مجلة البلاد الإلكترونية

أمريكا والـ "كورونا".. اهتزاز صورتها وانكشاف ضعفها.. وجامعة بقية الله للعلوم الطبية الإيرانية تقدم مساعداتها هدية منها للشعب الأمريكي، في أبلغ رسالة أخلاقية، إنسانية وسياسية

العدد رقم 226 التاريخ: 2020-04-04

الإبداعُ.. ضَرْبٌ من الإلهام؟.. أم من الجنون؟!.

غسان عبد الله

عندما مر الحديث في الهامش السابق - البلاد 219 - على ذكر ((كونفوشيوس)) لم يكن المعني به هو إحياء ذكرى هذا الفيلسوف الحكيم والمربي العظيم والدعوة إلى الاهتداء بتعاليمه وتثبيت القيم الروحية التي شاعت في مدرسته.. فلدينا من القيم الروحية والأخلاق السامية والنظرة المتكاملة ما يغنينا عن الحاجة إلى نصيحة أي مربي وحكيم وفيلسوف مهما كان الفكر الذي جاء به مستخلصاً من دراسة واسعة وفهم عميق للنفس الإنسانية والفكر الجمعي بشكل عام..

ولا ينفي الحقيقة هذه ما يشيع بين الكثير من أبناء أمتنا اليوم من تدنٍ خلقيٍّ وتخلف فكري وانهيار للمنظومة الأخلاقية المسؤولة عن تماسك مكونات المجتمع، وأحاسيسهم بالانتماء ولزوم الحفاظ على تطويره، فللانهيار أسبابٌ خارجيةٌ ولا تُعدُّ في أي حال تصدعاً في البناء، ولا قصوراً عن فهم النفس الانسانية، ولا عجزاً عن التواؤم والتكيف مع الواقع المتطور للمجتمع.. ويكفي لتصديق هذه الحقيقة الأعداد الكبيرة من عامة أبناء الغرب ومفكريهم وهي تعلن انتسابها إلى دين الإسلام وقيامهم بالدفاع عنه والدعوة إليه وهم يشاهدون بأم الأعين الوحل الذي يتمرغ فيه المسلمون ويغطي رؤوسهم، والتدهور المهين الذي اعتراهم، والواقع المقرف الذي أصبحوا عليه، فقد أمعنوا النظر وأدركوا أن الدين سالم والأخلاق مكتملة.. وعرفوا أين يقع مكمن الخطأ.

والمعنى إذن هو إثارة السؤال عن الخيط الذي يربط كلاً من أطراف النقل والإنشاء، والإتّباع والإبداع، والماضي والمستقبل، والذكرى والاستشراف..

وأن الفكر الذي تركه كونفوشيوس للصين لم يكن نقلاً لأخلاقِ الذين سبقوه وتاريخهم وحسب، فلو كان الأمرُ على هذه الصورةِ لم يتخلّد اسم كونفوشيوس حتى عُبِد من قِبلِ الصينيين!!، وأصبحت تعليماته مدرسة يتناقل أفكارها الصينيون ويعلمونها أولادهم طوال ألفي عام حتى حلّ النظام الشيوعي الحديث، فالأجدر هو أن تُخلد أسماء أصحابها الأصليين وتطفو ظاهرة على السطح.

لقد كان كتاب التاريخ الذي كتبه بيديه وتركه لأتباعه من بعده، خلطاً من أحداث حقيقية عاشتها الصين في أعظم مراحلها وخطبٍ وأقاصيص وضعها من نفسه.. فكان عمله إبداعاً تفرّد به لا صورةً مستنسخةً، وقصصاً تاريخية وشّاها بزُخْرُفِهِ وفنّهِ في أسلوب الخطاب والعرض، وعملاً فنياً يحمل بصمته.

والمعنى بعد هذا أن الإبداع، عملٌ تجتمع فيه أبعاد عديدة، الخبرة والتجربة، الإشكال والحل، المأساة والأمل، ظواهر العالم وديناميكيات العقل و... و... و...

ولو أَجَلْنا النظر في العمليات الفكرية (الواعية) وآلياتها عند الإنسان بشكل عام لأدركنا أن ما قيلَ عن التأثيرات المتشابكة (المؤثرة) في صميم العملية الإبداعية هي نفسها حاضرة في ديمومة الوعي وانتقاله عبر أبعاد الماضي والحاضر والمستقبل.. ولو اجتزأنا الصورة التي تمر أمام أعيننا في هذه اللحظة من فيلم سينمائي نشاهده وأخضعناها إلى التحليل، لن نجد أبعاداً أخرى خارجة عنها، لا ذكرى للّحظة الماضية ولا إحساساً أو توقعاً لما سيحدث لاحقاً.. أما عند الإنسان فالأمر مختلف تماماً.. إذ أن الوعي في كل لحظات مروره، يتّكئ على ماضٍ مرّ به ويتطلع إلى مستقبل آتيه لاحقاً، إنه في حالةٍ دائمةٍ من الارتكاز على الماضي والانعطافِ نحو المستقبل.

ففي لحظة الوعي الحاضرة عند كل إنسان، يجتمع الماضي بالمستقبل، والاشكالات المستعصية بالحلول اللازمة لحلها، والآلام التي عاناها بالآمال التي يرتجيها.. إنها البُنْيةُ التي تشكِّلُ عقلَ الإنسان وتحدِّد نهج تفكيره، وتنتظمُ وفقها أفكارُهُ.. ويتساوى في هذا كل واعٍ مفكر، العادي والمتميز والفنان والعالم والمتّبِع والمبدع والمتخلِّف والعبقري.

وما قيل عن لحظات الوعي، يقال عن تلك الأوقاتِ التي يُنشئ فيها المبدعُ موضوعَهُ المتميزَ، فهو في كل الأحوال ابنُ بيئة يعيش فيها، وأرضٍ يمشي عليها، وأمةٍ أو جماعةٍ ينتمي إليهم ويعيش بينهم.. وله طفولةٌ قضاها، وتربيةٌ استوعبَ مرامِيها، وأخلاقٌ تشرّبها كما تتشربُ الأرضُ ماء المطر، تداخلت وتشابكت في أعماق نفسه وتركيبة ضميره.

كان (فيكتور هيجو) من المؤيدين لفكرة أن للعملية الإبداعية فترةَ تمهيدٍ وإعدادٍ وتأمُّلٍ، وأن للذكاءِ والذاكرةِ دوراً فاعلاً ومؤثراً لا يتسنى لمخيلة المبدع أن تعمل بدونهما، وأن الإلهام عنده كالطائر الذي يخرج من البيضة، لم ينطلق إلا بعد أن مرت عليه فترة رعاية واحتضان ورقاد.. وكأن هيجو يرد بهذا على من يرى أن في الإبداع ضرباً من السحر والإلهام الهابط من فوق أو انفصالاً عن عالم الاهتمامات والانشغال بأمور حيواتنا اليومية.

وما ذهب إليه (هيجو) لم يكن بِدعاً، فهذا (ادغار آلان بو) يصر على أن العملية الإبداعية موجّهة في كلِّ مراحِلِها وأن الوعي والتوجيهَ في صياغةِ العملِ إنما يجريان وفق أهدافٍ وغاياتٍ محددةٍ، كأنْ يُلْهِبَ في نفوسِ قارئيهِ مشاعرَ الفرحِ أو الحزنِ وأن يضع لأشْعَارهِ قافيةً يحددها بنفسه، ووقتاً يستغرقهُ العرضُ أو الإلقاءُ أو القراءةُ اللازمةُ للعمل.

وما يعنينا أن وعينا حينما يكون حاضراً في لحظاتِ تفكيرنا المبدعِ فإنه يدفع بأحداثِ ماضينا وتجاربنا التي مرّت، ومستقبلنا وأمانينا المرتجاة لأن تتشابك وتتفاعل فيما بينها وفقَ مساراتِ ما نملِكُهُ من مرونةٍ في التفكيرِ وحدّةٍ في الذكاء وقدرةٍ على الاستنباط، ليخرُجَ العملُ بعدها في صورةٍ من الجِدّة والتفرُّدِ وكأنه إِلهامٌ قد هبط علينا من السماءِ ونحنُ في غيبوبةٍ وذهولٍ. وأن الإلهامَ – ونعني به الإبداع، فالإلهام مرحلة من مراحله - لا يعني خَلْقاً من العدمِ، ولا هو شرارةٌ تقدحُ على حينِ فُجأةٍ في الرأس.

(ويؤكِّدُ أصحابُ النزعةِ الاجتماعيةِ على أن للعوامِلِ الوراثيةِ والاجتماعيةِ والتربويةِ والنفسيةِ أثراً بيّناً في تكوينِ شخصيةِ الفنان - المبدع - وفي تشكُّلِ ما يُنْتِجُهُ من عملٍ. ويؤكِّدون على أن مفهومَ الأصالةِ الخالصةِ وهمٌ وَقَعَ فيه أولئكَ الذين نظروا إلى الفنّانِ باعتبارِهِ كائناً غير أرضيٍّ، هبطَ علينا من السماءِ ويتلقّى الوحي من لَدُنْ موجودٍ علوي.. وكلما وقعنا على تفصيلات حياة الفنان واهتدينا إلى المصادر التي أخذ منها، بَدَتْ نسبيتُهُ وصارَ عَمَلُه تأليفاً بين أفكارٍ قديمةٍ وتعديلاتٍ على ما تلقّاه من تطريزات فنية...).

وليس أدلَّ على ما مرَّ بنا من تلك المراحل التي حددها دارسو الإبداع، فجعلوا للعمل المبدع مرحلةَ تهيُّؤٍ وإعدادٍ وتجميعٍ للعناصرِ ذات العلاقة، تأتي بعدها فترة (اختمار) يعاني فيها الفنانُ أشدّ لحظاتِ القلقِ والتوترِ لما يقوم به من جهدٍ فكري – في الوعي أو اللاوعي - في تحديدِ الأشكال وفحص العناصر وما تحمله من خصائص وإمكانات، ومن بعدُ، الخروجُ بإطارٍ نهائيٍّ للفكرة.. ثم يأتي الإلهامُ هابطاً وكأنه ومضةُ برقٍ خاطفةٍ، أنارت صفحةَ السماءِ وأحالتِ الظلامَ إلى نور يبهجُ القلبَ ويبعثُ السرورَ في النفس.

وماذا إذن عن الإلهام الآتي إلينا على هيئة حلم ونحن نائمون، ساهون عن الواقع وشاردون، وفي غفلة عما نعانيه من مخاوف أو قلق..؟. لقد حدثنا أحدُ الشعراءِ الغربيين عن قصيدةٍ شهيرةٍ كتبها وبيّن أنه قد كتبها تحت تأثيرِ حُلُمٍ رآه.. وقال (جوته) إنه قد كتب روايته (آلام فرتر) وهو منصت إلى هواجس آتيه إليه من أعماق نفسه.. بل قيل إن (لامرتين) كان يؤكد للآخرين، أنه لا يُعْمِلُ تفكيرَهُ بالمواضيعِ التي تستهويه وإنما أفكارُهُ هي التي تفكِّر. أليس في الإبداع شيء آخر هو غير الذي تحدثنا عنه، غير الخبرة والتجارب، وغير الارتكاز على الماضي والانعطاف نحو المستقبل.

لعلّ أولَ من استفاضَ في دراسةِ موضوعِنا هذا هو أفلاطون، فقد خرج بنتيجة مفادها أن الإبداع (الفني) ضرب من الإلهام الإلهي أو الجنون، ((وعلى هذا جاء الذين بعده، من المتأثرين بمدرسته، ورأوا فيه إلهاماً وسحراً وإعجازاً وقدرة غير عادية اختص بها أشخاص يتميزون بالإحساس المرهف والحدس اللماح والبصيرة الحادة والإدراك النفاذ))..

لقد نظّرَ أصحابُ هذا الرأي أن في الإبداع شيئاً من الانفصال وقوة خارجة (عليا فائقة للطبيعة) ليست من مكونات العقل عند ذوي الإلهام والابداع، وأن المُلهم فيه لا يعدو أن يصير ((واسطة وأداة، فهو حينئذ لسان حال القوة الفائقة هذه)). وبلغ بهم الحالُ لأن يُعلوا من النزعةِ الذاهبةِ إلى الإعراضِ عن المنبّهاتِ الآتيةِ من المحيطِ وما يستَتْبِعُها من الضغوطِ المؤثرةِ على صفاء الذهن وانشراحِ النفس، والاستغراقِ في التركيز على الداخل، والإصغاءِ إلى خَطَرَاتِ النفس الآتيةِ من الأعماق، بل الإصغاء إلى همسات الوحي الآتي من ربات الإلهام.. حتى ذهبَ الحالُ ببعضهم إلى تناولِ العقاقيرِ المهلوسة والمخدرات، لعلّهم يحظَوْنَ بلحظاتٍ من النشوةِ والوجدِ وجَيَشَانِ الألفاظِ والمعاني والخواطرِ المتواردةِ على عجل.

 

 

إخترنا لكم من العدد