مجلة البلاد الإلكترونية

الفساد بات أفقياً وعامودياً في كل مؤسسات الدولة

العدد رقم 216 التاريخ: 2020-01-25

الرد الإيراني بداية نهاية الوجود الأمريكي في المنطقة

محمود محمد حسين إسماعيل

كان الصبح الأخير لسماء كرمان قبل أن يوارى جثمان الشهيد قاسم سليماني تحت تراب الأرض وتبقى الحسرة لمن هم فوق الأرض كلما تأكدوا أن القائد غدا شهيداً.

الأجساد إن رحلت تركت خلفها سيرة حسنة ووصية بأن لا تضيع البوصلة، وصية أدركها ملايين كرمان وطهران ومشهد وقم والبصرة وبغداد وكربلاء وبيروت.

 حان موعد الوداع الأخير، وطاف الناس في كرمان كما انطاف في مكة، ثم ووري المقطوعة يداه كالعباس والمنتظر شوقاً للمنتظر. فسلام على من قضى نحبه وسلام على قافلة الشهداء الذين قضوا معه.

بعد الأهواز ومشهد وطهران، حان وقت كرمان. فمع بزوغ فجر الثلاثاء خرجت الجماهير لاستقبال العزيز العائد إلى مسقط رأسه، لم يبدلوا في مشهدية الوداع العظيم في رابع أيامه. ملايين الحشود وصلوا نهارهم بليلهم فغصت بهم الشوارع والساحات وآخرون صعدوا الجبال لإلقاء نظرة ولو عن بعد على الموكب الطاهر. زفرات الحزن بلغت الحناجر فصدحت بالموت لأمريكا.

لم يكن الفريق قاسم سليماني مجرد قائد عسكري لقوة نظامية تابعة لدولة من مكونات محور المقاومة فقط، ولم يكن شخصية عسكرية تلعب أدواراً خارجية في هذا المجال أو ذاك، ولم تقتصر وظائفه على نمط محدد من المهام المدرجة في جدول أعمال المقاومة حصراً بل كان كل هذا وأكثر. كان المخطِّط والمنفِّذ وضابط إيقاع محور المقاومة ومكوناتها من اليمن جنوباً إلى العراق شمالاً، ومن إيران شرقاً إلى سوريا ولبنان غرباً، فكان طيفه حاضراً بشكل مباشر أو غير مباشر في الميادين كافة.

من موسكو وبكين إلى باريس وبرلين ولندن، فالرياض والكويت والدوحة، دعوات إلى التهدئة وضبط النفس لكنها لم تُسمع في واشنطن وطهران. مع ظهور انعكاسات للتوتر في أسواق المال وأسعار النفط، دخلت منطقتا الشرق الأوسط والخليج أجواء سخونة التصعيد بين إيران والولايات المتحدة. فلا حديث في الجمهورية الإسلامية إلا عن الانتقام للشهيد قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، ولا شيء في تغريدات دونالد ترامب سوى التهديد بانتقام كبير من إيران إذا تعرضت للجنود الأمريكيين والتهديد أيضاً بفرض عقوبات غير مسبوقة على العراق إذا طلبت حكومته انسحاباً قسرياً وسريعاً للقوات الأمريكية.

قال السيناتور الجمهوري في مجلس الشيوخ الأمريكي راند بول إن اغتيال لواء عسكري لدولة أخرى هو بمثابة عمل حربي وليس من السهل تبريره بالمخاطر الحتمية، مشيراً إلى أنه على المرء أن يكون أحمقاً ليعتقد بأن الانسحاب من الاتفاق النووي واغتيال سليماني سيؤديان إلى مفاوضات أفضل، لافتاً إلى أنه سيدعم مشروع القانون المقدم من زملائه الديمقراطيين للحد من صلاحيات ترامب العسكرية بشن الحرب.

إن المعارضة في أمريكا تأخذ على ترامب تجاوزه القوانين والكونغرس وتفرده باتخاذ القرار بتصفية الفريق سليماني، إذ يعد هذا القرار منعطفاً استراتيجياً جعل أمريكا ترامب تتنكر لكل ما جعل منها دولة عظمى، وذلك بسبب تخليها عن القوة الناعمة المتمثلة بجاذبية نموذجها الاجتماعي والثقافي.

الرصاصة الأولى رداً على اغتيال الفريق سليماني ونائب رئيس الحشد الشعبي الحاج أبو مهدي المهندس انطلقت من البرلمان العراقي، وقد جاءت سياسية تشريعية حيث اتخذ البرلمان قراراً بالأغلبية يوم الأحد الماضي بطرد جميع القوات الأجنبية من العراق. تزامن ذلك مع موقفين حازمين ومشرفين: الأول صَدَرَ عن السيد مقتدى الصدر رئيس كتلة "سائرون" في البرلمان وأكد فيه أن طرد القوات الأمريكية من العراق يعتبر رداً هزيلاً لا يرتقي إلى مستوى الانتهاك الأمريكي للسيادة العراقية، ولا بد أن يتم هذا الطرد بطريقة مذلة.

أما الموقف الثاني، فجاء على لسان السيد حسن نصر الله أمين عام حزب الله خلال خطابه في تأبين الشهيدين ورفاقهما، والذي توعد فيه بتدفيع الأمريكيين ثمناً غالياً وإعادة جنودهم وضباطهم إلى بلادهم في نعوش وأكياس بلاستيكية.

فور انتهاء تشييع الشهيد قاسم سليماني، دخلت إيران ومعها المنطقة والعالم مرحلة ترقُّب للرد على العملية الأمريكية. ترقُّب لم يدم إذ سرعان ما بدأ تنفيذ وعيد القيادة الإيرانية مدخلاً المنطقة في مرحلة جديدة لم تشهدها من قبل عنوانها الاشتباك الإيراني الأمريكي المباشر.

فمع بزوغ ساعات الأربعاء الأولى أعلن الحرس الثوري تنفيذ قواته الجو/فضائية عملية الشهيد سليماني التي جرى خلالها قصف بعشرات صواريخ أرض- أرض البالستية على قاعدة "عين الأسد" الأمريكية في الأنبار، وهي إحدى أضخم القواعد الجوية الأمريكية وتضم عدداً كبيراً من الجنود الأمريكيين. وفق الإعلام الأمريكي، فإن القصف جرى بحوالي ٣٥ صاروخاً، فيما تحدثت وسائل إعلام إيرانية عن أنه طاول الجناح الذي يتواجد فيه الجنود الأمريكيون وأنه تم من داخل الأراضي الإيرانية.

في المقابل، بات الرد الأمريكي على الرد أمراً شبه محسوم، ما دفع بالسؤال حول رد الفعل وتداعيات ذلك إلى الواجهة. المسؤولون الإيرانيون كانوا قد استبقوا التهديد الأمريكي بالحديث عن تجهيزهم رداً على الرد في البيان الثاني الصريح للحرس الثوري بضرب إسرائيل في حال الرد الأمريكي.

أما طبيعة الرد الثاني، فهي متابعة عملية طرد الأمريكيين من العراق سياسياً عبر تفعيل ملف المقاومة العسكرية التي بدأت بتشكيلاتها الاستعداد العملي والتنسيق مع حلفائها الإقليميين، بحيث تكون الهجمات الخطوة الثانية من الرد، لا سيما أن البيت الأبيض أكد رفضه الخضوع لقرار البرلمان والحكومة العراقيين بالانسحاب ما سيجعل المواجهة حتمية.

يبدو أن المنطقة مقبلة على الكثير من التحولات والتبعات، في ظل رصد تحركات إيرانية لاستهداف المصالح الأمريكية في منطقة الخليج.

إن انسحاب القوات الأمريكية من العراق هو تغيير لقواعد اللعبة في الشرق الأوسط وسيعيد كتابة تاريخ الولايات المتحدة ويحوّلها إلى مكانة أدنى مما كانت عليه منذ انتصارها في الحرب الباردة وبروزها كقوة مهيمنة في العالم.

 

 

 

إخترنا لكم من العدد