مجلة البلاد الإلكترونية

وصول ناقلات النفط الإيرانية إلى فنزويلا سالمة بعد طول تهديد: القوة العظمى الأمريكية بكل جبروتها العسكري باتت مرتدعة

العدد رقم 234 التاريخ: 2020-05-30

أمريكا تضغط على أفغانستان.. تسهيل تطبيق الاتفاق مع طالبان.. أو العقوبات

عندما غزت الولايات المتحدة الأمريكية أفغانستان خريف عام 2001، بزعم الحرب على الإرهاب والرد على هجمات الحادي عشر من أيلول، لم تكن تتوقع أن يأتي يوم تكون فيه مضطرة إلى التفاوض مع حركة طالبان لإخراج جيشها من بلاد غرقت في وحولها، وفقدت هيبتها العسكرية بين أوديتها السحيقة وجبالها المرتفعة..

لكن الفشل الذي لازم أمريكا في أفغانستان لاسيما الإمساك بقرار كابول السياسي وتطويعه في خدمة استراتيجية تطويق إيران وفتح جبهة للإرهاب في خاصرتها الشرقية، إضافة إلى العمليات العسكرية التي استنزفت قواتها المنتشرة هناك، دفع واشنطن إلى اتخاذ قرار الهروب، بعدما أسبغت عليه الحكومات الأمريكية المتعاقبة توصيف الانسحاب، وحوّله المتنافسون على الرئاسة إلى وعد انتخابي، وضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أول مدماك له في ما عرف باسم "اتفاق الدوحة للسلام"، آملاً أن يكون هذا "الانجاز" جسر عبور له نحو ولاية ثانية في البيت الابيض.

زيارة بومبيو

على عجل حل وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو في العاصمة الأفغانية كابول، حاملاً إليها مقترحاً لحل الأزمة السياسية المستفحلة مع وجود رئيسين للبلاد هما أشرف غني الفائز الرسمي بالانتخابات التي جرت في أيلول الماضي، ومنافسه رئيس السلطة التنفيذية عبد الله عبد الله الذي أعلن هو الآخر فوزه في الانتخابات ونصب نفسه رئيساً. وقد جاءت زيارة "رأس الدبلوماسية" الأمريكية في ذروة تفشي فيروس كورونا وقرب تحوُّل الولايات المتحدة إلى بؤرة انتشار للوباء، لتعكس أهمية أفغانستان في الاستراتيجية الأمريكية للمنطقة، وضرورتها للحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب من زاوية تقديم الاتفاق الذي جرى التوصل إليه مع طالبان نهاية شهر شباط الماضي كأحد أهم إنجازات سياسته الخارجية من جهة، ولكون الاتفاق سيؤدي إلى عودة الجنود إلى البلاد من جهة أخرى، ومن شأن ذلك أن يرفع من مستوى التأييد الشعبي له. بهذه الخلفية فإن زيارة بومبيو إلى أفغانستان هدفت إلى تسوية الوضع الداخلي، وإيجاد حل سياسي، لضمان حسن تطبيق الاتفاق، الذي يلحظ دوراً أساسياً للحكومة الأفغانية على الرغم من أنها لم تكن شريكة فيه.

بنود الاتفاق

وقد اشتمل اتفاق "إحلال السلام" في أفغانستان بين "إمارة أفغانستان الإسلامية" غير المعترف بها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، وحكومة الأخيرة، على أربعة أجزاء رئيسة، تتعلق بجدولة سحب القوات الأجنبية، وقطع العلاقات مع التنظيمات التي تعتبرها واشنطن إرهابية وتشكل تهديداً لأمنها وأمن حلفائها، إضافة إلى إطلاق حوار أفغاني - أفغاني للتوصل إلى حل سياسي وتحقيق "وقف دائم وشامل لإطلاق النار"، مع وجود بنود غير معلنة تتضمن بعض الإجراءات السرية، لتطبيق الاتفاق وفق ما أقرت به الإدارة الأمريكية.

الاتفاق الذي أمكن الوصول إليه بعد تسع جولات تفاوض شائكة و "مبادرات" حسن نية بين طالبان والأمريكيين عبر الحكومة الأفغانية - كان أبرزها إطلاق الحركة سراح أسيرين أمريكي وأسترالي، مقابل إفراج الحكومة عن ثلاثة من معتقليها في شهر تشرين الثاني الماضي - كان لافتاً تغييب الحكومة عن توقيعه فضلاً عن المفاوضات التي أفضت إليه، وهذا ما أدى إلى "اعتراض تطبيقي" لبنود الاتفاق من قبل حكومة غني، الذي أكد في أعقاب توقيع الاتفاق، أنه لا يوجد التزام من قبل حكومته بالإفراج عن خمسة آلاف سجين من حركة طالبان، وفق ما جاء في الاتفاق، مشيراً إلى أنه سبق له أن أوضح للمبعوث الأمريكي لعملية السلام، زلماي خليل زاد بخصوص مسألة الإفراج عن سجناء طالبان، أن الأمر قابل للتفاوض، لكن ذلك لا يمكن أن يكون شرطاً مسبقاً، وأن الولايات المتحدة ليس لديها سلطة إطلاق سراح سجناء الحركة.

إرباك ما بعد الاتفاق

غياب الحكومة الأفغانية عن الاتفاق والمواقف التي صدرت عن الرئيس الأفغاني بشأن عدم التزام حكومته بمقتضياته، عكست حجم الإرباك الذي يواجهه تطبيق هذا الاتفاق لاسيما في الشق المتعلق بالداخل الأفغاني، الذي حاول بومبيو من خلال زيارة الساعات الثماني معالجته أو بالحد الأدنى وضع "بروتكول علاجي" له، لكن جهوده باءت بالفشل بسبب تعنّت كل من الرئيسين في مواقفه حيال التوصل إلى حكومة وحدة وطنية ورفضهما تقديم تنازلات لبعضهما البعض، وهو ما ترك لدى وزير الخارجية الأمريكية شعوراً "بخيبة أمل من القادة الأفغان ومما يعنيه سلوكهم لأفغانستان ولمصالحنا المشتركة" وفق بيان صادر عن مكتبه.

سلاح العقوبات جاهز

وعلى خلفية عدم التجاوب الأفغاني مع الوساطة الأمريكية، سارعت واشنطن إلى تفعيل السلاح الذي تتقن استخدامه أي العقوبات، وقد شملت الحزمة العقابية بحق أفغانستان اقتطاع مليار دولار من مساعدتها المقررة لهذا العام، مع تلويحها بأنها "مستعدة أيضاً لاقتطاع مليار دولار إضافية في 2021"، وفق ما جاء في بيان لوزارة الخارجية الأمريكية لفت إلى أن فشل التسوية السياسية التي حملها بومبيو من شأنه أن "يعرّض للخطر المصالح القومية الأمريكية"، ولذلك فإن واشنطن قررت أن تقتطع فوراً من قيمة مساعداتها لكابول، مع إمكانية خفض مساعدات أخرى.

على أن قرار العقوبات الأمريكي لم يقتصر على المساعدات المالية بل شمل العسكرية ايضاً، إذ لفت بيان الخارجية الأمريكية إلى أن "واشنطن لن تساعد في العمليات العسكرية التي تكون من أجل أهداف سياسية، ولا القيادة التي تأمر بإجراء مثل هذه العمليات، كما أنها لن تقبل فكرة الحكومات الموازية"

خاتمة

على الرغم من أن الرئيس الأفغاني أشرف غني قلل من أهمية العقوبات وتحدث عن قدرة حكومته على احتواء مفاعيلها، إلا أن ما يجب النظر إليه في الحالة الأفغانية هذه ليس العقوبات التي فرضتها واشنطن على حكومة من المفترض أنها حليفة لها فحسب، وإنما في الأساس لطريقة التعاطي معها وتغييبها عن مفاوضات متصلة بمستقبلها الأمني والسياسي، وهو درس أمريكي جديد في كيفية التعامل مع "الحلفاء" وتحويلهم إلى مجرد أدوات في خدمة تحقيق مصالحها.

ابتسام الشامي

 

 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد