مجلة البلاد الإلكترونية

أردوغان فشل فشلاً ذريعًا في تحقيق أهداف المخطط الأمريكي - الصهيوني في سورية

العدد رقم 220 التاريخ: 2020-02-22

هل الاسْتِبدَادُ هُو السَّببُ الوحِيدُ لتَفَجُّرِ أوْضَاعِنا الْعَربِيّة؟! مقاربةٌ فِي اسْتِعْصَاءاتِ التّغييرِ العَربيّ المَنشُود

 

لا أحبّذُ كثيراً استعمالَ (أو حتى سماع) لغة العواطف والشعارات التحريضية والتعبوية أو رؤية مشاهد الترهيب والتحشيد العاطفي البلاغي من هنا وهناك من مواقعنا العربية والإسلامية..

ولا أتفاعل إيجاباً مع مصطلحات الإثارة اللا عقلانية الدارجة هذه الأيام في كثير من مواقع مناخنا الإعلامي والسياسي العربي المليء عن آخره بمسببات الأزمات ومحرّضات الانقسامات العمودية والأفقية؛ كما أنني لا أريد لمجتمعاتنا العربية الغارقة في فوضاها وأمراضها المستعصية من المغرب إلى المشرق أن تبدأ رحلة العلاج منها باستخدام أدوية فاسدة منتهية الصلاحية ووصفات طبية علاجية وهمية لتصبح حالتها مثل ذاك الغريق الذي كان يخشى على حياته من الغرق فتعلّق بقشة عائمة على السطح ظناً منه بأنها ملاذه وخلاصه؛ وهذه الخشية التي أشعر بها ناتجة عن مسؤولية ثقافية ورؤية واقعية تقول بأن بلادنا العربية فيها من القابليات الذاتية والاستعدادات الداخلية ما يمكن أن يدفعها إلى الدخول الفوري في ما يشبه الحروب الأهلية القبلية يمكن أن تأتي على الأخضر واليابس في كثير من تلك البلدان المصمتة والمؤدلجة، خصوصاً مع دخول كثير من عناصر الشغب ومثيري الفوضى ممن يخرجون فقط في لحظات الأزمات ليبدؤوا بتقيؤ كمٍّ هائلٍ من ألفاظِ التحريض والفتنة والحقد الأعمى الأسود على المجتمع ومنشآت الناس ومؤسساتها وأملاكها التي دفع الناس في بلداننا العربية دماء قلوبهم عليها.

طبعاً هذا لا يعني أنه ليس من حق الناس الاعتراض السّلمي الهادئ والعقلاني على أوضاعها المعيشية والسياسية الصعبة والمعقّدة التي آلت إليها ممارسات سنوات طويلة من عهود القمع السياسي والتشبيح الاقتصادي المافيوي للدولة التّسلطيّة العربية، كما أنّه لا بد من الاعتراف – وهو ما يجب أن تقوم به وتمارسه الآن وقبل أي وقت آخر حكومات العرب ونخب القرار السياسي العربي - من أن الشارع العربي (بطوله وعرضه) لم يعد قادراً على تحمّل هياكل الحكم السياسي العربي القديمة البالية بأكلافها الباهظة، ولم يعد يمتلك أعصابه لضبط نفسه أو تحمّل مزيد من الضغوطات النفسية والعضوية اليومية الهائلة التي تمارسها بحقه نخب عربية سلطوية مفارِقة، ذات تفرعات وتشابكات وارتباطات داخلية وخارجية مع كثير من مراكز القوى الإقليمية والدولية، لا يهمها سوى عروشها وكروشها، وذلك بسبب ثقل وحدة ملفات الأزمات المتصاعدة والمتوالية التي تسببت بها حالة تردي وسوء إدارة الحُكم العربي لمجتمعاته ومؤسساته، والذي لم يتمكن – هذا الحكم - طيلة عقود طويلة من الزمن، من إيجاد حلول حقيقية ناجعة وفعّالة لمشاكل البطالة والعطالة وتناقص فرص العمل وانسداد آفاق التغيير السياسي والاقتصادي وغيرها؛ ويظهر أمامُنا أنْ من يقوم ويتحرك في هذا الشارع هم أفراد متنوّرون وجامعيون غير مؤدلجين، وينتمون بغالبيتهم إلى الطبقة الوسطى (حاملة مشاريع التغيير في أي مجتمع) المتنورة المتعلِّمة والمثقَّفة وصاحبة المصلحة في التغيير السلمي، وهؤلاء بشر عقلاء يرغبون بالإصلاح السياسي والمجتمعي بهدوء وعقلانية وسلمية، على أن يكون إصلاحاً حقيقياً في بِنية الحكم وجوهر النظام السياسي العربي الرسمي الذي عجز –كما قلنا- عن النهوض بواقع المجتمعات العربية، بالرغم من الفرص الهائلة التي أعطيت له، وبالرغم من طول فترة بقائه ووجوده في سدة الحكم منذ أكثر من سبعين عاماً بعد حدوث موجة الاستقلال الشكلي عن "الانتدابات" (الاحتلالات) الخارجية واستلام نُخب وقيادات (وطنية!) لدفة الحكم الرسمي في غير بلد عربي.

ويبدو أن الإعلام المتعدد والمتنوع العابر للقارات وثورة الاتصالات والمعلومات الحديثة المتجددة قد فعلت فعلها بعد أن أصبحت بمتناول الجميع كباراً وصغاراً، ومن خلالها باتَ بإمكان الفرد العربي أن يشاهد ما لدى الآخرين، ويقارن بين حالته ووضعه الاقتصادي والسياسي والاجتماعي المزري والمتخلف وبين وضع وحالة المواطن الآخر في أي بلد أوروبي (أو حتى آسيوي متطور) ليجد الفرق النوعي والمادي الكبير بين هذه البلدان وبلدانه وحالة مجتمعاته الراهنة التي تمثل أسوأ ما يمكن أن يصل إليه أي مجتمع، فمن حالة الضغط السياسي والاستبداد والقمع وكم الأفواه ومنع الحديث عن أوضاع الناس الحقيقية ومصائرها المرتهنة المهددة، إلى تردي أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية، إلى فشل خطط ومنظومات وبرامج التنمية الخمسية التي دفع الناس أثمانها الكبيرة وتكاليفها الباهظة من عرق جبينهم ومن جيوبهم ومستقبل أجيالهم، إلى انعدام فرص تشغيل الشباب العاطل عن العمل والواقف على رصيف الانتظار السلبي في الشوارع والساحات.. إلخ..

حيث تجد الناس (ناسنا) تتساءل أنه هل يعقل –ونحن في القرن الحادي والعشرين، قرن الحضارة والوعي والعلم والإنتاج المادي والوفرة الغذائية، وقرن ما بعد الحداثة العلمية والمعرفية- هل يعقل أنه لا يزال الجوع والمرض والتخلف والقهر والغلبة والهيمنة والإقصاء، كلها لا زالت تفتك بالناس والمجتمعات حتى في الشعوب والمجتمعات التي كانت منذ عهد قريب مثالاً ونموذجاً للصحة والعافية وتحقيق معدلات مقبولة في سلم ودرجات التنمية البشرية..!!!.

هذا كله تراكَمَ ويتراكم في وعي الناس وسلوكهم، ويدفعهم للمطالبة بالإصلاح والتغيير بصوت هادئ، وبصوت عالٍ في حال لم تصل نداءات التغيير الشعبي، ولم تتحقق بصورتها العملية في التأسيس والتراكم العملي..

ولم يكن سبب حدوث واندلاع تلك الانتفاضات أو التحركات الشارعية - التي انطلقت في غير بلد عربي (كما يجري اليوم في العراق ولبنان)، وقد قام بها أبناء الطبقة الوسطى والفقيرة - عائداً فقط إلى سيطرة مناخات الاستبداد والقهر السياسي فقط، وإنما يضاف إليها (إلى تلك الأسباب) سبب آخر هو وقائع الفساد وملفات الإفساد الاقتصادي الكثيرة الملموسة التي أزكمت أنوف الناس في تلك المجتمعات، وتهريب العملات الصعبة للخارج، وتبييض الأموال ومراكمة الثروات، وبناء طبقات مالية فاحشة الغنى تعيش في أبراج عاجية وتملك أرقاماً خيالية من المال، بينما يعيش باقي الناس حالة من الفقر الشديد يضطرون معها للعيش في المقابر وتحت الأرض، والعمل بأي شيء (حتى على مستوى "التنكيش" والبحث في حاويات ومستوعبات القمامة و"الزبالة") لتأمين لقمة عيش لأبنائهم وأسرهم المعدومة.

ويمكننا القول هنا بأنّ ظاهرة الفساد في بلادنا العربية عموماً باتت ذات جذور عميقة ضاربة في داخل بنية مجتمعاتنا، وشديدة البروز والانتشار فيها تتلقى الدعم والإسناد، وتحظى برعاية من مواقع كبيرة بحجمها المادي والمعنوي، ولا نغالي إذا ما شبهنا الفساد المستشري في أوساط مجتمعاتنا كالمارد أو كالغول الذي يريد التهام ما تبقى من موارد (وثروات) عالمنا العربي والإسلامي.

ويظهر لنا أن كل ما قامت به نخب الحكم في كثير من تلك البلدان العربية من إصدار قوانين لمواجهة ثقافة الفساد وإسقاط المفسدين، واستيعاب واحتواء أزماتها المعيشية والاقتصادية، كله لا يعدو أن يكون أكثر من محاولات للاحتواء والتدجين، وقشور وأشكال خاوية وخالية من أي معنى حقيقي وفعلي، بدليل الارتفاع المتواصل في أرقام ومعدلات الفقر الشديد في تلك البلدان، وبقاء جيوش الجامعيين العاطلة عن العمل على أرصفة الضياع والانتظار.. بما يعني أن الأزمات ستتفاقم والتعقيدات ستزداد وتتوالد طالما أن الحلول المطروحة جزئية وسطحية وغير جدية.

من هنا لا علاج حقيقي فعال ومنتج لأزماتنا المتتالية والتي ستتصاعد لاحقاً بوتائر وأشكال وتعابير شتى، سوى بأن تبادر وتقوم نظم الحكم العربية (والمؤمن من اعتبر بغيره قبل أن يصل البلّ إلى ذقنه ما يقال) وقبل أن تنشب حروب أهلية جديدة فيها، بالعمل الفوري على إيجاد معالجة رصينة وحلول جدية متكاملة لأزمات مجتمعاتها ومشاكلها المتفاقمة، وخاصة منها وعلى رأسها، إشكالية السياسة القائمة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية عموماً (إشكالية الحكم والديمقراطية والحريات وملفات الإصلاح السياسي الحقيقي لا الزائف).

.. ومن دون التركيز العلاجي العميق والبنيوي على هذا الجانب السياسي - الذي بات يشكل قاعدةً أساسية للحكم الرشيد الناجع الصحيح القائم على مبدأ المواطنة والحكم الصالح - سنبقى نلف وندور في مزيد من الحلقات المفرغة، ولن يحقق أي مشروع مكافحة فساد (أو إصلاح اقتصادي) جدواه ونجاعته المطلوبة، بما ينسجم مع متطلبات تنمية (وتطور وتقدم) البلاد لمواجهتها التحديات المنتصبة أمامها، ولنستفيد من إنجازات التقدم والتطور الذي يشهده العالم المتشابك والمتداخل المصالح.

ولكن السؤال أو الأسئلة المحورية الرئيسية هنا:

هل لدى تلك النخب العربية القائمة والحاكمة حالياً في تلك البلدان - التي ضربتها وتضربها عواصف التغيير- نوايا جدية للإصلاح والتغيير والخروج من نفق الأزمات؟! وهل باستطاعتها أصلاً البدء بمقتضيات التغيير الحقيقي؟! وهل من مصلحتها أصلاً تحقيق التغيير البنيوي أم إبقاء الأحوال والأمور على حالها؟!، وهل يمكن أن تبادر تلك النخب – من دون ضغط أو إكراه - إلى إجراء الإصلاحات والتحولات الجدية المنشودة دون "تدفيع" مجتمعاتها الأثمان والتكاليف الباهظة للتغييرات النوعية المطلوبة؟!..

أتصور هي أسئلة مهمة تبحث عن إجابات حقيقية في واقع عربي ما زالت تتسيّده قيم الشخصنة والاستبداد وتتحكم به مناخات الفوضى والإمعية والعنف الأعمى، ويبدو أمامنا أن الوقائع التي نعاينها للأسف لا تبشر بالخير، فبعد مضي عقود طويلة على وجود النظام والحكم الرسمي العربي لم يحدث التغيير إلا تحت ضغط الشارع...!!!. مع أن للشارع تبعاته السلبية المكلفة على أكثر من صعيد اقتصادي وتنموي وحتى سياسي ما شاهدنا في لبنان وعموم المنطقة.

ونحن في عالمنا العربي لسنا بحاجة لدولة نخبوية أيديولوجية ذات صبغة مفارقة، فقد أثبتت التجارب العربية المريرة والمكلفة عبر أزمان طويلة، فشل تلك الأشكال من الدول، تحت أي عنوان أو أفكار أو شعارات مؤدلجة رومانسية حالمة تسترت وتغطت.. نحن بمسيس الحاجة إلى دول مؤسسات وقانون.. دول خدمات واقتصاد حر، تسعى لتحقيق حاجات الناس، وتأمين ظروف وصولها لحقوقها الكاملة.. لأن مشكلة العرب ليست دينية أو فكرية معرفية بقدر ما هي - بالعنوان الأولي - مشكلة إرادة مغيبة، تتمثل في انعدام الوعي السياسي والاقتصادي بالعصر والعالم، وهو الذي يؤشر إلى غياب حقوقٍ وحرياتٍ مؤسساتية لم تتظّهر في ثقافتهم التاريخية والمعاصرة.

نبيل علي صالح

إخترنا لكم من العدد