مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين حول الوفد المفاوض لترسيم الحدود: "نُصرّ على الالتزام بالضوابط التي كانت عليها المفاوضات غير المباشرة في العام 1996 وبتنفيذ القرار 1701"

العدد رقم 254 التاريخ: 2020-10-16

الأمنُ والاسْتقرارُ العَربيّ وزَلازلُ المَنطِقة.. الصُّعودُ العَربيُّ نَحو الهاْوِية

 

ما جرى منذ أيامٍ (يوم الثلاثاء الماضي: 28 /1/ 2020م) من إعلانِ الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" لما يسمّى بـــ "صفقة القرن" القاضية بإيجاد حلّ للصراع العربي الصهيوني (حل الدوليتين وفقاً للمقياس والمفهوم الصهيو - أمريكي)، هو محاولة مفضوحة – على مسرح العبث السياسي الدولي - من الطرفين الأمريكي والصهيوني لمنع قيام دولة فلسطينية بمعنى الكلمة، أي بمقومات السيادة والاستقلال الحقيقية.. لتأتي المسألة كلها كمجرد دعاية وورقة انتخابية للرئيس الأمريكي ورئيس وزراء العدو الصهيوني، يمكن أن يحظيا من خلالها بدعم اللوبيات الصهيونية (والقبائلية السياسية العربية) لتحقيق الفوز والنجاح خلال الانتخابات المقبلة.

إننا نعتقدُ أنَّ الواقع العربي القائم حالياً، بكلّ ما فيه من خسران وسوداوية وانقسام وتفتت وضياع سياسي ومجتمعي ناجم عن هيمنة مواقع الطغيان السياسي العربي (بكل مفاعيله ورموزه وأدواته)، هو الذي شكل أكبر رافعة لمحاولات تلك الجهات الدولية العبث بموضوع فلسطين، وبكل ما يتعلق بأمن العرب وكرامتهم، والتلاعب بثرواتهم والعبث بمستقبل بلدانهم وأجيالهم..

إنّ تذرّر كثير من مجتمعاتنا العربية وتشظيها إلى حالاتها ومكوناتها الهوياتية الأولى - إثنياً أو مذهبياً وطائفياً وأقوامياً - له دلالة واضحة ليس فقط على حجم التدخلات الدولة في مواقعنا ووجودنا السياسي وغير السياسي العربي والإسلامي، بل له دلالة قبل ذلك على عدة أمور:

1- ضعف وهشاشة التكوين البنيوي الذاتي للدولة التحديثية الوطنية العربية في تلك المجتمعات والذي أسهم بقوة في وصولنا إلى مآسينا ومعاناتنا اليوم على كل المستويات والأصعدة..

2- ضعف واضمحلال مفهوم ومعنى الانتماء "الوطني" السليم القائم بالدرجة الأولى على معنى وقيمة الحقوق الفردية والمجتمعية..

3- كما ويشير بوضوح إلى أن ما يسمى بالأحزاب "التقدمية!" العلمانية العربية -التي اشتغلت طويلاً على قضايا قومية وبالذات على تلك المسألة الوطنية التقدمية، فشلت فشلاً ذريعاً في المواجهة وتحقيق شعاراتها، وانهزمت بقوة أمام ما قالت إنها عملت عليه من تفكيك عرى تلك الانتماءات القديمة، والتحكم والسيطرة على تلك البنيات المجتمعية، ولم تتمكن مطلقاً حتى من تدجينها واحتوائها أو توجيهها الوجهة الوطنية الصحيحة ودمجها في نهر الوطنية العامة. بل وتبين أنّ "بعض تلك البنيات المجتمعية الأولى" المتجذرة والعميقة نفسياً وعضوياً وتاريخياً، كان أوعى وأكثر تطوراً وحداثة وأكثر تقدميةً وعملانية وواقعية من بعض أو كثير تلك الصيغ والطروحات الحزبية التقدمية المزخرفة ببعض شعارات التنوير الغربي، والتي افتقدت للبعد الشعبي الحقيقي الطوعي لا القسري الفوقي النخبوي الأوامري.

أمراضُ الدّاخلِ كسببٍ للتّدخُّلِ والهزيمة

من هنا، ما كانَ من الممكن للدول الإقليمية والكبرى أن تتدخل في منطقتنا هذا التدخل العميق والواسع، وتتحكم في سياسات بلداننا حتى الداخلية منها، وتعبث بثرواتنا وتنهب خيرات بلداننا وشعوبنا، وتقرر عن أهل المنطقة المُغيّبين نتيجة ثلاثية الاستبداد والفساد والإرهاب (سواء في موضوع فلسطين وغير فلسطين من قضايا سياسية واقتصادية وتنموية) لو نجح العرب في تشكيل دول وطنية قوية، دول تتقوم بالقانون والمؤسسات والحقوق.. لكنّ العربَ الرسميين – من نظمٍ عقيمة ومؤسساتٍ متآكلةٍ عاكسة لصورتها - فشلوا فشلاً ذريعاً في تأسيس دولٍ مؤسسية قوية، دولُ مواطنةٍ وحُكمٍ الصالح، وثبّتوا (بل ورسخوا) دول القبائل والعشائر والانقلابات، دول الانقلابات والعسكر والأمن، دول التسلط والاستبداد والفساد، فلا قانون يحكم ولا مؤسسات، ولا مواطنة ولا أدنى كرامة، فجاء الخرق والاختراق لبلداننا ومجتمعاتنا من كل الأنحاء والاتجاهات.. وعاش العرب الخسران المبين والإذلال السياسي والفشل التنموي منذ عقود، وهم يتصاعدون في خسارتهم وفشلهم بصورة مرعبة..

والمشكلة أنه من النادر جداً أن تجد دولة عربية، أو قيادة عربية تتلمس طرق الحل الحقيقي، لتقوم أولاً بمراجعة الذات ونقد الأسس وبناء فضاء سياسي تداولي محفز للبناء التنموي الرصين..

تراهم يفشلون مراراً وتكراراً، ويقعون بالحُفر والمهالك مرات عديدة، ولكنهم يصرّون (في كل مرة) على تجريب المجرّب الذي ثبت فشله؛ أي تجريب نفس الأفكار والسلوكيات ومناهج العمل القديمة التي سببت لهم الخراب المادي والمعنوي.. ولكنه خراب على رؤوس الناس المقهورة فحسب، وليس على تلك النظم التي تشتغل بجدّ وقوة، على إبقاء مغذيات ومنابع الفوضى والتوتر والتناقض، لأنه غذاؤها ونسغ وجودها وديمومتها.. وهذا دليل إثبات مادي ملموس على وجود مشكلة في داخل وعي أولئك وفي عقولهم وبِنية تفكيرهم، أدت (وتؤدي باستمرار) إلى عدم صلاحية مبادئهم ومقوماتهم السياسية القائمة، وهو دليل أيضاً على سقوط آليات عملهم، وعقم تخطيطهم وبرمجتهم للأمور والمنظومات العملية، وسوء تدبيرهم وتدبُّرهم.

قضايانا بين الوطنية الحقيقية والوطنية الزائفة

باتَ هذا المصطلح (مصطلح الوطنية) من أكثر المصطلحات تداولاً خلال العقدين الأخيرين في كثير من دولنا وبلداننا العربية، خاصةً منها تلك التي تعيش حروباً وصراعات واقتتالات أهلية وإقليمية حربية دامية يتم استثمارها على غير صعيد سياسي واقتصادي.. فكلٌ يدعي فيها أنه وطني، ولكن على مقاسه ومزاجه، وبما يتناسب مع مصالحه وأجنداته.

وبطبيعة الحال هذه الوطنية المُشخْصَنة هي وطنيةٌ زائفة، أنانية، مؤقتة، مرحلية، مرتبطة بالأنا الخاصة.. وهي وطنية منبرية إعلامية، خطابية، ضيقة بضيق مصالح أصحابها الذين ينظرون من مرآة منافعها ومطامعهم إلى الوطن بأكمله، وهي وطنية شعاراتية مستهلكة، تنهار عند لحظة الحقيقة ومواجهة التحديات الحقيقية على الأرض.

أما الوطني الحقيقي، فهو مواطنٌ حاصلٌ على حقوقه، يعمل بوعي ومسؤولية، ويشتغل بصمت (ودون ضجيج) على خدمة مصالح وطنه وبلده ومجتمعه، من حيث اعتباره هو (أي المواطن) كذاتٍ حُرّة وقيمة فردية كبرى مُحصّنة بالقانون والممارسة القانونية.. وعلاقة المواطنة هي فعل انتماء الفرد إلى هذه البقعة الجغرافية المحدّدة (الوطن)، واستقراره عليها، وإيمانه بقيمومتها، وقناعته بمواريثها الحارية، ليكون مشاركاً بفعالية في بناء وطنهِ، بالاستناد إلى علاقة المواطنة الصالحة القائمة على منظومة الحقوق والواجبات.

ولكن الحقوق لا تعمل في فضاء القمع وانعدام الاستقرار والأمان.. لهذا يكون توفير منظومة الأمن الحمائية حجر الأساس في بناء دولة الحقوق، وهي نعمة لا تفوقها نعمة من النعم، هي أهم من الأكل والشرب وأية لذة أخرى، وكل النعم تزول بزوالها.. ولهذا أوردها تعالى في محكم كتابه بقوله: "وآمَنهم من خوف".. ولم يقل "أمنهم من جوع"... بل قال: "أطعمهم من جوع"..

وأهمية الأمن إذاً تنبع من كونه ضرورة حياتية ومجتمعية للعيش المستقر المتطور والمزدهر، يتم من خلاله اتخاذ إجراءات وتدابير مؤسساتية تحت سقف القانون السيد على الجميع رؤساء ومرؤوسين، تحمي الناس من المخاطر المحدقة المتوقعة، وتوفر لهم مناخات العمل والنشاط اليومي والإنتاج والفاعلية الوجودية والحضور المجتمعي دوراً ومكانة..

وأحوج الدول للأمن الحقيقي (أمن الوطن والمواطن) هي دولنا وشعوبنا ومجتمعاتنا التي تعاني تاريخياً من انقسامات إثنية ومذهبية حادة وتصدّعات تاريخية ذاتية مقيمة، تُرحَّل كأمراض من عام لآخر ومن زمن إلى آخر، بمعنى أنه لم تعالج فكرياً ولا سياسياً بصورة عميقة وبنيوية للأسف عبر كل مراحل التاريخ السياسي والثقافي لهذه الأمة التي مرت بفترات راحة وهدوء كان يمكن إيجاد معالجة عقلية وعلمية هادئة، لمثل تلك الأمراض أو الاشكاليات الثقافية الحضارية الموجودة في كل الدول والأمم والتواريخ، مع أن علاجها بسيط وغير مكلف، وهو علاج "سياسي - اجتماعي" (وليس أمنياً) بالدرجة الأولى؛ يتم بطبيعة الحال عبر توفير مناخ حكم سياسي وآلية بناء سياسي تعددي يقوم على قيمة الإنسان ومبدأ "المواطنة"، بما يسمح للناس بالتعبير عن آرائها وتعبيراتها ومعتقداتها وخصوصياتها وثقافاتها التاريخية الدينية وغير الدينية الخاصة، تحت سقف القانون والنظام العام بلا عنف ولا فوضى ولا دعوات انقسامية تحت أي عنوان جاءت. وشرط نجاح الأمن طبعاً هو في خبرته، وكفاءة منتسبيه، وعلميتهم، وقدرتهم على التنبؤ بالحدث قبل وقوعه احتياطاً واستدراكاً للمخاطر والأزمات الكبرى.

وفي قناعتي أنه لو تمكن العقل السياسي العربي من بناء تلك الأسس السياسية لدول المواطنة بعيداً عن القمع والردع والإقصاء، ما وجدَ التكفيرُ والتعصبُ والعنفُ أيّ طريقٍ أو سبيلٍ إلى مجتمعاتنا العربية والإٍسلامية، وحتى لو وُجدت أمراض التعصب والإرهاب فستوجد وتأتي فقط كحالة استثنائية طارئة لا أصالة لها في بيئتنا الحضارية المتنوعة بامتياز، مهما حصل فيها من ضغوطات وتحديات وتعقيدات.. لتكون حالات خاصة تتصل بظروف ومناخات طارئة، والدليل أنها لم تنجح في تشكيل أية حالة واقعية دائمة في أي بلد ضربته رياح الأصولية والتعصب والتكفير، بل كانت حالات عابرة للحدود والقارات، وليست نواة لتشكيل دولة أو تشييد مؤسسات، ليس بسبب افتقادها الذاتي لهذا الامر، وعجزها عنه، بل بسبب رفضها الشديد من قبل الناس أبناء الأرض الحقيقيين.

نبيل علي صالح

 

إخترنا لكم من العدد