مجلة البلاد الإلكترونية

أمريكا والـ "كورونا".. اهتزاز صورتها وانكشاف ضعفها.. وجامعة بقية الله للعلوم الطبية الإيرانية تقدم مساعداتها هدية منها للشعب الأمريكي، في أبلغ رسالة أخلاقية، إنسانية وسياسية

العدد رقم 226 التاريخ: 2020-04-04

أردوغان والحرب الخاسرة في سورية

توفيق المديني

 

تؤكد التطورات العسكرية في سورية منذ الانتصار الاستراتيجي في مدينة حلب، عبر تحريرها بالكامل (المدينة وريفها الغربي)، وفتح مطارها الدولي للملاحة الجوية لأول مرّة منذ سنة 2012، حيث وجّه الجيش العربي السوري وحلفاؤه من حزب الله والأطراف الإقليمية والدولية متمثلة بإيران وروسيا ضربة قاصمة للفصائل الإرهابية والتكفيرية، لاسيما "جبهة النصرة "وأخواتها، أنّ ذلك الانتصار لمحور المقاومة قد أسفر عن تغيير كبير في موازين القوى على الأرض.

 ومهّد بشكل كبير للجيش العربي السوري وحلفائه  من تحقيق الانعطاف الكبير في الحرب عبر تحرير المدن الاستراتيجية والأرياف في كل من حماة وحلب وإدلب بمساحة 300 كيلو متر مربع خلال أسبوع واحد، والطريق الدولية التي تربط بين دمشق وحلب "إم 5" التي عبّدت الطريق لاستكمال تحرير مدينة إدلب، في هذا الوقت بالذات يواصل نظام أردوغان الخارج عن الشرعية الدولية وبدعم من الإمبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني اعتداءاته على الأراضي السورية في محاولة لإنقاذ أدواته من المجموعات الإرهابية، وتكريس احتلاله للشمال الغربي من سورية، ومواصلة إرسال قواته العسكرية من جنود وعربات مصفحة ودبابات، تمهيداً لنشرها في نقاط المراقبة التركية في إدلب ومحيطها.

وكانت القوات التركية قد أنشأت نقطة جديدة في قرية محمبل الواقعة على الطريق الدولي حلب – اللاذقية "إم 4"، وذلك بعد تمهيد جوي ومدفعي للجيش العربي السوري على بعض القرى الواقعة على الطريق، ما يشير إلى خوف نظام أردوغان من تقدم الجيش العربي السوري في محور الأتارب، ما يضعه على طريق معبر باب الهوى، الأمر الذي سيجعل قرابة ثلاثة ملايين نسمة في إدلب وريفها تحت خطر الحصار شبه الكلي، ويحرم الجماعات الإرهابية التحرك بحرية على الطرق الرئيسية، فضلاً عن سيطرة الجيش السوري على طريق  حلب - اللاذقية، وبالتالي فصل المناطق المتبقية من إدلب إلى قسمين وقطع الاتصال بينهما.

فتقدم الجيش العربي السوري بهذه الطريقة يقربه من الوصول إلى الحدود السورية التركية في كل من ريفي إدلب وحلب، وذلك للمرة الأولى منذ عام 2012، عندما فقدت الدولة الوطنية السورية السيطرة على المعابر الحدودية في المحافظتين لمصلحة فصائل ما يسمى "الجيش السوري الحر" المدعوم من الإمبريالية الأمريكية وتركيا.

أردوغان والاستعداد للحرب للبقاء في إدلب ودعم إرهابييه

أمام إصرار الدولة الوطنية السورية على تحرير كامل أراضيها من رجس الإرهاب، وبسط سيادتها الكاملة على محافظة إدلب بوصفها جزءًا من أراضي الجمهورية العربية السورية، وإصرار الحليف الروسي  على تطبيق بنود أستانا وسوتشي الموقعة بين الرئيسين: التركي أردوغان، والروسي بوتين، في 17 سبتمبر/ أيلول 2018، والتي حدّدت منطقة خفض التصعيد في إدلب التي استثنت التنظيمات الإرهابية من أي وقف لإطلاق النار، منزوعة السلاح عرضها بين 15 و20 كيلومتراً؛ خالية من السلاح الثقيل، وإبعاد الفصائل الإرهابية عنها، والفصل بين الفصائل المعتدلة والإرهابية، ومحاربة الأخيرة، خصوصاً "هيئة تحرير الشام" المصنّفة من الأمم المتحدة منظمة إرهابية، وفتح الطرق الدولية "أم 5" و "أم 4"، وأكدت على سيادة سورية، وسلامة أراضيها ووحدتها، ولم تكن تلك التفاهمات تهدف بأي حال من الأحوال إلى السماح للتنظيمات الإرهابية بأن تجعل إدلب وما حولها معقلاً لها أو أن تواصل اتخاذ المدنيين هناك رهائن ودروعاً بشرية.

أمام هذا الإصرار السوري الوطني والروسي، قدّم أردوغان خطابًا، أمام الكتلة النيابية لحزب العدالة والتنمية الحاكم في أنقرة يوم الأربعاء 19فبراير/شباط2020، دعا فيه، إلى أنَّ "عملية إدلب باتت وشيكة"، ولن نترك المنطقة للنظام السوري الذي لم يدرك بعد حزم بلادنا". وأضاف: "سنحول إدلب إلى منطقة آمنة، ونحن جاهزون على الرغم من استمرار المباحثات".

وكان رئيس النظام التركي أردوغان هدّد في الخامس من فبراير/شباط الحالي، الدولة الوطنية السورية بإطلاق عملية عسكرية ضد الجيش العربي السوري في إدلب، في حال لم ينسحب مع نهاية الشهر الحالي، إلى ما وراء النقاط التركية في منطقة خفض التصعيد، التي تضم كامل إدلب، وأجزاء من أرياف حماة الشمالي، وحلب الجنوبي والغربي، واللاذقية الشرقي.

في المباحثات الأخيرة التي جرت في موسكو بين الوفدين الروسي والتركي يومي الإثنين والثلاثاء الماضيين، أشارت مصادر مختلفة، إلى أن الروس قدموا خريطة جديدة بمساحة أقل عن تلك التي قدموها في الاجتماع الأول في أنقرة. وتعطي الخريطة الجديدة لتركيا نفوذاً لا يمتد سوى نحو 16 كيلومتراً من حدودها بعمق إدلب، فيما كانت الخريطة السابقة تمتد من الخط الحدودي وحتى الطريق الدولي حلب – اللاذقية "إم 4"، الذي يمر بمحافظة إدلب، أي بعمق 30 كيلومتراً. إلا أنَ الجانب التركي لا يزال يبدي تشدداً، لجهة مطالبته بانسحاب الجيش العربي السوري من كامل "منطقة خفض التصعيد"، وإلا فإن الحل العسكري بات على الطاولة.

الموقف الوطني السوري من التهديد التركي

من وجهة نظر الدولة الوطنية السورية صاحبة السيادة على كامل ترابها الوطني، ترى أنّ أردوغان يناور في الوقت بما يخص تنفيذ التزاماته حول إدلب، فكان يلعب حيناً ويناور أحياناً كثيرة في "وقت سوتشي"، دون أن ينتبه ولو للحظة أنا "عقارب سوتشي" ستلدغه في لحظة خارجة عن حساباته، وليصحو متأخراً على أصوات صرخات مرتزقته من الإرهابيين المهزومين في إدلب ويدرك أن وقت سوتشي لم يكن سوى حبات رمل افلتت من بين يده وكل الظن أنه يقبض على حجارة، فإذ بها جمر.

الواقع يقول إن أردوغان أدرك أن لامجال للعودة إلى الوراء، وبأن الروسي – الضامن في سوتشي- ما عاد يؤخذ بمعسول الوعود والكلام، بل يريد أفعالاً على أرض الواقع، تترجم بالقضاء على الإرهاب في إدلب وريف حلب الشمالي الغربي، فكان لا بد له من طريق أخر ينال عبره بعض المكاسب في سورية، أقلّه حفظ ماء الوجه، الذي سفك عند أقدام الجيش العربي السوري، فكان طريق الحروب لكلامه، والتهويل على المنابر الإعلامية، والحشد العسكري المبالغ فيه لقواته المحتلة في إدلب، مبالغ فيه لأنه يدرك أن الجيش العربي السوري ما قرر يوماً دخول منطقة إلا وفعل، وبأن جحافل قواته مهما قل أو كثر عددها وعديدها فهي قوات احتلال، وما من غطاء لها سوى جثث مرتزقة ارهابيين تتآكل بنيران الجيش السوري.

الموقف الروسي من التهديد التركي

خطاب أردوغان التصعيدي، قابله ردٌّ سريعٌ من الكرملين، الذي أصدر بيانًا يوم الأربعاء19فبراير/شباط2020، ردّاً على التهديدات التي أطلقها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، جاء فيه: إنَّ "إمكانية تنفيذ عملية عسكرية تركية ضد النظام السوري هي السيناريو الأسوأ"، مستدركًا بقوله: "موسكو تعتزم مواصلة الاتصالات مع أنقرة، لمنع تأزم الوضع في إدلب". وتابع البيان: "لسنا راضين عن تنفيذ اتفاق سوتشي، بسبب الهجمات على الجيش السوري ومنشآتنا العسكرية في سوريا"، بحسب تعبير وزارة الدفاع الروسية.

وفي سياق متصل، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، إن "الحديث حالياً ليس عن العودة إلى ما كان عليه الوضع بإدلب قبيل عام ونصف، وإنما تنفيذ اتفاق سوتشي". وأضاف لافروف خلال مؤتمر صحفي: "إننا لم نقدم شروطاً جديدة في المحادثات الروسية التركية بموسكو، وطلبنا فقط تنفيذ اتفاق سوتشي"، معتبراً أن "تركيا لم تنجح في فصل المعارضة الوطنية السورية عن الإرهابيين، ضمن المحددات الزمنية للاتفاق"، وفق قوله.

وأعلن المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، أن بلاده عازمة على استمرار التواصل مع تركيا حتى لا تسمح بتصعيد الوضع في إدلب.

هل سيذهب أردوغان إلى حرب خاسرة مع سورية؟

يؤكد المحللون في المنطقة العربية أنَّ المواجهة العسكرية بين قوات أردوغان المحتلة لجزء من الشمال السوري، والجيش العربي السوري المصمم على تحرير كل أراضي الجمهورية العربية السورية الخارجة عن السيادة الوطنية للدولة السورية، لا تخدم نظام أردوغان بالمرّة، ولغير صالحه، حتى وإن كان أردوغان يمتلك "فائض قوة" في المنطقة.

لقد اختارت الدولة الوطنية السورية وحليفتها الروسية التوقيت الدقيق لخوض حرب تحرير للشمال الغربي من سورية، وفي القلب منه أرياف حلب وحماة وإدلب والطرق الدولية التي تربط حلب بدمشق، وحلب اللاذقية، في وقت أصبح فيه النظام التركي بقيادة أردوغان يعاني فيه من أزمة في محيطة الإقليمي والدولي، إذ تورّط النظام التركي في أكثر من صراع وملف ساخن، من الاشتباك مع قبرص على خلفية التنقيب على الغاز في المياه الاقتصادية للجزيرة، إلى الاشتباك مع اليونان على خلفية الخلاف على حدود المياه الاقتصادية، وعدم اعتراف تركيا بمياه اقتصادية لجزر بحر إيجة التابعة لليونان، والاشتباك مع دول منتدى شرق المتوسط الذي يضم مصر وقبرص واليونان والكيان الصهيوني على حدود المياه الاقتصادية، وعلى مد خط أنابيب لنقل الغاز من شرق المتوسط إلى دول جنوب أوروبا، والانخراط في نزاع سياسي مع دول أوروبية، على خلفية تدخل تركيا في ليبيا، والانخراط في معارك سياسية وإعلامية مع محور مصر والسعودية والإمارات والبحرين، على خلفية تبنّي تركيا جماعة الإخوان المسلمين، وتقديم دعم سياسي وإعلامي لها، وتأييد موقف قطر في مواجهة الحصار الذي فرضته هذه الدول عليها؛ ودعم هذا الرباعي قوات سوريا الديمقراطية (قسد) سياسياً ومالياً، والانخراط في الصراع الصومالي، عبر دعم النظام القائم في مواجهة حركة الشباب الإسلامية المتطرّفة، دعمًا عسكريًا واستثماريًا وإقامة قاعدة عسكرية دائمة، نزاع سياسي مع الولايات المتحدة حول دعم الأخيرة "قسد"، والشكوك حول موقفها من محاولة الانقلاب الفاشلة، وعدم تقيد تركيا بالعقوبات الأمريكية على إيران.

لهذه الأسباب مجتمعة، فإن دخول أردوغان الحرب مع الجيش العربي السوري في محافظة إدلب، ليست في صالح تركيا، فبإمكان الدولة الوطنية السورية أن تفجر الحرب في عفرين، لا سيما بعد ما تحدثت عدة أوساط سياسية خلال الأيام القليلة الماضية في شرق الفرات، تفيد بوجود تنسيق عالي المستوى، بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي يهيمن عليها كوادر حزب العمال الكردستاني، وقوات الحكومة السورية، برعاية روسية، لزجّ أعداد كبيرة من مقاتلي "قسد" في معركة كسر عظم مع تركيا، بمجرّد أن تتمكّن قوات الجيش العربي السوري من بلوغ حدود عفرين، أو المنطقة الجبلية المتاخمة لباب الهوى، مع وعود بمنح غطاء جوي، وبمضادّات الطائرات المحمولة على الكتف، لتخفيف وطأة تأثير الضربات الجوية التركية، ومع احتمال نشوب اشتباك جوي بين الطيران السوري   والطيران التركي، في حال اقتضى الأمر.

أي حرب يدخلها أردوغان ضد الجيش العربي السوري والحليف الروسي، تحتاج إلى دعم من حلف شمال الأطلسي، بما أنَّ تركيا عضو فيه، لكنَّ مصدرًا ديبلوماسيًا في حلف الناتو، نفى وجود خطط لدعم أنقرة عسكرياً في حال أطلقت عملية جديدة شمال غرب سوريا.

وكان أردوغان، قد أعلن أنَّ حصيلة خسائر بلاده في إدلب، خلال الأسابيع القليلة الماضية، قد بلغت 14 قتيلا و45 جريحًا، بنيران الجيش العربي السوري، محذراً الرئيس الأسد من مغبة عدم التراجع إلى ما وراء نقاط المراقبة حتى نهاية شباط/ فبراير 2019، وسط حشد عسكري تركي متواصل في إدلب وعلى الحدود بين البلدين.

وانتقدت أنقرة مراراَ "تلكؤ" الناتو في تقديم الدعم لها، حيث قال أردوغان في تشرين الأول/ أكتوبر 2019أنَّ المادة الخامسة تنص على إلزام الدول الحليفة بدعم بلاده في حربها ضد حزب العمال الكردستاني والمجموعات المشابهة، على اعتبار أنَّها اعتدت مرارًا على تركيا وجنودها ومصالحها. وتساءل أردوغان عما إذا كانت ستقف دول الناتو إلى جانب بلاده أم في طرف من وصفهم بـ "الإرهابيين"، مشيراً إلى أنه لا يفهم ما الذي تريده هذه الدول. وختم حديثه قائلاً: "ربما لأن تركيا الدولة الإسلامية الوحيدة في الناتو؟".

خاتمة

في الحرب على الإرهاب، حقق الجيش العربي السوري انتصارات استراتيجية كبيرة خلال السنتين الماضيتين، حين هزم مخطط الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، والكيان الصهيوني، وتركيا والدول الخليجية، بشكلٍ كبيرٍ في إطلاق عملية زعزعة الاستقرار، وإسقاط  الدولة الوطنية السورية، من خلال توظيفه لتيارات الإسلام السياسي والحركات الإرهابية والتكفيرية التي ترفع شعار العودة إلى الدين وتعتمده أداة من أدوات المعركة، لكنّه إنتاج شعار مخادع، كبديل للدولة الوطنية السورية، بعد القبول بمنطق تقسيمها، والعودة الحقيقية إلى البنى التقليدية التي كانت تستند في جزء كبير منها إلى الشرعية الدينية، وقد انهارت من دون رجعة.

إنَّه رهان خاسر من جانب أمريكا وحلفائها من النظام التركي والأنظمة الخليجية المتصهينة، لأن التنظيمات الإرهابية على اختلاف مسمياتها لا تؤمن بالدولة الوطنية القائمة على التنوع، وبالتالي فإنّ المراهنة على تلك التيارات لا يعني فحسب، إعادة إنتاج سياسات إقصاء تنتحل سمة القداسة، ولكن يعني أيضاً، وبشكل أكثر خطورة، أنَّ هذه التنظيمات الإرهابية لا تقدم أي بديل واضح  لما هو سائد، ويمكن بسهولة أن تتخذ مطية لاستبداله بالأسوأ، فضلاً عن إهدارها لمعنى الدولة الوطنية بتنوعها، مما يعبد الطريق لمزيد من الحروب الأهلية، وانهيار الدول الوطنية، وانتشار التطرف والإرهاب.

من هذا المنطلق، النظام التركي بزعامة أردوغان فشل فشلاً ذريعًا في تحقيق أهداف المخطط الأمريكي - الصهيوني في سورية، وهو الآن يعاني من العزلة في محيطه الإقليمي، وفي علاقاته مع الدول الأوروبية والأمريكية.

ولا بد من التأكيد أن سورية أصبحت متموضعة على خريطة اقتسام الأدوار بين القوى الإقليمية والدولية الكبرى، وتقع في بؤرة الصراع بين القوى الإقليمية والدولية، لا سيما بعد الانخراط الروسي العسكري في سورية، والذي ينطلق من حسابات الأمن القومي الروسي في ظل تنامي الحركات الإرهابية في منطقة الشرق الأوسط، ومن مقتضيات المواجهة بين روسيا وحلف الناتو على خلفية الأزمة الأوكرانية، وما تتطلع إليه موسكو من  استعادة روسيا مكانتها كقوة كبرى فاعلة ومؤثرة في الأزمة السورية، في سبيل تحويل النظام الدولي من الأحادية القطبية، التي تهيمن عليه الولايات المتحدة الأمريكية، إلى نظام دولي تعددي تلعب فيه روسيا وعدد من القوى الإقليمية الصاعدة دورًا محوريًا وموازيًا للدور الأمريكي.

 

إخترنا لكم من العدد