مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين حول الوفد المفاوض لترسيم الحدود: "نُصرّ على الالتزام بالضوابط التي كانت عليها المفاوضات غير المباشرة في العام 1996 وبتنفيذ القرار 1701"

العدد رقم 254 التاريخ: 2020-10-16

تحت سماء البحر المتوسّط: آفاق لتعميق العلاقات الإسرائيلية - المصرية

تحت سماء البحر المتوسّط: آفاق لتعميق العلاقات الإسرائيلية - المصرية

أعلن وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتس، ونظيره المصري، طارق المولى، في الخامس عشر من شهر كانون الثاني عن بداية تدفّق الغاز الطبيعي من إسرائيل إلى مصر.

البيان المشترك يشكّل علامة فارقة في العلاقات بين الدولتين، ويمنح تجسيداً إضافياً للارتفاع الملحوظ الذي حصل في السنوات الماضية في أهمية حلقة البحر المتوسط في السياسة الخارجية، الأمن والاقتصاد المصري. هذا المنحى ظهر جلياً في جدول أعمال "منتدى الشبان العالمي" الذي عُقد في كانون الأوّل في شرم الشيخ، الذي تضمّن جلسات نقاش في تشكيلة مواضيع تخص البحر المتوسط، بدءً من الطاقة والمناخ، مروراً بأزمة العمالة والهجرة غير الشرعية وصولاً إلى جذور الهوية التي تربط بين دول البحر المتوسط. إسرائيل ليست غائبة عن الحديث الذي يخص البحر المتوسط الذي تحثّه مصر، بالرغم من أنّ موقعها بقي هامشياً في المواضيع الخارجة عن مجال الغاز. لدى إسرائيل مصلحة في توسيع مدى علاقتها مع مصر وقدرتها على العمل على دفع هذا الهدف قدماً عبر بلورة سياسة متعدّدة المجالات في مواضع البحر المتوسط، تعزيز تدخلها في الأطر المتعلقة بالبحر المتوسط وتنمية أدبيات "المنطقة المشتركة".

في 12-17 كانون الأوّل 2019 اجتمع في شرم الشيخ "منتدى الشبّان العالمي"(WYF) برعاية الرئيس المصري، عبد الفتّاح السيسي، بمشاركة حوالي 7000 شابّ من أنحاء العالم. تمحورت نقاشات المنتدى، الذي تجريه مصر للسنة الثالثة على التوالي، حول توثيق التعاون بين دول البحر المتوسط في عدّة مجالات، وعلى رأسها: الطاقة، العمالة، المناخ، العلوم، الهجرة غير الشرعية ومكافحة الإرهاب. خُصّصت جلسات المنتدى للمصالح الملموسة لدول البحر المتوسط والجوانب الأكثر "ليناً" ومن بينها القواسم المشتركة التاريخية والثقافية التي تجاور سواحله. جدول أعمال المنتدى عكست المنحى التصاعدي البارز الذي حصل في السنوات الماضية في موقع البحر المتوسط من حيث السياسة الخارجية، الأمن والاقتصاد المصري، ومحاولتها لتنصيب نفسها كدولة محو رائدة في المجال.

إسرائيل ذُكرت في المنتدى كشريكة حيوية لصفقات الغاز مع مصر وكعضو عامل إلى جانبها في "منتدى غاز شرق البحر المتوسط" (EMGF)، الذي جرى في القاهرة في كانون الأوّل 2019 بمشاركة قبرص، اليونان، إيطاليا، الأردن والسلطة الفلسطينية. مع ذلك، أداء إسرائيل بقي هامشياً في المواضيع الخارجة عن مجال الغاز، وبذلك عليها بلورة سياسة شاملة خاصّة بالبحر المتوسط، التي تمكّنها من استنفاد فرص إضافية لتطوير علاقات مع مصر في حوض البحر المتوسط.

مصر كـ "دولة تقع في البحر المتوسط"

مصر تولي البحر المتوسط أهمية متزايدة في السنوات الأخيرة حيال ثلاث تطورات أساسية: أولاً، كشف حقل غاز "زوهر" الذي يكفي معظم حاجات مصر في مجال الغاز؛ ثانياً، إقامة في كانون الأوّل من العام 2019 الـ EMGF الذي يعبّد الطريق لتحويل مصر إلى "الأب" (تقاطع) طاقة إقليمي، ومن بين أهدافها إقامة سوق غاز إقليمي، تطوير موارد وبنى تحتية وتعميق التنسيق والحوار بين الدول الأعضاء. في المؤتمر الثالث لوزراء EMGF جرى في 16 كانون الثاني 2020 في القاهرة تقرّر العمل على تحسين موقع المنتدى لتنظيم دولي حكومي، بينما طلبت فرنسا الانضمام إليه كعضو عادي بينما الولايات المتحدة كعضو مراقب دائم؛ ثالثاً، التهديد الذي تشكّله تركيا على دفع التعاون الإقليمي في مجال الغاز قدماً بسبب رفضها الاعتراف بحدود قبرص البحرية. التوتر بين القاهرة وأنقرة بدوره تعزّز منذ تشرين الثاني من العام 2019 بعد الاتفاق على رسم الحدود البحرية الذي تمّ التوقيع عليه بين تركيا و"حكومة الوفاق الوطنية" في ليبيا.

في العدد الذي نشره "المركز المصري للبحوث الاستراتيجية" (ECSS) بمناسبة الـWYF تمّت الإشارة إلى أنّ اكتشاف الغاز في شرق البحر المتوسط سيخلق ديناميكية إقليمية جديدة، تشمل إنشاء كتل اقتصادية، علاقات متعدّدة الجهات، أحلاف وأحلاف مضادّة. كذلك أوضحوا أنّ مصر تقترح على إسرائيل وقبرص البديل الأرخص لتصدير الغاز إلى أوروبا وأسواق أخرى بفضل البنى التحتية لإسالة وجر الغاز الذي بحوزتها، التي يمكن توسعتها بكلفة منخفضة نسبياً عند الحاجة. مصر، من جانبها، معنية بأخذ نسبة من الأرباح وتعزيز موقعها الاستراتيجي كتقاطع لتصدير الغاز إلى أوروبا.

خلال الـ WYF جرت عملية محاكاة باسم "اتحاد دول البحر المتوسط" (UfM)، تنظيم رسمي يضمّ 43 دولة (من بينها إسرائيل)، هدفه دفع الحوار والتعاون حول البحر المتوسط قدماً، ويترأسه منذ العام 2018 الدبلوماسي المصري ناصر كامل. المشاركون في المحاكاة ناقشوا طرق مواجهة أزمة العمالة في المنطقة، التي يُعدّ 12.5% من سكّانها عاطلين عن العمل (معظمهم شبّان من بلدان جنوب البحر المتوسط) ومع تحديات بيئية تشمل ارتفاع حرارة المناخ بحوالي 20% من المعدّل العالمي. الرئيس السيسي أعلن في الجلسة الختامية للمحاكاة عن نيّة مصر ترميم البحيرات الاصطناعية الخمس الواقعة على طول شواطئها الشمالية. بالإضافة إلى ذلك، أعلن عن خطّة لتطوير منطقة "أوروبية - على البحر المتوسط" للتعليم العالي في مدينة العلمين الجديدة، المبنية غربي الإسكندرية ومن المفترض أن يأهلها ثلاثة ملايين ساكن. في المدينة يخطّطون من بين عدّة أمور لمشاريع تكنولوجية وسياحية وكذلك مبادرة لتشجيع رجال الأعمال تحت إشراف UfM، وفي 2021 من المتوقع إجراء فيها منتدى للشبان من دول البحر المتوسط.

تحدّي إقليمي آخر نوقش في WYF هو الهجرة غير الشرعية عبر البحر المتوسط. مصر أكّدت نجاحها في منع انتقال المهاجرين غير الشرعيين من إقليمها إلى أوروبا منذ العام 2016. في الموازاة تمّ الادعاء أنّه هناك حاجة لتعزيز التعاون بين دول جنوب البحر المتوسط الـ "الشابّة" (حوالي 60% من سكّانها تحت سن الـ 30) لدول شمال البحر المتوسط - الـ "مسنّة"، بهدف إيجاد حلّ تكاملي لحاجات سوق العمل في المنطقة. برؤية مصرية، الرد يشمل تسوية الهجرة الشرعية من دول جنوب البحر المتوسط لأوروبا، إلى جانب تعزيز أمن واستقرار دول جنوب البحر المتوسط بشكل يسهّل عليها جذب استثمارات وإيجاد أماكن عمل في مجالها.

كذلك عملت مصر في السنوات الأخيرة على بناء "هوية على البحر المتوسط"، المقدّمة للجيل المصري الشاب كإحدى أُسس "الشخصية المصرية". المعرض الذي جرى على هامش الـ WYF تضمّن عرضاً لثقافة البحر المتوسط، كُتب إلى جانبه أنّ العلاقات التي أقامتها مصر على مرّ التاريخ مع 21 دولة تقع على البحر المتوسط من القارات الثلاثة - حول التجارة، استثمار الأفكار، الفن والهندسة المعمارية - رسمت صورتها. وقد تُوّجت الإسكندرية في اللوحة الغنائية التي قُدّمت في مراسم افتتاح المنتدى كمدينة "تحمل بين جدرانها ذكريات المصريين، اليونان والرومان"، وكرمز للحلف المتواصل بين مصر وأوروبا.

تنمية هوية البحر المتوسط تعبّر عن رغبة مصر ببثّ نحو الداخل والخارج أدبيات إقليمية تخدم حملة تعزيز التفاعل في البحر المتوسط وتوسيع وسمها من الـ "أب" الاقتصادي إلى الـ "أب" الثقافي - نقطة التقاء بين القارات، الدول، الأديان والحضارة. في المنتدى نفسه تمّت مناقشة الأسس الثقافية والتاريخية التي تحوّل البحر المتوسط إلى "منطقة" وشعبه إلى "جمهور". في هذا السياق، في هذا السياق تحدّثت وزيرة الدولة لشؤون الهجرة، نبيلة مكرم، حول "أسبوع إحياء الجذور"، مبادرة رسمية دُعي في إطارها في العام 2018 إلى الإسكندرية 140 حفيداً لعائلات يونانية وقبرصية عاشت في الماضي في مصر وتسعى للارتباط بها مجدداً.

دلالات وتوصيات لإسرائيل

إسرائيل ليست غائبة عن حديث البحر المتوسط الذي تدفعه مصر قدماً، لكنّ مكانها بقي حتى الآن هامشياً في المواضيع الخارجة عن المصالح الاقتصادية في مجال الغاز. في الرؤية المصرية، تتمحور عمليات التعاون حول البحر المتوسط حول مثلث - مصر، اليونان وقبرص، في الوقت الذي تشكّل فيه إسرائيل شريكاً ثانوياً وظيفته محدودة ومراقِبة. في تقارير باسم "المركز المصري للبحوث الإستراتيجية" اتضّح أنّ إسرائيل ليست قادرة على المشاركة في المناورات العسكرية الهجومية التي تجري في مصر، اليونان وقبرص، على الرغم من أنّها تتشارك الثلاثة تصوّراً أمنياً مشابهاً، وتمّ التلميح إلى أنّ تواجدها يصعّب أمر تطوير التعاون متعدّد الجوانب في المنطقة لمستوى "حلف".

على الرغم من القيود السياسية التقليدية المرافقة للعلاقات الدولية، يجلب البحر المتوسط لإسرائيل سلسلة فرص جديدة لتعميق العلاقات مع مصر:

أولاً، عليها زيادة العمل على توسيع التعاون مع مصر في مجال الغاز والطاقة عبر تطوير موارد وبنى تحتية، تنسيق ثنائي وثلاثي في إطار الـ EMGF وتشجيع الحوار المهني بين الجهات الحكومية، شركات وخبراء من الجانبين. التطبيق الحالي لصفقة الغاز والطلب الذي أرسلته إسرائيل إلى مصر للانضمام إليها، إلى اليونان وإلى قبرص في إقامة أنبوب الغاز إلى أوروبا ("إيست - مد") هي خطوات بالاتجاه المناسب لترسيخ موقع قطاع الطاقة كجهة موازِنة ومقرِّبة في علاقات الدولتين وفي الجيوبوليتيك الإقليمي بشكل عام.

ثانياً، على إسرائيل بلورة سياسة حول البحر المتوسط تشمل السعي لتوسيع قوس المصالح المشتركة مع مصر والدول الأخرى إلى ما وراء مجال الغاز. لذلك عليها دراسة تحويل الانتباه الإسرائيلي نحو مواضيع حول البحر المتوسط مثل البيئة، الطاقة المتجددة، تحلية المياه، الاستعداد لساعة الطوارئ، التربية، العلوم والعمالة. الـ UFM قد تُستخدم كمنصّة مريحة لاندماج إسرائيلي في المشاريع الإقليمية من هذا النوع، وعلى إسرائيل دراسة أمر تخصيص مزيد من الموارد والقوة البشرية لتعزيز تأثيرها في إطاره (منذ العام 2016 اختارت إسرائيل لاعتبارات موازناتية عدم تعيين ممثّل لها في هيئة الاتحاد في هرتسيليا).

ثالثاً، إسرائيل - حالها كحال مصر- قد تستخرج فائدة من تنمية هويّة البحر المتوسط، التي تشدّد على قواسم مشتركة لدول المنطقة وقيم الانفتاح المتبادل، التسامح وتقبّل الآخر. بمقدورها العمل على تشجيع العلاقات المتبادلة بين شعوب البحر المتوسط، لقاءات شبابية وتبادل الثقافة التي تساهم في صياغة أدبيات "منطقة مشتركة" وتساعد على التدخل في المنطقة. إسرائيل ومصر، من جانبهما، يمكنهما دراسة تقديم مبادرة بروحية "أسبوع إحياء الجذور" بمشاركة أحفاد جالية الإسكندرية اليهودية، التي تضمّ بالحد الأقصى 40 ألف نسمة. ترميم كنيس "إلياهو النبي" في الإسكندرية من قبل الحكومة المصرية، الذي افتُتح هذا الشهر أمام الزوار، يشكّل بدوره نموذجاً ملهماً لانتماء "البحر المتوسط" وإمكانية ترجمتها لسياسة جديدة في المنطقة.

مركز أبحاث الامن القومي - أوفير فنتر

ترجمة وإعداد: حسن سليمان

 

 

 

 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد