مجلة البلاد الإلكترونية

أمريكا والـ "كورونا".. اهتزاز صورتها وانكشاف ضعفها.. وجامعة بقية الله للعلوم الطبية الإيرانية تقدم مساعداتها هدية منها للشعب الأمريكي، في أبلغ رسالة أخلاقية، إنسانية وسياسية

العدد رقم 226 التاريخ: 2020-04-04

خلفيات التطبيع بين الكيان الصهيوني والسودان

توفيق المديني

 

حظي اللقاء الرسمي الأول الذي جرى في مدينة عنتيبي الأوغندية يوم الثلاثاء4 شباط/فبراير الجاري بين رئيس الحكومة الصهيونية بنيامين نتنياهو ورئيس المجلس السيادي السوداني عبد الفتاح البرهان، باهتمام عربي ودولي كبير..

وذلك لأنّه يندرج في نطاق التطبيع بين العدو الصهيوني الذي يغتصب أرض فلسطين التاريخية ويحتل الجولان وأراضي عربية أخرى وبين دولة عربية تمثل بوابة إفريقيا للعالمين العربي والإسلامي، ويتزامن أيضًا مع إعلان صفقة القرن التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية.

مبررات لقاء البرهان مع نتنياهو

ساق الجنرال السوداني عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني، مساء اليوم الثلاثاء، لقاءه برئيس الحكومة الصهيونية الفاشية بنيامين نتنياهو بأنَّه لـ "تحقيق المصالح العليا للشعب السوداني".  وأكّد البرهان في بيان، في أول تعليق له على لقائه بنتنياهو، إِنَّ "بحث وتطوير العلاقة بين السودان وإسرائيل مسؤولية المؤسسات المعنية"، مشيرا إلى أنه اجتمع برئيس حكومة الاحتلال "من موقع مسؤوليتي بأهمية العمل الدؤوب لحفظ وصيانة الأمن القومي وفق ما نصت عليه الوثيقة الدستورية". وأكد "موقف السودان المبدئي من القضية الفلسطينية وحق شعبه في إنشاء دولته المستقل"، موضحاً أن "موقف السودان ما زال وسيستمر ثابتاً، وفق الإجماع العربي ومقررات الجامعة العربية".

وكشف البرهان أنه أبلغ رئيس الوزراء السوداني، عبد الله حمدوك، نيته لقاء نتنياهو قبل يومين منه، وأنَّه لم يفتح باب التشاور حوله مع بقية القوى السياسية لأنَّ ذلك كان سيفشله قبل بدايته، نافياً بشدة قطعه أية وعود للجانب الصهيوني، وأنَّه تعهد فقط بطرح الموضوع على المؤسسات الأخرى في السودان لتقييم الخطوة والنظر فيها.

وتوقع أنْ يُؤَدِّيَ اللقاء إلى انفراج اقتصادي، واندماج للسودان في المجتمع الدولي. وحول موقف السلطة الفلسطينية الرافض للقاء، قال البرهان إن السلطة تعجلت في موقفها قبل أن يؤكد أنه داعم للقضية الفلسطينية، وأن بلاده ثابته على مواقفها، "لكن مصلحة السودان مقدمة على مصالح الشعوب الأخرى".

وعلى الرغم من الرفض الشعبي السوداني للتطبيع مع الكيان الصهيوني، فإِنَّ الجيش السوداني أعلن دعمه للجنرال عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي، على خلفية لقائه رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو، في أوغندا.

وبصرف النظر عن المبرّرات التي ساقها الجنرال السوداني، عبد الفتاح البرهان، في لقائه الأخير مع رئيس الحكومة الصهيونية، بنيامين نتنياهو، في أوغندا، فإِنَّ دوافع اللقاء تكمن في وجود أنظمة عربية خليجية تدعم النظام العسكري السوداني  الذي ما زال المتحكم الرئيسي في دواليب الحكم الأساسية في السودان، وأصبحت تقود في الوقت الحاضر الحملة العربية ليس من أجل التطبيع مع العدو الصهيوني فقط، وإِنَّما تدعو إلى التحالف معه على أساس عدائها البهيمي للجمهورية الإسلامية الإيرانية ولحركات المقاومة التي مازالت تدعو إلى خوض الصراع ضد العدو الصهيوني من أجل تحرير الأرض العربية السليبة في فلسطين.

