مجلة البلاد الإلكترونية

منعاً للتدخل بالشؤون الداخلية لبلدنا.. على القوى السياسية الخروج من اللعب على حافة الهاوية

العدد رقم 209 التاريخ: 2019-12-06

بين الموروث والابتكار

غسان عبد الله

من يتأمل بعض المفاهيم الاجتماعية يجد أنها تتعارض مع العقل، وكذلك مع الواقع الصحي، الذي يجب أن يعيشه الإنسان حتى يكون أقرب للحياة الناضجة..

لا أحد ينكر شدة قسوة السلطة الاجتماعية لمن يتجه خارج دائرة قوانينها التي يتقيدون بها، ويعتقدون كل ما هو خلاف ذلك أقرب للخطأ من الصحيح.

وثمّةَ مقولة جميلة لأحدِ العلماء، تصف المرض الذي يسكن في المجتمعات الضعيفة، في مستوى وعيها، وفهمها لأصول الحياة. يقول: «والناس دائماً هكذا يقبلون القديم الضار، ويرفضون الجديد النافع، ويدخلون في الدين ما ليس منه». حتى أصبح الكثير من الواعين والعارفين بالأخطاء ومدى تأثيرها السلبي داخل المجتمع، يحتفظون بآرائهم، كل ذلك خشية من الضرر على مصالحهم الخاصة والعامة، وسلبية انعكاس الفهم الخاطئ، الذي بسببه تُصادَرُ أبسطُ حقوقِهم الطبيعية.

إن الفجوة التي بين المجتمع والمثقف ليست قديمة، وكلُّ طرفٍ يساهم في تعميقها، لكنّ المثقّفَ مطالبٌ أكثر من غيره، في معالجة ما يجب عليه نحو مجتمعه، بحكم أنه صاحب رسالة وقضية، والناس يحتاجون إلى من يستوعب ظروفهم، ويشارك في مساعدتهم حتى يرطب لهم قسوة الحياة ويخترق قلوبهم، بسبب امتثال القيم التي يرسمها لهم على أرض الواقع.

ذلك لا يعني أن نقد المفاهيم والموروثات الاجتماعية هو انقلابٌ عليها بقدر ما هو عملية بحث عن أنضج المفاهيم التي تتوافق مع أصول الدين الحياة، وحياة الإنسان.

من الخطأ التعامل مع كل ما هو موروث بمثابَةِ المسلَّمِ به الذي من الممنوعِ التفكيرُ فيه، وإعادةُ النظر في تأثيرِهِ سلباً أو إيجاباً على حياة الإنسان. حتى أصبح البعض يستخدم الدين للدفاع عن الموروثِ من العادات غير المتعلقة بتمام مفردات التديُّن، بمعنى توظيف النصوص الشرعية، من أجل إثبات صحة ما ورِثَ من مفاهيم، وتخطئةِ غيرها.

كل إنسان له حقٌّ في اختيار ما يناسبه من العادات والتقاليد، ورفض بعضها، ويكون أساس ذلك مصحوباً باحترام اختيارات الآخرين وأذواقهم، فالحق نسبي لا أحد يملكه كلياً.

وفي هذا السياق يقول أحدُ الفقهاء: «أنا من صغري لا أبالي بعادات الناس إن لم يقبلها عقلي ولم يوجبها عليَّ ديني، ولا أجعل رأي الناس فيَّ دستوراً سلوكياً».

إن من سعة الأفق تدريب الذات على اكتساب العادات الحسنة، وتجاوز العادات المتوارثة، التي تكون عادة أقل من غيرها قيمة وفائدة في امتثالها وانعكاس أثرها. من أجل دفع المجتمع بروح إيجابية لتنمية فقه اكتساب العادات الحسنة من الشعوب كافة، والتحرر من كل موروث يرفضه العقل. فالأجواء الاجتماعية من أدوارها السلبية أنها تساهم في ألا تجعل التربية تبعث روح الإبداع في الشباب، بل تخنق قدرة المبدعين.

قانون التقليد (طبعاً ليس الفقهي بمعناه التأسيسي) هو المسيطر على الروح الاجتماعية، وهي أصبحت علامة للشرقيين، وآفة يتصفون بها، فيجب القضاء عليها لأنها تغذي الخرافات في أذهان الناس. ويجب تشجيع إعمال العقل وهو عمل ممدوح شرعاً. والعرب هم في حاجة أكثر من أي وقت مضى لنفض غبار الماضي، والخوض في مضمار الإبداع والابتكار الذي يرتقي بهم من وضعهم الحالي.

 

إخترنا لكم من العدد