مجلة البلاد الإلكترونية

أمريكا والـ "كورونا".. اهتزاز صورتها وانكشاف ضعفها.. وجامعة بقية الله للعلوم الطبية الإيرانية تقدم مساعداتها هدية منها للشعب الأمريكي، في أبلغ رسالة أخلاقية، إنسانية وسياسية

العدد رقم 226 التاريخ: 2020-04-04

عصفورُ المنافي

غسان عبد الله

يحدِّثني القلمُ وسط الإبحار في عُرض البحرِ.. قرأتُ لكَ:‏ "الليلُ حصنُكَ، فاحترسْ، واحذرْ من الارتحال في ضوء النهارْ.. والصمتُ بابُكَ فاحترسْ، واحذرْ من الدفءِ الذي يُغفيكَ لا البردَ الذي يُرديكْ.. والصخرُ دربُكَ فاحترسْ، إن السهولَ لئيمةٌ، فاحذر من العُشب الطريِّ المستباحْ".‏

دوّنتُ في أوراقي الخبيئةِ أسفلَ الأشرعةِ في المساء.. "لو أنك تدري ما يعنيه ليلُ الكابوس، لو أنك تدري ما يعنيه الهلعُ وما يعنيه اليأسُ وما يعنيه الصقيعُ، وكيف يقودُ الصخرَ إلى هاويةٍ لا بدّ من السقوط في عُتْمَتِها.. لو أنك تدري معنى الصباح دونَ عصفورٍ يغني.. لو أنكَ .. لو.. لو.."‏...  أعطيتُكَ ليلاً رائعاً.. فأذبتَ أحلامَ العشيّة في الشروقْ، أعطيتُكَ حلماً رائعاً فدفَعْتَني نحو الحريق، أعطيتُكَ قلباً دافئاً.. فدفعتني للذبحِ في عُرْضِ الطريقْ"..

دوّنْتُ في أوراقي الخبيئةِ: "أعرفُ أنكَ لن تحزَنَ كثيراً.. لكنْ بعد ضياعٍ واسعِ المدى، حين يرتَمي الوَهَجُ الحريقُ أو الشمعُ المذابُ على يدِكَ وبين أصابعكَ وأنت تنير درب السالكين نحو الغد المجهول.. أو حين ينتحرُ الحزنُ بين أصابِعِكَ ويَفْلَتُ من عينيكَ وميضُ الشوقِ لمعانقةِ أيِّ شيءٍ، إذ ذاكَ ستعرِفُ أنَّ الذي لامَسَتْهُ نظراتُكَ السارحةُ في الملكوتِ ليس حُلُماً عابراً، بل كانَ وعدَ اليقينِ بسعادةٍ أبديةٍ.. ستعرِفُ أن الصورةَ الحلوةَ التي ضاعت، لم تهرُبْ طوعاً من يدِكَ، بل إن يدَكَ لا غيرُ هي التي أفْلَتَتْها.. أعرفُ أنك لن تَحْزَنَ كثيراً، لكنكَ ستُدْرِكُ، بعد فواتِ الأوان، أن الذي فَقَدْتَهُ هو الذي كنتَ تريدُهُ وتشتاقُ إليه وتبحثُ عنه!!‏ لكن.. أيُّ جنونٍ هذا الذي يستنفِذُ طاقاتِ السعادةِ لدينا، فإذا بنا، بإرادةٍ أو بدونِ إرادة، نسلك دروباً أخرى".

سلاماً لوجهِكَ يطوي المسافةَ، يأتي من البرِّ طيراً بَلِيلْ، يُرعِّشُهُ الخوفُ والليلُ والبردُ والسَّفَرُ المرُّ عبر المتاهاتِ، فوق جروفِ الصحارى، على الأرخبيلْ يدقُّ شبابيكَ سجني ويؤنسُ وحشةَ ليليَ الطويلْ، فأوغِلْ في الصُدَفِ المذهلاتِ التي شرّدتني بأغلى عيون، بسربِ العصافيرِ ينقُرُ قلبيَ الحزين.. أيا مُنْيَتِي المورقةَ، تهلُّ في اللحظةِ المؤرِّقَةْ، تجيئني سراً، تغيبُ دهراً، وأنتَ الحُشاشةُ، أنتَ الشغافُ وأنتَ المغيبُ وأنت الشروقْ..‏

كتبتُ في أوراقيَ الخبيئةِ "أتيتُ إليكَ من عَصَبِ الزمنِ المضطرِبِ، أتيتُ إليكَ مسافراً خاليَ الوِفاضْ، اجتزتُ الطرقاتِ الموحشةْ، مُتْعَبٌ يلطِمُني الغدرُ، ويجلِدُني المنفى في الدارِ، في وجهكَ فقط أعرِفُ لونَ الشمسِ وأغاني الدَّمعِ قبلَ الرحيلِ، أَبني كوخيَ في منعطفِ جَفْنِكَ، وأهجُرُ قصورَ الدنيا، زَاحَمَني وجهُكَ في كلِّ مكانٍ، في الفَزَعِ وفي السَّفَرِ، ملامِحُكَ تقيِّدُني وتفُكُّ أساري أيضاً..".‏

قرأتُ لكَ: "ادخُلْ وعللِّني قليلاً.. ألمَسُ الجبينَ العالي.. عتباتِكَ، وردَكَ العذبَ الأسيلا، لا تلُمني إن حَضَنْتُ طراوةَ الترابِ في حقلِ الزيتون عندَ مشارفِكَ البهيةِ في شغفٍ، أخذت غصناً بالكفين يا قمري الأخيرا، آه يا قمري المسافرَ في متاهِ الروحِ، لِمْ جرَّحوا الطُّرُقَ الموصَدَةَ بالحنين، لِمْ تأخرّنا الكثيرا..  تأخرْنا عن نُصرةِ حمرةِ المغيبِ عند مغيبِ الحلمِ الموشومِ بالدمِ والذكريات الأليمةِ.. خذني إلى رياضِكَ التي يُفْترَضُ أن تكونَ خضراءَ رغم هذا الشتاءْ حمراءَ من وردِ النجيعْ، زمِّلْني بدفءِ الشوقِ والنجوى..".‏.

كتبتُ في أوراقي الخبيئةَ "لا تُلْقِ مرساةً ولا تَبْذُرْ بَذْرَةً.. الأرضُ عندي صّماءُ كالصخرةِ، عمياءُ كالصخرةِ ومياهُ الجَرْفِ مرّة، لا تنصُبْ خيمةْ، سنموتُ ولن تَعْبُرَ غيمة، لكن من يدري.. قد لا ينتَظِرُ الوقتُ، قد نرحلْ عندَ الفجرِ عن أرضِ صمّاءَ، عمياءَ كالصخرة.."..‏

قلِّبِ الأوراقَ مَرَّةً تلو المرة.. ترى كيف لامَسَتْ عوسَجَكَ ريحُ صبا عذراءَ تهبُّ من غيبوبةِ الزمنِ مخترقةً المكانَ ونافضةً بأجنحتها الرقيقةِ الشذيَّةِ ركاماً صنَعَهُ أكثرُ من مسيلمةٍ.. وأكثرُ من أبي لهبٍ وأكثرُ من حمَّالةِ حَطَبْ وأكثرُ من نفَّاثةٍ في العُقَدْ.. قلِّبْ وجَهْكَ هنا وهناك، يجيئُكَ عصفورُ المنافي، يكادُ يَسْمَعُ أنين الروحِ منكَ ساعة الغوص في متاهات السؤالِ وبكائياتِ المساءْ.. يقولُ لك: وصفوا لي عنكَ بالينابيعِ تفيضُ.. وتمنَّيْتُ ليلةً قدسيةً في ظلِّ بكائِكَ.. ليلةً تكونُ آخرَ الحياة، وصفوا لي عنكَ كلَّ مساحةٍ تفيضُ منكَ عطراً.. يا لدموعِكَ نهرْ.. "لكن" الروحُ منّي عوسجةُ بَرّ، ما وَصَلَ إليها الندى ولا جَاسَها بقطْرِةٍ المطرْ، لكن أيضاً يُمْكِنُ بَعْدُ بالروحِ يا ريحانَةَ الوجيبِ لحظةَ صمودٍ واحدةٍ ويهمي المطَرْ.. فلا تَبكي بكاءَ حَسْرة، قلبي بعدُ ما ماتْ..

عصفورُ المنافي ما هبَّ في أرياشِهِ زَغَبْ.. غير أنه في زحمةِ المشاعِرِ المختلطةِ هذي تذكَّرَ زقزقاتِ شعرٍ كانَ غرَّدَها منذُ أكثرِ من عُقْدٍ من الزمانِ، كانَ إذ ذاكَ يجرُّ من ريشِهِ وشغافِ قلبِهِ إلى وهدةٍ موحشةٍ: "أخافُ العيونَ الحزينةَ، تحطِّمُ جسميَ وتصلُبُ قلبي ببابِ المواجِعِ أنا العصفورُ الشادي على وريقةِ الوجدِ الجريحِ سيِّدُ تلك الجبالِ القصيّةِ. أخافُ الشِّراكَ وخفقَ جناحِ اليمامةِ فيها، أخافُ ارتشاحَ العيونِ القصيّة.. أنا الطيرُ سيِّدُ تلكَ البراري الوحيدْ، تطايرْتُ نحو ذرى الحزنِ أُطفِئُ غليّ وأخشى من القهرِ يرسم ظلّي.. أخافُ عيونَ البنادِقِ ترقُبُ خطواتي الراعشةَ تُطلُّ عليَّ من الدَّغْلِ الموحشِ، أخافُ العيونَ التي راودتني وقادتْ إلى الموتِ قلبيَ العنيد" لكن هل ثمةَ الآن خوفٌ.. وعلى أيِّ شيء؟؟ وما الذي تبقَّى بعدُ؟؟.

عصفورُ المنافي رَاوَدَتْهُ مشاعرُ شتى، هل هو يا ترى الخوفُ إذن على هذه الصَّبا التي تهب؟؟ لهُ هو الخوفُ على هذا العصفورِ التائِهِ الباحثِ عن عشٍّ في متاهةِ البردِ والريحِ والمطرْ؟؟.. ربما.. ربما.‏. ولي كلُّ هذي الكتاباتُ التي لا ترحمُ قلماً صاحِبُهُ ما ملَّ حزناً مذ غزَتْهُ خفافيشُ الظلام.

 

 

إخترنا لكم من العدد