مجلة البلاد الإلكترونية

وصول ناقلات النفط الإيرانية إلى فنزويلا سالمة بعد طول تهديد: القوة العظمى الأمريكية بكل جبروتها العسكري باتت مرتدعة

العدد رقم 234 التاريخ: 2020-05-30

الكورونا.. عشرة سيناريوهات سلبية محتملة في محيط إسرائيل الاستراتيجي

 

أزمة الكورونا، التي تتّصف بأقصى اللايقين وخطر متزايد لحصول تحريفات نظرية، سوف تؤثر أيضاً على محيط إسرائيل الاستراتيجي. "عصف أفكار" جرى في معهد أبحاث الأمن القومي أومأ إلى عشرة سيناريوهات سلبية محتملة، قد تتحقّق خلال الأزمة، حتى لو لم تكن لديها بعد علامات على أرض الواقع.

الأزمة قد تزيد إمكانية انهيار أنظمة وأجهزة حكم؛ موجة إرهاب في الضفة الغربية، جولة تصعيد مع غزة؛ تزايد أنشطة داعش؛ انسحاب أمريكي خاطف من العراق ومن سوريا؛ تلقّفات (انتزاعات) روسية استراتيجية في المنطقة؛ وضعف الإمارات الخليجية. سيناريوهات خطيرة أخرى (ليس واضحاً ما إذا كانت زادت أرجحيتها) هي: تقدّم المشروع النووي الإيراني أو على العكس تراجع الضغط الأمريكي على طهران؛ تقديم مشروع دقة الصواريخ في سوريا ولبنان؛ تصعيد بين إسرائيل وإيران في سوريا؛ وهجوم سبراني واسع - عالمي أو منحصر بإسرائيل. الضرر المتوقّع من هذه السيناريوهات يستلزم إعمال فكر، متابعة وتخصيص موارد استخبارية للتحذير بشأن إمكانية تحققها.

يتبين بأنّ أزمة الكورونا هي أزمة مدوّية متعددة الأبعاد، تتخطى كثيرا المستوى الصحي، وأنّها تشكّل مفصلا في العلاقات الدولية عموما وفي تاريخ الشرق الأوسط خصوصا. وكون هذه الأزمة غير مسبوقة، ثمة صعوبات في توقّع أمدها وخطورتها على الدول، الجماعات والأفراد كما أيضا التداخل بين الخضّة الإقليمية والعالمية. كلّ هذا يخلق حالة مرتفعة من اللايقين ويفرض تحديات على جدوى الاستعدادات للمستقبل.

هذا المقال يرمي إلى مساعدة أصحاب القرارات والجمهور في التفكير بالمستقبل في محيط استراتيجي متقلقل ومضطرب. ونعرض فيه عشرة سيناريوهات محتملة ذات تداعيات سلبية على إسرائيل، قد تتطوّر في مدى عدّة أسابيع، وقد تبلورت خلال عملية "عصف أفكار" قام بها باحثو المعهد. أمّا مناقشة لـ "الفرص" التي توفّرها الأزمة، فقد ظلّت خارج مجال مطالعة هذه الوثيقة. السيناريوهات ليست "لائحة نهائية" بل هي تجسيد لآتٍ محتمل، وليست مدعومة بالضرورة بحقائق من الواقع الحالي. أزمة الكورونا ترفع من إمكانية واحتمالية بعض منها، فيما البعض الآخر، حتى لو كان ضعيف الأرجحية، فإنّ علوّ الضرر المتوقّع الكامن فيها يلزم إسرائيل باليقظة، التفكير والمتابعة الحثيثة.

إذاً تفشّي الكورونا في المنطقة قد يسرّع اتجاهات قائمة ويخلق تحدّيات جديدة، ويضع بشكل متزامن عدداً كبيراً من الدول والمنظّمات أمام ضغوط شديدة كما يزيد من خطر تشكّل تشوّهات وانحرافات فكرية بالنسبة للواقع (خصوصاً مع كثرة الأخبار الكاذبة ونظريات المؤامرة)، حسابات خاطئة أو على العكس، تغيّر واعٍ في تقدير المخاطر. تلك قد تغيّر نسق المعايير الاستراتيجية للاعبين في المنطقة، الذي ألفته إسرائيل.

لاعبون كثر قد يقدمون على تحرّكات وممارسات (بما في ذلك ما امتنعوا عنه حتى الآن)، تفرضها الضرورة - بهدف حرف الانتباه عن مشاكل اجتماعية واقتصادية في الساحة الداخلية والعجز عن مواجهة ضغوط يزيد الوباء من حدّتها؛ أو بهدف اغتنام الفرصة - على أساس تقدير بأنّ الأزمة بدّلت لصالحهم موازين القوى في المنطقة واعتبارات الدول الكبرى بالنسبة لشؤون المنطقة، كما أيضا توقّع تكاليف متدنّية لأثمان عمليات انتزاع أو ضربات خاطفة.

السيناريوهات التي قد تعلو أرجحية تحققها:

أ. انهيار أنظمة ومؤسسات حكم- الأردن، لبنان، السلطة الفلسطينية ومصر أيضاً، قد تستصعب احتواء الأزمة. صحيح أن توقّعات المواطنين من الحكومات محدودة لكن أي كارثة صحية أو نقص بمنتجات أساسية قد يؤجج احتجاجاً أو يؤول إلى فوضى وانهيار أجهزة ومؤسسات. ولا شكّ بأنّ انهيار وتفكّك أنظمة صديقة لإسرائيل قد يجعل أراضيها مصدر تهديدات دائم بالنسبة لإسرائيل. في المدى الزمني المباشر- خصوصا إذا عدّت إسرائيل مكانا آمنا(نسبيا) قد تتطوّر موجات لاجئين إليها.

ب. تصعيد أمني مع قطاع غزة -  قد يحصل نتيجة تقدير حماس بأنّ إسرائيل أكثر كبحاً في قوّة ردّها العسكري وقد تستجيب بسهولة أكبر للمطالب المرتبطة بالتسهيلات المدنية. في المقابل، قد يحصل انهيار في حاكمية حماس وهو ما سيوسّع مجال عمل الجهاد الإسلامي وفصائل أخرى. ولكن، كلّما قدّمت إسرائيل مساعدة لحماس في مواجهة الوباء وخففت من الضائقة في قطاع غزة، هكذا ستنخفض فرص تحقق هذا السيناريو.

ج. موجة إرهاب في الضفة الغربية - عمليات خطف أو موجة إرهاب أفراد قد تحصل نتيجة تنامي الضائقة الفردية، أو نتيجة تقدير بأنّ المخاطر تدنّت وزادت فرص استخدام أعمال إرهابية لتحقيق إنجازات على مستوى الوعي. هذا السيناريو قد يتحقق، كلّما تقلّصت قدرات فرض القانون وإحباط الإرهاب من قبل السلطة الفلسطينية وإسرائيل وكلّما اتّسعت الضائقة المدنية وسط الفلسطينيين. تفشّي الأوبئة غير المسبوق وسط الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية قد يشجّع حافزية تنفيذ عمليات خطف.

د. ترميم داعش- زيادة العمليات باسمه في المنطقة وفي أرجاء العالم وسيطرته على أجزاء في المنطقة، - بما في ذلك داخل سيناء- عدم الاستقرار السياسي المتواصل في العراق وتركيز أنظمة على مواجهة الوباء قد يضعف إدارة الحكم والحاكمية في مناطق حدودية، بحيث، من جملة أمور، سيتراجع الضغط العسكري على التنظيم. ثقل المهام على تنظيمات استخبارية في العالم قد يصعّب رصد نوايا تفجير في الغرب. داعش من جانبه في حِلّ من مواجهة تفشي الوباء، ولذا قد يرى في هذه الأزمة فرصة لترميم موقعه وقدراته، يستأنف العمليات في المنطقة وفي أرجاء العالم، ويحاول السيطرة على أجزاء من المنطقة، بما في ذلك داخل جزيرة سيناء.

