مجلة البلاد الإلكترونية

منعاً للتدخل بالشؤون الداخلية لبلدنا.. على القوى السياسية الخروج من اللعب على حافة الهاوية

العدد رقم 209 التاريخ: 2019-12-06

تشيلي تنتفض على حكم اليمين.. إصلاحات تحت ضغط الشارع

في وقت تلقى فيه اليسار ضربة قوية بنجاح الانقلاب ضد أحد أبرز رموزه ايفو موراليس في بوليفيا، يبدو أن الاحتجاجات الشعبية في تشيلي تقدم له فرصة صعود جديدة..

بعدما اهتز بقوة الحكم اليميني القائم برئاسة "سيباستيان بينيرا"، الرجل الذي ناور على مدى أكثر من شهر من التظاهرات محاولاً إنهاءها بالقوة والالتفاف عليها، اضطر إلى تقديم تنازلات كبيرة، تجاوزت المطالب المعيشية العادية، إلى تغيير بنية النظام، بعد موافقته أخيراً على إجراء استفتاء شعبي لتعديل الدستور المعمول به منذ حقبة الثمانينيات التي قادها "اوغيستو بينوشيه" أحد أشهر جنرالات الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية، والمسؤول الأول عن مقتل الرئيس التشيلي المُنتخب "سلفادور ألليندي" في ظروف غامضة.

شرارة التظاهرات

لم تكن الحكومة التشيلية تقدر أن زيادة بسيطة على أسعار بطاقات مترو الأنفاق، ستفجر غضباً شعبياً كامناً يخرج بعد أيام قليلة عن قدرتها على السيطرة ويطرح على جدول النقاش العام في البلاد تغيير بنية النظام برمته. وبهذا المعنى يمكن القول إن قرار رفع سعر البطاقة الواحدة للمترو من 800 إلى 850 بيزوس الشهر الماضي، لم تكن سوى الشرارة التي فجرت الاحتجاجات العارمة في العاصمة سانتياغو، قبل أن تتوسع لتشمل مدنا اخرى، كون الزيادة مست جيوب ملايين الشيليين الذي يستخدمون شبكة الأنفاق الأحدث بين مثيلاتها في أمريكا اللاتينية، الأمر الذي يفسر العدد الكبير للمتظاهرين منذ انطلاقة الاحتجاجات في التاسع عشر من تشرين الأول الماضي.

لكن الشعارات التي رفعها المتظاهرون ضد غلاء الأسعار سرعان ما تحولت سياسية، وصوبت على الرئيس والنظام معاً وطالبت بتغيير الدستور. وقد بدا المطلب الأخير المحرك الفعلي للتظاهرات، لكون الدستور المعمول به منذ عام 1980 لا يقر بمسؤولية الدولة عن توفير الحاجات الأساسية لمواطنيها من تعليم وطبابة وغيرها من الأمور الأساسية في مجالات الحياة اليومية، حيث ترك النظام الليبرالي المعتمد في اقتصاد تشيلي، المواطنين عرضة لافتراس الشركات الخاصة بعدما جرت خصخصة قطاعات الدولة كافة.

الرد على التظاهرات

وكما في مختلف الدول التي تشهد احتجاجات مطلبية، تدرج أداء السلطة في التعامل مع التظاهرات من حيث احتواؤها أولاً ومحاولة تنفيسها بتحقيق بعض المطالب وصولاً إلى استخدام العنف. وفي هذا الإطار تراجع الرئيس عن قرار رفع سعر بطاقة المترو في اليوم التالي لانطلاق التظاهرات، لكن مع تواصلها في الأيام التالية، ورفعها شعارات سياسية، وجد بنييرا في أعمال التخريب التي قام بها متظاهرون بحق الأملاك العامة والخاصة، مبرراً لقمع التظاهرات، مصنفاً وضع بلاده بأنها في "حالة حرب ضد عدو قوي لا يرحم، لا يحترم أحداً أو شيئاً، وهو مستعد لاستخدام القوة من دون أي حدود". وبناء على هذا التشخيص أعلن حالة الطوارئ، فانتشر العديد من القوى الأمنية والعسكرية في الشوارع، في مشهد ذكّر الشيليين بأيام حكم الديكتاتور بينوشيه.

لكن استخدام العنف ضد المتظاهرين لم يؤد النتيجة المطلوبة بإنهاء الاحتجاجات، فكان لا بد من الاستماع إلى مطالب المحتجين وتحقيق بعض منها. وانطلاقاً من هذه الخلفية جاء استقبال الرئيس وفداً من المعارضة، قبل أن يتوجه إلى الشعب بالاعتذار عما سماه "قصر النظر" في التعامل مع حراكهم، داعياً الوزراء إلى الاستقالة وتأليف حكومة جديدة تلبي مطالبهم. وكان من ضمن سلة الإجراءات والتدابير التي اتخذها لامتصاص نقمة الفقراء، قرار رفع الحد الأدنى للأجور، لكنه إذ تجنب على المستوى الشخصي تلبية مطلب المتظاهرين بالاستقالة، أبدى موافقته على إجراء استفتاء شعبي لتغيير الدستور بعدما وافقت الأحزاب السياسية على ذلك.

يسار تشيلي على مفترق انتصار

وضع دستور تشيلي على طريق التغيير، اعتبرته قوى اليسار الإنجاز الأهم للاحتجاجات الشعبية المتواصلة منذ شهر في البلاد، وهنأ رموز التيار، الشعب على هذا الإنجاز، وفي هذا الإطار قالت النائبة عن حزب "الثورة الديموقراطية" اليساري، كاتالينا بيريز، "إن الشارع أعطى درساً لكل من استبدلوا أملهم بالاستقالة. لقد حرّك الناس حدود الديموقراطية"، أما الرئيس السابق ريكاردو لاغوس، فقد علق على التطورات بالقول "نحن جميعاً ندرك أننا كنا في مأزق مع هذا الدستور الموروث والمتحجر".

إلى ذلك دخل تغيير الدستور المسار العملي من خلال البرلمان حيث وقع التحالف الحكومي وأحزاب المعارضة الرئيسية "اتفاقا من اجل السلام ودستور جديد"، وأعلن رئيس مجلس الشيوخ "خايمي كوينتانا" أن استفتاءً سينظم في نيسان من العام القادم في البلاد لمراجعة الدستور، مشيراً إلى أن الاتفاق يقضي بتنظيم استفتاء حول مسألتين الأولى تتعلق بمراجعة الدستور أو عدم مراجعته، وفي حال الموافقة على تعديله، تكون المسألة الثانية حول الهيئة التي ستكلف القيام بذلك "اللجنة الدستورية المختلطة" أم "مؤتمر أو جمعية تأسيسية".

خاتمة

بانتظار محطة الاستفتاء في نيسان القادم، يكون المتظاهرون قد حققوا الهدف الأول لهم بتغيير الدستور الحالي، الذي خضع لأكثر من مئتي تعديل شملت الكثير من البنود،  لكن تلك التعديلات ظلت قاصرة عن تغيير صلب النظام، وإعادة ربط الدولة بالشعب عبر المؤسسات العامة وفرض رعايتها لهم، غير أن إعادة تأسيس نظام رعائي يحتاج إلى رئيس يؤمن بهذا الخيار ويعمل جاداً على وضعه قيد العمل، وهو ما لا يتوافق في حالة تشيلي مع رئيس يميني يتبنى الفكر الليبرالي، من هنا يبدو أن التغيير المرتقب في سانتياغو لن يكون للدستور فحسب بل إن رأس الهرم سيكون بحسب التوقعات في مهب العاصفة أيضاً، الأمر الذي من شأنه أن يعيد التوازن النفسي إلى اليسار في أمريكا اللاتينية.

ابتسام الشامي

 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد