخفايا الإيجابية لحضارتنا الجميلة والمتنوعة.. كل واحد لديه أفكاره وقناعاته، ومهتم بشأنه الذاتي... ولكن الإسلام عموماً هو القاعدة الحضارية الكبرى وهو الوعاء الحضاري الأوسع والأكبر الذي ترتكز عليه ثقافة العرب والمسلمين عموماً، وهو أساس شخصيتهم الرمزية التاريخية التي هي موضع فخر واعتزاز لدى الغالبية المطلقة من أبناء مجتمعاتنا تلك.

والناس تتحرك بحسب السائد، ولهذا عندما يقدم لهم علماء الدين المعتدلون والمثقفون التنويريون، أفكار التطور والحداثة والتنوير، وستجدهم عليها سائرين، وستجدونهم يلفظون ويحاربون أفكار العنف ومناهج التطرف وسلوكيات التكفير والإلغاء، وسيفكّون العلاقة مع أصحاب تلك التيارات والجماعات المعزولة، وسينبذون تيارات العنف الجهادي، حتى القناعات الفكرية بهم سيلقون بها في عرض البحر.. وهم ليسوا مختلفين حول الدين ذاته، بمقدار ما هو مختلفون على التأويل والتفسير والشرح.

.. عقلنوا لهم التراث، حرروا لهم الروح الكلية من هيمنة أغلال رموز التطرف التاريخي المعروفين في تاريخنا الإسلامي (ممن ما زالوا يهيمنون بقوة على المجال الثقافي الإسلامي التاريخي إلى يومنا هذا) وسترون منهم العجب العجاب عقلانياً ومدنياً وحضارياً.

إننا نعتقد أنَّ القطيعةَ مع التراث الحضاري الاسلامي - على الطريقة "النيتشوية" الاجتثاثية أو على طريقة بعض رموز وأفكار وآراء تيارات العلمنة العربية المستبدة الفاشلة والعقيمة - مستحيلة وغير ممكنة، لأن الناس متدينة ولو بالمعنى "الشعبوي"، وعمل قطعي حاد مثل عمل الاجتثاث هذا، سيفجرها من جديد، وسيجعل الجميع مرتمياً باللاشعور في حضن جماعات التطرف الديني المضاد للتطرف العلماني.

ما يمكنُ فِعْلُه والعمل عليه هنا – وهو مسؤولية كبيرة ملقاة على عاتقنا كعلماء دين متنورين وكمثقفين ومفكرين - هو القطع مع الفكر المتطرف والرأي المتطرف والفتوى المتطرفة.. أي قطع الصلة المعاصرة مع الفكر والفقه الوعظي العتيق.. الفقه التكفيري القديم الحاكم بيننا حتى تاريخه من خلال التأويل والنسخ والشروحات العقلانية الجديدة.. مثلما فعل فلاسفة ومتنورو وحداثيو وعقلانيو أوروبا مع فكرهم وتراثهم المسيحي القروسطي المنغلق الذي كلفهم فواتير غالية من أرواح الناس وثرواتها ومستقبل أجيالها.

وهذا العمل شاق ومضني، وهو عمل تاريخي بامتياز، وطريقه شاقة وطويلة جداً بلا أدنى شك.. والمخاضات العسيرة المضنية التي سيتحرك فيها وعلى طرقها، ستؤدي وستفضي لا محالة إلى ولادة فقه حداثي تنويري عقلاني جديد، متصالح مع نفسه، ومع العصر الذي يعيش فيه.. وهذه هي رغبة وأمنية كل الناس التي تريد العيش الآمن والمستقر مع رفاهية وعيش إنساني رغيد مبنى على فكر وفقه حضاري منفتح على الحياة والعصر.

وبطبيعة الحال، أساس وقاعدة وركيزة هذا الفقه متوفرة في مجالنا الحضاري وثقافتنا الدينية، وهي تنطلق من قناعة أن الانسان هو أساس وغاية الوجود كله.. بل هو سيده بعقله وفكره وانسانيته، وكل شيء ينطلق منه ومن أجله يجب أن يصب في مصلحته الدنيوية قبل الأُخروية، في محاولته إقامة جنة له على الأرض قبل جنته الموعودة تلك التي جعلها تعالى نهاية المطاف لتكاليف الدنيا وعذاباتها لمن ألقى السمع والبصر وهو شهيد..!!.

نبيل علي صالح

 

 

 

إخترنا لكم من العدد