مجلة البلاد الإلكترونية

الفساد بات أفقياً وعامودياً في كل مؤسسات الدولة

العدد رقم 216 التاريخ: 2020-01-25

من أهمّ الدّروس السّياسيّة لتحولات المنطقة العربيّة.. من يتغطّى بالإدارةِ الأمريكيّة يبقى عرياناً

المأساةُ الأكبر في عالمنا العربي والإسلامي لا تكمن فقط في سقوط قادة كبار بالمعنى المادي الجسدي.. وهم أبطالٌ متفرّدون وشجعانٌ مقتحِمون، أسهموا في إنارة دروب العزة لمجتمعاتهم وأمتهم كمثل القائد الفذ "قاسم سليماني" الذي سقط غيلةً وغدراً على أيادي إرهابيي العصر من حفّاري القبور الجدد في البيت الأبيض..

ولكن المأساة تكمن أيضاً في استمرارية عقلية الغزو وسلوكية العدوان على هذه الأمة في فكرها وعقيدتها ورجالاتها، والعمل على منع تطورها والحيلولة دون تقدمها، والوقوف في وجه نهوضها الحضاري والعلمي من قبل الغرب الإمبريالي ذاته، الغرب المفترس.. هنا تتجلى أصل المشكلة والقضية الأكبر فيما يُرسم لأمتنا ويخطط لها منذ زمن لإبقائها رهنَ التخلف والتشتت والتفرقة والضياع، وتضعيف إرادتها وإذلالها في عيشها وكرامتها.. بما يدفعها (أي الأمّة) لحالة الفوات الحضاري والعجز شبه الكامل عن مواجهة التحديات المعاصرة الاقتصادية والسياسية والعسكرية والمعرفية.

ولا شك بأنّ هناك دروساً عملية يمكن أن نتعلمها مما مررنا ونمر به، من الأحداث والتحولات العربية والإسلامية المتلاحقة على غير صعيد، ومن أبرزها وأكثرها أهمية وحيوية:

1- على مستوى الشعوب والأحزاب المساهمة في صنع التغيير:

الشعوب العربية والإسلامية تمتلك طاقة جبارة مادية وروحية، ولا يمكن لأحد أن يقف في وجهها وطريقها الهادر مهما بلغ من البأس والقوة والشدة والعنف، ومهما امتلك من أجهزة القمع والإكراه والعنف المادي والرمزي.. وهذه الشعوب ربما تبقى لفترة من الزمن كامنة ومغيبة عن ساحة الفعل والتغيير الحضاري، ولكنها في لحظة ما ستهب وتنطلق ككتلة واحدة نتيجة الإمعان في إهانتها وإذلالها وزيادة معاناتها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.. ما أوصل الأمور والأوضاع عامةً وسيوصلها – على الدوام - إلى حالة غير قابلة للتحمل من الضغط المنفجر في أية لحظة..

2- على مستوى الأنظمة والحكومات:

تقوم أنظمة الحكم السياسية العربية – التي يتحالف كثير منها مع الغرب الاستعماري - على بنية ثقافية ومفاهيمية صلبة ومتماسكة، عمادها الحكم الفردي المطلق أو شبه المطلق الذي يستمد جذوره من التاريخ البطولي المجيد المزعوم الحافل والمليء – كما يقولون ويتباهون!! - بالأمجاد الكبرى المرغوب استعادتها للحاضر.. ولا ينتهي مثل هذا النمط السياسي من الحكم إلا بزوال شخصياته ورموزه ونخبه وذهابهم القسري إلى القبر أو السجن أو المنفى.. أي أن تكلفة الخلاص من مثل هذه الحكومات الظالمة عالية جداً للأسف.

ومن النادر أن تجد نظاماً رسمياً عربياً - قائماً على حكم الغلبة والطغيان وقاعدة “الملك العضوض” التاريخية المعروفة منذ أيام معاوية - يمكن أن يقبل بنقل السلطة سلمياً، أو إحداث بعض الإصلاحات السياسية الجدية بصورة سلمية لوحده ومن دون إجباره على إصلاح ذاته، أو تغييره بالكامل، وسلوك طريق الإصلاح الجدي الحقيقي.. لأن مكاسب وامتيازات السلطة والحكم الفردي والاستئثار بجنة الملك – التي حققتها نظم الحكم العربية الملكية والجمهورية معاً - ليست مثار جدل أو حوار عند هؤلاء الحكام، وهم اكتسبوها وحققوها بقوة الأمن والجيش والعسكر، وبالتالي ليست لديهم القابلية للتنازل السلمي الطوعي عنها (بأقل الخسائر الممكنة)، وليسوا مستعدين أن يتركوها لشعوبهم إلا تحت الضغط والقوة والإكراه.. وهذا قانون فيزيائي معروف وهو "قانون الفعل ورد الفعل" الذي له تطبيقاته البشرية النفسية والمجتمعية التي يمكن أن تأتي تحت عنوان "ما أخذ بالقوة لا يسترد – في كثير من الأحيان - إلا بالقوة..".

3- على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموماً:

تضغطُ الدول الغربية – والولايات المتحدة على وجه الخصوص - باستمرار لبناء ديمقراطية صحيحة – كما تقول وتؤكد نخبتها السياسية والفكرية - في العالم العربي، وسبق لبعض السياسيين الغربيين أن أقرّوا واعترفوا بأنَّ دعمهم للنظام الرسمي العربي طيلة أكثر من سبعة عقود لم ينتج سوى موجات الأصوليات والإرهاب التي ضربتهم في عقر دارهم، وقد حان الوقت – بحسب تصريحات هؤلاء - للبدء بدعم فكرة الديمقراطية وتبني مشاريع الإصلاح السياسي، ومحاولة إلزام حلفائها في المنطقة بسلوك طريق التغيير السلمي قبل التغيير الدموي المكلف.

ومن باب الاستطراد قليلاً نذكر بأن تلك الدول والقوى العالمية الكبرى – خصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية - تتعامل مع غيرها من القوى والبلدان على قاعدة المصالح (سواء السياسية أو الاقتصادية أو غيرها)، ولا تتعاطى مع الأشخاص إلا بما يحقق لها مزيداً من المكاسب لبلدانها على مستوى السياسة والاقتصاد والأمن أيضاً. وهي تبني مجمل تحالفاتها مع الأشخاص والنخب السياسية والأحزاب في العالم كله – وليس فقط في عالمنا العربي - على هذه القاعدة المعروفة أيضاً، وهذا أمر للأسف لا تدركه دولنا العربية وحكامنا وأحزابنا السياسية القائمة عندنا التي تعتقد بصورة خاطئة أن مجرد تلبية متطلبات وتحقيق بعض المكاسب والامتيازات لهذه الدولة الغربية أو تلك، فإن تحالفاً وثيقاً قام بينهما، وأن تلك الدولة لن تتخلى عنه في أوقات الشدة والمحن، وبدلاَ من أن يقوم الحاكم العربي مثلاً بالانفتاح على شعبه واستمداد القوة من مجتمعه ومن خدمته لناسه وجماهيره، ليقوى بهم في مواجهة تحديات الواقع العالمي - من خلال تحقيق حاجاتهم كاملة خاصة السياسية والاقتصادية منها - يقوم للأسف بخدمة مصالح ورغبات وتلبية طلبات تلك الدول الكبرى التي تتغير سياساتها بحسب ما تتغير مصالحها.

إذاً البوصلة هنا في تحريك دفة السياسية الدولية هي المصلحة والمكاسب المتغيرة والتحالفات المتحركة، وهذا ما رأيناه من خلال تعاطي الدول الكبرى -خاصة الولايات المتحدة- مع أزمات المنطقة، فهي تدعم مصالحها في مساندتها لأي نظام حكم عربي يحقق لها تلك المصالح، حتى لو كان نظام الحكم قبلياً وراثياً متخلفاً كالنظام السعودي.. في حين أنها تعادي نظم حكم أخرى بالمنطقة منتخبة جماهيرياً لأنها تقف في وجهه ولا تحقق لها مصالحها.

بما يعني أن الغرب عموماً ليس صادقاً في توجهاته السياسية لدعم فكرة الديموقراطية والإصلاح السياسي في العالم العربي.. ولا يمكن أن تنجح الولايات المتحدة في هذا المسعى التوفيقي الصعب بين دعوتها ومصالحها.. أي في تحقيق التوازن والموائمة الناجحة بين دعمها (المزعوم) للحريات والديمقراطية في العالم العربي، وبين تحقيق مصالحها الاستراتيجية الكبرى التي يقول قسم كبير من العرب والمسلمين هنا بأنها تأتي على حساب نمو وتطور وبناء مجتمعات عربية قوية وناجحة..

.. وإذا أردنا البحث ومحاولة التدقيق أكثر لمعرفة الأسباب الجوهرية الكامنة وراء ما يجري في عالمنا المعاصر (خصوصاً في عالمنا العربي) من حروب وصراعات ومآسٍ ومظالم وويلات، ووصول البشر إلى حالة شديدة من اليأس والإحباط والرغبة بالانتحار العدمي، نتيجة ظروفها الصعبة وأوضاعها المأساوية غير المحتملة، لا بد من التدقيق في مآلات التنمية ونتائجها الكارثية، والخلل في توزيع الموارد والثروات الوطنية والقومية، وقيام نظم الحكم العربي بتوفير أرضية لهيمنة الغرب على ثرواتنا ومواردنا.. مع العلم أن هذا الغرب (دول الشمال الغنية) اعتمد سياسات قائمة على النفعية الذرائعية، ونزعة الجشع التجاري، أدت إلى تكريس حالات التفاوت الفظيع بين بني البشر، وإخفاقها (أي تلك الدول) في كسر الفجوة التنموية الواسعة بين شمال غني يزداد غنىً وتربّحاً وتدسّاً للثروات، وجنوب فقير (مفقر) يزداد فقراً وتخلفاً ويأساً وعدميةً حياتية... يعني هو الإجحاف والظلم والفوارق الهائلة في مستويات المعيشة والصحة والتعليم، وترهل مختلف شبكات البنى التحتية.. في وقت يرى أهل الجنوب كيف أنّ حكومات العالم الغنية (الغربية منها بالذات كأمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا) لا تمانع أن تتعامل مع الشيطان للمحافظة على مصالحها الحيوية في بلدان الجنوب، فتهادن نظمها اللا شرعية، وتتغاضى عن قبائحها وعنفها وعسفها، لسرقة مواردها وثرواتها كمواد خام، ولا تستفيد منها (شعوب الجنوب) إلا بالحدود الدنيا، بل وتضع (تلك الدول الغنية) عليها حرّاساً من أبناء الجنوب تُستخدم كمجرد أدوات لخدمة مصالح (وتنفيذ أجندات) وبرامج دول الشمال (والغرب عموماً) الغنية، وتكبيلها بالمعاهدات غير المتوازنة، والاتفاقات الذليلة والعقود المكلفة، والاستثمارات المُجْحِفة عبر (ومن خلال) هيئات ومؤسسات اقتصادية كصناديق النقد المالية الكبرى، تخفي النهب والاحتكار والإلغاء، وتظهر العدالة والمشاركة والتفاهم...!!!!.

.. أخيراً لا بد من التأكيد هنا على أن هذا الجيل العربي الذي ولد واستفاق وعاش في كنف أنظمة القهر والاستبداد، وسمع وشاهد الرموز والأسماء ذاتها الممثلة لتلك الأنظمة على مدار عقود عديدة مضت، هذا الجيل ينشد الخلاص، وهو يطمح للتغيير والإصلاح الحقيقي (لا الشكلي الديكوري) على ضوء ما يشاهده من أفكار وثقافة الحداثة السياسية الديمقراطية في غير بلد عالمي.. بينما هو لا يزال يعيش تحت وطأة نظم حكم عربية عتيقة متهالكة ضعيفة فشلت في كل شيء، وهي بالكاد تقدم لقمة خبز لمواطنيها، لا بل وتمنّ عليهم هذا اللقمة المغموسة بالكثير من الذل والعار والإهانة..

وكلمة أخيرة نقولها للحكام

أنتم في موقع المسؤولية الكبرى، التفتوا إلى شعوبكم الجائعة ومجتمعاتكم المقهورة.. جوّعتموها مادياً من خلال فشلكم في خطط التنمية، وجوعتموها معنوياً في توسلكم وتسولكم على أبواب البيوت البيضاء والسوداء.. فأصلحوا الحال قبل أن يفوت الأوان..!!… والحاكم منكم هو بمثابة الأجير عند الأمة يمكن لها أن تواجهه وترفضه وتسقطه متى شاءت، خصوصاً عندما يعجز عن تحقيق متطلباتها وأمنياتها في إقامة مجتمعات حقيقية يسودها التسامح والعدل والحرية والأمن.

نبيل علي صالح

 

إخترنا لكم من العدد