أمًا البعد الثاني للتطبيع، فيكمن في حرص رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، اليوم من التقرّب إلى الولايات المتحدة الأمريكية، عبر بوابة التطبيع مع الكيان الصهيوني، بهدف إضفاء شرعية دولية وإقليمية لنظامه العسكري، وتوفير حصانةٍ له، ولكبار العسكريين السودانيين المتورّطين في جرائم الحرب في إقليم دارفور، وربما الحصول على وعدٍ برفع اسم السودان من قائمة الإرهاب الأمريكية. وهذا ما يحتاجه النظام العسكري السوداني من الكيان الصهيوني، أي أنه يبذل جهوداً حثيثة لإزالة العقوبات الاقتصادية الأمريكية المفروضة عليه، وشطب اسمه من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، ومشاريع مشتركة مثل الزراعة والصحة والمياه والطاقة والاتصالات قد تزيد في أهميتها عن التطبيع مع الكيان الصهيوني.

وبعد هذا اللقاء، تلقى الجنرال السوداني عبد الفتاح البرهان دعوة لزيارة العاصمة الأمريكية واشنطن، وكان وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بارك خطوة الجنرال السوداني البرهان، لأنه معني بمساعدة بلاده للعبور نحو التمدن، وإخراجها من العزلة، ووضع مكان لها على الخارطة، ولذلك فإن الإنجاز السياسي لنتنياهو لم يحظ بالثناء فقط بتل أبيب، وإنما بواشنطن أيضا، فقد شكر بومبيو شجاعة البرهان في تطبيع العلاقات مع العدو الصهيوني.

ردود الفعل الشعبية السودانية المناهضة للتطبيع

وفيما رحب رئيس الحكومة الانتقالية في السودان عبد الله حمدوك الأربعاء، بالمبررات التي تحدث عنها رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان حول لقائه برئيس الوزراء الصهيوني المنتهية ولايته بنيامين نتنياهو، في العاصمة الأوغندي.

وعلى نقيض موقف رئيس الحكومة السودانية المؤيد للقاء البرهان مع نتنياهو، أعلن مدير إدارة السياسة الخارجية بمجلس السيادة، السفير رشاد فراج الطيب، استقالته لرئيس المجلس، احتجاجاً على خطوات التطبيع مع الكيان الصهيوني. وقال السفير، في بيان استقالته الذي نشرته وسائط التواصل الاجتماعي، إنَّه لم يعد قادراً على العمل، مع سعي رأس الدولة للقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي، "والكيان الإسرائيلي الذي يحتل المسجد الاقصى".

"الحرية والتغيير": القرار للشعب

أمَّا على صعيد تحالف قوى الحرِّية والتغيير الحاكم في السودان، بدءاً من "حزب الأمة" و"الحزب الشيوعي" و"حزب البعث" ومن التحالف مجتمعاً، فقد علّق الثلاثاء، بأنه لا علم له بلقاء رئيس مجلس السيادة ورئيس حكومة الاحتلال الصهيوني، وأنَّه "لم يتم التشاور معها في أي وقت سابق". واعتبر التحالف، في بيان له، أنَّ في ذلك "أمراً مخلاً، ويلقي بظلال سالبة على الوضع السياسي بالبلاد"، مشيراً إلى أن "الوثيقة الدستورية نصت على أن العلاقات الخارجية من اختصاص السلطة التنفيذية، وعليه فإن ما تم يشكل تجاوزاً كبيراً نرفضه بكل حزم ووضوح". وأضاف البيان إِنَّ "إحداث تغييرات جذرية في قضية سياسية بحجم قضية العلاقة مع إسرائيل يقرر فيها الشعب السوداني عبر مؤسساته التي تعبر عن إرادته". وأكدت قوى الحرية والتغيير أنَها "مع حق الشعب الفلسطيني في العودة ودولته المستقلة، ونقف ضد أي انتقاص من حقوقه العادلة".

وشددت على "رفض كل أشكال التجاوز للوثيقة الدستورية والمهام والسلطات المنصوصة بوضوح فيها"، كما أكَّدتْ أنَّ "الشعب السوداني هو الحارس الأمين لثورته"، و"سنعمل بكل ما أوتينا من عزم لإكمال مهامها مهما اعترض ذلك الطريق من عقبات وأزمات".

وعلى الصعيد الشعبي، تظاهر عشرات السودانيين في العاصمة الخرطوم، أمام مقر مجلس الوزراء، بالتزامن مع الاجتماع الذي عقدته لبحث اللقاء، ورفعوا لافتات تُنَدِّدُ به، وبالتطبيع مع الاحتلال الصهيوني، وأكدت على موقف الشعب السوداني من القضية الفلسطينية، ورفض الاحتلال.

تحول السودان إلى بوابة لعودة الكيان الصهيوني لإفريقيا

السودان يشهد الآن تحولاً راديكاليًا في تحالفاته الإقليمية، فبعد أن كانت تربطه علاقات وطيدة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية وبحركات المقاومة التي تقاتل العدو الصهيوني، أصبح منذ بدايات ما يسمى "الربيع العربي، تربطه علاقات جيدة وقوية مع المملكة السعودية ودولة الإمارات، إذ باتت النظم الخليجية تمارس التطبيع مع العدو الصهيوني بشكل استفزازي، فقبل أيام فقط، أًعْلِنَ عن السماح لحاملي الجنسية الإسرائيلية، بما فيهم العرب واليهود، بالسفر إلى السعودية لأغراض دينية أو تجارية.

ومع اندلاع الحراك الشعبي السوداني في فبراير 2019، والذي قاد إلى إسقاط الرئيس السابق عمر البشير في أبريل 2019، تغيرت أولويات الدولة السودانية، واليوم يسعى زعماؤها الجدد للابتعاد عن إيران، والتحول إلى بوابة للتطبيع ولعودة الكيان الصهيوني إلى إفريقيا، إذ بذل بنيامين نتنياهو منذ وصوله للسلطة في فبراير 2009، جهوداً حثيثة لتطبيع علاقات الكيان الصهيوني بالدول الافريقية، في مسعى منه لإعادة الجانبين لبعضهما البعض، وأعلن عدة مرات ان هذه القارة تحتل مكانة هامة في سلم أولويات السياسة الخارجية الصهيونية، ولم يخف رغبته بأن تغير هذه الدول توجهاتها التصويتية في الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية باتجاه الكيان الصهيوني إيجابيا، لأنها تخوض صراعها مع الفلسطينيين على المستوى الدولي.

وفي هذا السياق يحذو السودان حذو المغرب، الذي سبق السودان بأشواط كبيرة في مجال التطبيع مع الكيان الصهيوني منذ عهد الملك الراحل الحسن الثاني، واليوم مع وجود ابنه في الحكم محمد السادس، تحول المغرب إلى" سنترال" للاستثمارات الصهيونية تحت غطاء شركات مغربية، وسيتوج هذا التطبيع، بالحديث الأمريكي عن اتفاق سرّي يجري النقاش بشأنه بين الإدارة الأمريكية والمغرب من أجل اعتراف واشنطن بسيادة المغرب على إقليم الصحراء المتنازع عليه، مقابل تطبيع مغربي رسمي مع الكيان الصهيوني.

وكان الكيان الصهيوني أول من دعم حركة التمرد في جنوب السودان، ضمن سياق التحالف الاستراتيجي الذي كان قائماً بين "إسرائيل" وأثيوبيا منذ عقد الخمسينيات من القرن العشرين، إذ ربطت هاتين الدولتين مصالح مشتركة في غمار معارضتهما للأقطار العربية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. فاستخدم هيلاسيلاسي آنذاك تصويت العرب في الأمم المتحدة ضد الاتحاد الفيدرالي بين بلاده وأريتريا ذريعة للعمل بعد ذلك على إنشاء صلاته مع الكيان الصهيوني وتوسيعها. وبالمقابل كان الكيان الصهيوني يستفيد من موقع أثيوبيا الاستراتيجي قرب المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.

أما على صعيد السودان، فقد استخدمت "إسرائيل" موقعها الاستراتيجي الذي كانت تتمتع به في أثيوبيا منذ الستينيات من القرن الماضي، لكي تضيق الخناق على السودان عن طريق تقديم الدعم لحركة التمرد في جنوب البلاد التي قادت إلى تقسيم السودان في سنة 2011، والآن بعد أن نالت من وحدة السودان وسمعته، تنطلق "إسرائيل" من رغبتها في تحويل السودان بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان إلى بوابة جديدة لعودة الكيان الصهيوني إلى إفريقيا.

 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد