مجلة البلاد الإلكترونية

أمريكا والـ "كورونا".. اهتزاز صورتها وانكشاف ضعفها.. وجامعة بقية الله للعلوم الطبية الإيرانية تقدم مساعداتها هدية منها للشعب الأمريكي، في أبلغ رسالة أخلاقية، إنسانية وسياسية

العدد رقم 226 التاريخ: 2020-04-04

مؤتمر ميونخ للأمن: معسكر الغرب يتصارع مع نفسه

 

في النسخة السادسة والخمسين لمؤتمر ميونخ للأمن، وجدت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها مكشوفة أمام محاكمة قاسية من قبل الشركاء والحلفاء في القارة العجوز..

وهي إذ حاولت عبر ممثليها في المؤتمر تحويله إلى منصة للتصويب على الصين وروسيا بوصفهما "خطراً على النظام الدولي"، فإن طمأنتها للأوروبيين بأن المشروع الغربي ينتصر، لم تبدد هواجس القلقين من تراجع النفوذ الأمريكي على مستوى العالم، وانشغال واشنطن بترجمة شعار "أمريكا أولاً" عبر سياسات تضر بالأصدقاء قبل أن تؤثر في الأعداء.

التقرير الأمني للمؤتمر: الغرب يتراجع

هواجس كثيرة ظللت مؤتمر ميونخ للأمن هذا العام، أشار إليها رئيس المؤتمر "فولفغانغ إيشينغر" خلال مؤتمر صحفي عقده في برلين عشية انطلاقة أعمال المؤتمر السنوي، واصفاً اللقاء بأنه الأهم خلال العشرين سنة الماضية، لأن المجتمعين "سيناقشون ملفات وأزمات دولية عالقة ومعقدة وسيحاولون الإجابة عن أسئلة مهمة تتعلق قبل كل شيء بمستقبل الغرب وبتراجع دوره سواء على مستوى العالم أو داخل الغرب نفسه، فضلاً عن دراسة أسباب هذا التراجع، وسبل معالجته".

"إيشينغر" وإذ بدا محبطاً مما آل إليه وضع القوى الغربية في ظل التحديات المتعاظمة على الساحة الدولية، استند في هذا الانطباع إلى مضمون التقرير الأمني الذي يصدر قبيل التئام المؤتمر، ويوزع على المشاركين فيه لتحديد الاتجاه العام له. وقد كان التقرير مفعماً بالأسئلة الصعبة عن المستقبل و"قدرة الغرب على الخروج باستراتيجية مشتركة لعصر جديد من منافسة القوى العظمى" في ظل تزايد الانقسامات داخل المعسكر الغربي، بشأن عدد من القضايا، لعل أبرزها مستقبل الاتفاق النووي الإيراني ومشروع خط أنابيب نورد ستريم2، إضافة إلى التجارة عبر الأطلسي، والإنفاق العسكري لحلف الناتو.

لكن الأكثر أهمية في هواجس التقرير الأمني لمؤتمر ميونخ، تركز في أمرين:

- تراجع الولايات المتحدة الأمريكية عن دورها التقليدي كحارس للنظام الدولي، وتركها المجال لقوى أخرى، مثل روسيا وإيران وتركيا.

- كيفية تأكيد أوروبا نفسها لاعبا عالميا بحد ذاتها في ظل ضعف صوت الاتحاد الأوروبي عبر العالم.

وقد كانت لافتة جداً العبارة الواردة في التقرير بأنه "قد يكون لدى الغرب أكبر الاقتصادات والأسلحة الأكثر فتكاً على وجه الأرض، إلا أنه لن يتمكن من البقاء ما لم تكن لديه عائلات وقيم قوية... وأن المعركة من أجل الغرب لا تبدأ بساحات القتال، بل تبدأ بالعقول والإرادات"، وذلك في رد على الذين يثيرون الخوف من الاسلام ويصورونه "غزواً دينياً لأوروبا والخصم الرئيسي والعدو المشترك لها وللحرية والتقدم والديمقراطية والحياة، والمستقبل" وفق ما جاء في التقرير.

أمريكا هي المسؤولة

الهواجس الأوروبية على مصير الغرب كما جرى التعبير عنها في التقرير الأمني لمؤتمر ميونخ، حُمِّلت الولايات المتحدة الأمريكية مسؤولية صناعتها، بعدما ذهبت بعيداً في الحفاظ على مصالحها بعيداً عن مصالح حلفائها، وهذا ما بدا واضحاً في كلمات الزعماء الاوروبيين في المؤتمر، ولعل أشدها قسوة في انتقاد السياسة الأمريكية كانت الرئيس الألماني "فرانك فالتر شتاينماير" الذي اعتبر أن شعار نظيره الأمريكي دونالد ترامب "أمريكا أولاً" هز النظام العالمي وأجج انعدام الأمن في عالم غير مستقر. وأضاف في كلمته في افتتاح المؤتمر نحن "نشهد اليوم زخماً مدمراً متزايداً في السياسات الدولية.. وفي كل عام نبتعد أكثر وأكثر عن هدفنا المتعلق بخلق عالم أكثر سلماً من خلال التعاون الدولي". 

وانتقد شتاينماير تراجع "أقرب شركاء أوروبا" عن المسرح متعدد الأطراف في وقت تتفاقم فيه التوترات بين قوى عسكرية كبرى. وإذ توقف عند شعاري "لنعيد العظمة إلى أمريكا" و"أمريكا أولاً" قال الرئيس الالماني إن الإدارة الأمريكية الحالية تصدر إشارات إلى أن على كل دولة التصرف في سبيل مصالحها الخاصة، نهج يميل إلى إفادة الأقوياء فحسب.

وفي السياق نفسه جاءت كلمة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الذي أعرب عن خشيته من تراجع علاقات الولايات المتحدة مع أوروبا، لذلك دعا نظراءه الاوروبيين إلى ضرورة الاعتماد على النفس في قيادة مستقبل القارة وكيفية مواجهة التحديات الماثلة أمامها، وقال "نحتاج إلى استراتيجية أوروبية تعيد إحياءنا وتحولنا إلى قوة سياسية استراتيجية"، معتبراً  أن سياسة التحدي التي انتهجتها أوروبا في التعامل مع موسكو، على مدى السنوات القليلة الماضية، باءت بالفشل، وأن الخيار الوحيد يتمثل في حوار أوثق لحل الخلافات بالنظر إلى أن لا أحد يرغب في المواجهة المباشرة مع الروس. وأضاف، "أسمع لهجة التحدي من جميع شركائنا. لست مخبولاً، لكني أعرف أن التحدي مع الضعف ليس سياسة، بل هو نظام غير فعال".

الرد الأمريكي

هجوم الأصدقاء اللاذع، لم يتمكن وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو من احتوائه، وفي رده على خطابات الرئيس الألماني والزعماء الأوروبيين اتخذ موقع الدفاع رافضاً ما قيل عن سياسة انطواء وأنانية تمارسها أمريكا في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومؤكداً في الوقت نفسه أنها "لا تعكس الواقع". وقال بومبيو إن "الغرب ينتصر ونحن ننتصر معاً". وأضاف "يسرني أن أبلغكم بأن فكرة أن التحالف بين ضفتي الأطلسي قد مات، مبالغ فيها إلى حد كبير.... الغرب يكسب، معاً نكسب... اذكروا لي مثالاً من التاريخ ينتصر فيه الضعفاء والانهزاميون".

خاتمة

على عكس ما سعت الولايات المتحدة الأمريكية إليه من تحويل مؤتمر ميونخ للأمن إلى منصة ضد الصين وروسيا، حوّل الاوروبيون جلسات المؤتمر إلى منصة لانتقاد السياسة الأمريكية بعدما ذهبت بعيداً في تفضيل مصالحها الخاصة على مصالحها المشتركة مع حلفائها، في مؤشر يعكس حجم الانشقاقات التي ضربت جبهة الغرب، وتركت ندوباً في العلاقات بين واشنطن والعواصم الأوروبية، والتي كان لإدارة ترامب "الفضل" في اخراجها إلى العلن.

ابتسام الشامي

 

 

إخترنا لكم من العدد