ه. انسحاب أمريكي مفاجئ من سوريا والعراق - قد يحصل على خلفية تفشّي الوباء في هذه المناطق أو نتيجة تضرّر شعبية الرئيس دونالد ترامب بشدّة على خلفية الأزمة بما سوف يدفعه إلى تسريع خطوات، برأيه، ستكون ذات قيمة انتخابية. هكذا، كلّما تقوّضت سلطة الحكومة في بغداد، سيتعزز ضغط حلفاء لإيران على القوات الأمريكية. انسحاب أمريكي من العراق سيقود على الأرجح، إلى انسحاب من سوريا وتفكك التحالف الدولي الذي يحارب داعش وسيطرة نظام الأسد على شرق سوريا.

و. تلقّفات (انتزاعات) روسيا، على حساب الولايات المتحدة - موسكو قد تحاول دفع دول الخليج إلى تخفيف التزاماتها تجاه الولايات المتحدة عبر بيع سلاح أو مفاعل طاقة روسية، أو استثمارات في الاقتصاد الروسي. وهذا، مقابل إعادة أهلية اتحاد "أوبك بلَس". هكذا قد توفّر روسيا لدول المنطقة قدرات عسكرية، ستغيّر التوازن الاستراتيجي - على سبيل المثال منظومات أس - 400 لإيران أو العراق، وتشجيع نظام الأسد على التوصّل إلى اتفاقيات مع الأكراد تسحب البساط من تحت التواجد الأمريكي في الشرق السوري. إضعاف الموقع الأمريكي وتعزيز موقع روسيا سوف يمسّان بحرية عمل إسرائيل الاستراتيجي والعسكري، وسيبقيانها وحيدة في مواجهة المؤامرات الإقليمية الإيرانية ودعم أمريكي محدود (مقارنة مع اليوم) في سيناريو خلافي مع موسكو.

ز. ضعف الإمارات الخليجية - هبوط أسعار النفط والغاز، وتفشّي الوباء قد يقوّضان اقتدارها المالي ويعمّقان التحديات على مستقبلها الداخلي. "انقلابات بلاط" محتملة - على سبيل المثال، إذا ما عمل محمد بن سلمان على استغلال فترة الطوارئ ليسرّع تنصيبه - قد تفاقم التوترات القائمة في أروقة السلطة كما بين الحكّام والمواطنين. هذا السيناريو قد يضعف فعالية الشراكة الإسرائيلية - الخليجية ضدّ إيران أيضاً في يوم ما بعد الكورونا.

إلى جانب هذه السيناريوهات، ثمة سيناريوهات أخرى لا يمكن بعد تقدير ما إذا كانت زادت أرجحيتها، لكنّ علوّ الضرر المتوقّع المنسوب إليها يستدعي يقظة خاصة:

أ. انعطافه في قضية النووي الإيراني - تسريع قدرات إيرانية تقصّر الجدول الزمني الممكن للقنبلة و/ أو خمود وتلاشي سياسة "الضغط الأقصى" الأمريكية - قد يدفعان النظام الإيراني إلى التقدير بأنّ مراكمة "مكتسبات نووية" سيكون لها الآن أثمان استراتيجية ضئيلة، وستحسّن قدرة المساومة أمام الولايات المتحدة. في المقابل، قد تسعى إدارة ترامب إلى فتح مفاوضات مع إيران أو تجميد الوضع الراهن مقابل زيادة المساعدات الإنسانية - على أساس تقدير بعدم إمكانية تحقيق إنجازات مقابل إيران قبل الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني المقبل. تليين وتخفيف نظام العقوبات سيجعل من الصعوبة بمكان استئناف الضغط في عصر ما بعد الوباء.

ب. تقديم مشروع السلاح الدقيق في الساحة الشمالية أو الصعود درجة في التصعيد بين إسرائيل وإيران في سوريا - حزب الله وإيران قد يقدّران أنّ عبء المهام وثقلها على المؤسسة الأمنية في إسرائيل وانكماش وتقلّص الطاقة البشرية (على غرار سائر الأجهزة والخدمات العامة) تشكّل فرصة لتسريع خطوط إنتاج محصّنة لمخازن صواريخ دقيقة في كلّ من سوريا ولبنان. في المقابل، يُحتمل أن تنجح إيران في نصب قدرات نارية في سوريا و/ أو العراق، وإطلاقها على إسرائيل. وقد تحاول إيران أن تجسّد لإسرائيل على هذا النحو، أثمان "المعركة ما بين المعارك" في السابق كما في الوقت الراهن. وهذا، على شاكلة تصعيد أعمال الميليشيات الموالية لإيران ضدّ القوات الأمريكية في العراق.

ج. هجوم سبراني واسع، عالمي أو مركزّ - قد يكون في التوقيت الراهن ذا ضرر متوقّع غير مألوف. وهذا لأنّه في مرحلة العزل الاجتماعي والحجر والإغلاق، زاد بنسبة غير مسبوقة ارتباط الاقتصاد العالمي ببنى الاتصالات من أجل العمل عن بعد. في هذا السياق أيضاً تعتمد إدارات الحكم في الدول أكثر من أي وقت مضى على منظومات الاتصالات والحوسبة. في الوقت عينه، صناعة الاتصالات عليها أن تفي بالطلب المتزايد وتوائم نفسها بسرعة مع تبدّلات السوق ومحدودية الطاقة البشرية، هكذا يمكن أن تتشكّل ثغرات وخروقات في آليات الحماية.

إلى جانب هذه السيناريوهات يمكن حصول تطوّرات إضافية، قد توجد سياقات استراتيجية جديدة في المنطقة: موت زعماء أساسيين، تبدّلات محتملة في الديناميكية بين الدول الكبرى على الصعيد الكوني، حسم عسكري في الحرب الأهلية الليبية، وقف النار في اليمن أو حل الأزمة بين قطر وجاراتها في الخليج.

توصيات لإسرائيل

إسرائيل تركّز الآن خصوصاً على مواجهة الأزمة طبياً واقتصادياً - اجتماعياً. الأجهزة الأمنية قلّصت أنشطتها الروتينية، وتوّجه حيّزاً من اهتمامها للتحقيقات والبحوث المرتبطة بتفشّي الوباء، الحصول على التجهيزات الطبية والحفاظ على النظام العام.

على الرغم من إلحاح مواجهة التداعيات المباشرة لهذا الوباء، على أصحاب القرارات في إسرائيل أن يأخذوا في الحسبان إمكانية تحقق سيناريوهات منطوية على تحديات، خصوصا ما تناولناه هنا، مع الضرر المتوقّع الكامن فيها. المؤسسة الأمنية مدعوّة لتخصيص موارد جمع وبحث بغية رصد إشارات دالّة وتحليلها.

على الأقلّ في بعض المجالات، الكشف المسبق لأي تطورات سلبية قد يكسب إسرائيل فرصة للتدخّل في منع أي ضربة تطال مصالحها، بينما في أخرى، لا شكّ بأنّ إعلام استراتيجي مسبق من شأنه منع قادة في المنطقة من اتخاذ إجراءات ستخلّف تصعيداً فورياً أو تعقّد العلاقات مستقبلاً.

مركز أبحاث الامن القومي مجلة نظرة عليا - ايتي بارون ويوال غوجنسكي

ترجمة وإعداد: حسن سليمان

 

 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد