مجلة البلاد الإلكترونية

وصول ناقلات النفط الإيرانية إلى فنزويلا سالمة بعد طول تهديد: القوة العظمى الأمريكية بكل جبروتها العسكري باتت مرتدعة

العدد رقم 234 التاريخ: 2020-05-30

الرئيس سَعيَّدْ من دون برنامج وطني لمحاربة وباء الفساد

توفيق المديني

في ظل أزمة الوباء المنتشر على صعيد عالمي، وباء كورونا، أو ما يطلق على تسميته علميا وباء كوفيد 19، الذي أدخل الرعب والاضطراب في كل الدول الصناعية المتقدمة والدول الفقيرة على حدٍّ سواء.

اجتمع مجلس الأمن القومي التونسي برئاسة الرئيس قيس سعيّد في قصر قرطاج يوم الثلاثاء 31مارس 2020، وهي المرة الثالثة على التوالي التي يجتمع فيها خلال شهرٍ واحدٍ، ليعلنَ عن المزيد من القرارات والإجراءات جلّها تهدف إلى دعم جهود الحرب على تفشي فيروس كورونا في تونس، الذي أصاب (قرابة 400شخص) كما أوْدَى بحياة 10ضحايا منذ الإعلان عن أول إصابة به يوم الثالث من شهر مارس/آذار الماضي.

وفي هذا الاجتماع الأخير ألقى رئيس الجمهورية التونسية قيس سعيّد كلمة، تحدث فيها بشكل خاص عن امتناع عدد من رجال الأعمال والمؤسسات الخاصة على معاضدة جهود الدولة في حربها على هذا الوباء، حين دعا إلى التفكير في خطة يتم فيها إجبار رجال الأعمال المتورطين في الفساد إلى المساهمة في المجهود الحربي للدولة، وضرورة استرجاع أموال الشعب بإبرام صلح جزائي مع المتورطين في الفساد تحت إشراف لجنة وتوزيع هذه الأموال على الجهات بشكل تفاضلي من الأكثر فقراً إلى الأقل فقراً.

لا شك أنَّ هذا المقترح المقدم من قبل رئيس الجمهورية في اجتماع مجلس الأمن القومي، ليس مقترحًا جديدًا، بل هو يعود إلى اقتراح قدَّمه في سنة2012، ويتمثل في إبرام صلح جزائي مع من تورطوا في قضايا فساد مالي، علمًا أنَّ الصلح الجزائي منصوص عليه في أكثر من نص قانوني، ويكون ذلك في إطار قضائي، ثم يتم ترتيب المعنيين ترتيباً تنازلياً بحسب المبالغ المحكوم بها عليهم. ويتم ترتيب المعتمديات ترتيباً تنازلياً من الأكثر فقراً إلى الأقل فقراً، ويتعهد كل محكوم عليه بإنجاز المشاريع التي يطالب بها الأهالي في كل معتمدية (طرق، مؤسسات استشفائية، مؤسسات تربوية...) وذلك تحت إشراف لجنة جهوية تتولى المراقبة والتنسيق.

ولا يتم إبرام الصلح النهائي إلا بعد أن يقدم المعني بالأمر ما يفيد إنجازه للمشاريع في حدود المبالغ المحكوم بها عليه.

وكانت الحكومة التونسية برئاسة السيد إلياس الفخفاخ قد أعلنت تخصيص مبلغ 2500 مليون دينار (حوالي 830مليون دولار) من ميزانية الدولة لتوفير النفقات المختلفة التي ستترتب عن تفشي فيروس كورونا أبرزها نفقات القطاع الصحي ونفقات مساعدة المؤسسات الاقتصادية المتضررة من الحظر الصحي الشامل الى جانب النفقات الاجتماعية الموجهة للفئات الأكثر تضرراً.

وفي الفترة الأخيرة أعلن الاتحاد الاوروبي وصندوق النقد الدولي والاتحاد الافريقي وبعض الدول توجيه مساعدات مختلفة لتونس.. كما أعلنت البنوك المحلية التبرع بمبالغ محترمة إلى جانب التبرعات الأخرى التي تلقاها صندوق 1818.

وتوزعت التمويلات والمساعدات والتبرعات المعلن عنها إلى حد الآن كما يلي:

- حوالي 785 مليون دينار (260مليون دولار) هبة من الاتحاد الاوروبي

- حوالي 200 مليون دينار (70مليون دولار) هبة أخرى من الاتحاد الاوروبي لتمويل برنامج " الصحة عزيزة".

- حوالي 1100 مليون دينار (370مليون دولار) مساعدة من صندوق النقد الدولي

- حوالي 155 مليون دينار (32مليون دولار) قرض من إيطاليا (متفق عليه منذ فترة ما قبل كورونا وموجه لمساعدة المؤسسات الصغرى والمتوسطة) حوالي 112مليون دينار (30مليون دولار) تبرعات البنوك في تونس حسب الجمعية المهنية للبنوك.

ومن المنتظر أن تؤدي الهبات والتبرعات والمساعدات المختلفة إلى تغطية مبلغ 2500 مليون دينار الذي خصصته الحكومة. غير أنَّ ذلك قد لا يكفي في ظل توقعات بتواصل الأزمة وفي ظل تواصل ارتفاع حجم التداعيات السلبية المترتبة عنها وأيضاً ارتفاع حجم احتياجات القطاع الصحي. وهو ما يحتم على الحكومة مزيد الاستعداد لتعبئة موارد أخرى في الفترة القادمة. ويأمل المراقبون في أن يقع توجيه هذه الاعتمادات فعلاً إلى القطاع الصحي ولمساعدة كل من تضرر من الأزمة وليس إنفاقه في مجالات أخرى.

هل يشكل اقتراح قيس سعيد فرصة للمصالحة مع الفاسدين؟

 يُعَدُّ ملف محاربة الفساد ملفاً مفصلياً في نجاح أي حكومة ما بعد الثورة. فالمراقب للوضع السياسي التونسي يلمس بوضوح أنَّ الحكومات المتعاقبة سواء في عهد الترويكا السابقة بقيادة حركة النهضة (2011 - 2014)، أم في عهد رئيس الحكومة السابق يوسف الشاهد (2016 - 2029)، لم تبلور خطة حقيقية لمقاومة الفساد، وإقرار الحوكمة الرشيدة، بل إنَّ جميعها همشتْ ملف الفساد. فالأحزاب المكونة لحكومة الترويكا السابقة، أو التي تشكلت منها حكومة الحبيب الصيد، وحكومة يوسف الشاهد السابقتين، لم تطرحْ في برامجها السياسية مسألة محاربة الفساد كمسألة محورية، وإن كانت تدرج هذا الملف ضمن شعاراتها الانتخابية.

والحال هذه أصبحت الحكومات المتعاقبة الثماني منذ تشكلها في سنة 2011 ولغاية 2020 فاقدة لكل إرادة سياسية لمحاربة الفساد، لأنَّ الأحزاب الموجودة في صلبها تتجَّنَبُ الإحراجَ في طرح هذا الملف نظرًا لعلاقتها بالمال السياسي الفاسد، وأيضا لعلاقتها برجال الأعمال المتورطين في قضايا فساد. وكان ملف رجال الأعمال النقطة السوداء في سجل الحكومات المتعاقبة ما بعد الثورة.

يذكر بهذا الصدد قائمة رجال الأعمال وتضمُّ 126 شخصاً تحصلوا على حوالي 7000 ملايين دينار (أي حوالي 6مليار دولار) من البنوك العمومية التونسية، ولم تسترجع إلى اليوم. وكان الرئيس قيس سعيَّد تقدم في سنة 2012 بمقترح إلى عدد من المنظمات من بينها برنامج الأمم المتحدة للإنماء حول القيام بمصالحة مع رجال الأعمال المورطين في قضايا فساد في العهد السابق يهدف إلى تمويل مشاريع تنموية في عدد من الجهات، واقترح كذلك أن تقوم الدوائر المتعلقة بالفساد الاقتصادي والإداري في الهيئة العليا للعدالة الانتقالية بمراقبة الاستثمار في هذه المناطق وعلى أساس الترتيب التفاضلي للمعتمديات وعددها 264 معتمدية من الأكثر إلى الأقل فقرا وترتيب ثاني يخص رجال الأعمال سيقع توزيع المشاريع التنموية على الجهات من طرف رجال الأعمال. وفي نفس السياق أفاد قيس سعيد أن مصدر حكومي أكد له أن المبلغ المطلوب من 460 رجل أعمال ممنوع من السفر يتراوح بين 10 و13.5 مليار دينار (حوالي 10مليار دولار) أي ما يناهز أقل من نصف ميزانية تونس.

لا يختلف طرح الرئيس قيس سعيَّدْ القديم - الجديد فيما يتعلق باسترداد الأموال المنهوبة من قبل رجال الأعمال الفاسدين خلال حكم النظام السابق عن قانون "المصالحة الاقتصادي" الذي طرحه الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، بوصفه رديفاً طبيعياً لقانون المصالحة السياسية  الذي  أشرف على رعايته منذ 2013 الرباعي الفائز بجائزة نوبل للسلام، والذي سمح لفئة رجال الأعمال في العهد السابق المتهمين بالفساد، ونهب المال العام، والإثراء الفاحش في العهد الديكتاتوري السابق، والذين في معظمهم ينتمون إلى "حزب التجمع" المنحل، أن  يخوضوا الانتخابات  التشريعية في سنة 2014، فركبوا موجة "حزب النداء" الذي أصبح حاكماً في البلاد في سنة 2015 في إطار سياسة "التوافق" مع حركة النهضة الإسلامية.

لقد تعرض الرئيس قيس سعيَّدْ في إطار ترؤسه لمجلس الأمن القومي إلى فساد فئة رجال الأعمال الذين نهبوا أموالاً طائلةً من البنوك العمومية إبَّان زمن النظام السابق، إذ لم تتمْ مساءلتهم، ولا محاسبتهم، و لا مصادرة أموالهم و إرجاعها إلى خزينة الدولة، من قبل الحكومات التونسية المتعاقبة، لكنَّه تغاضَى كُلِّيًا في خطابه عن الفساد الذي تغول في زمن حكومة الترويكا بقيادة حركة النهضة الإسلامية(2011-2014)، وما بعدها في ظل ما بات يعرف في تونس بالحكم المعولم بين الشيخين "الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي"(2015-2019).

سعيد يغمض عينيه عن انتشار الفساد في ظل حكم الترويكا

لم يتطرق الرئيس قيس سعيَّدْ في اجتماعه الثالث بالمجلس الأمني القومي لظاهرة الفساد خلال حكم الترويكا وتجربة "التوافق" بين الشيخين، بينما أجمع عدد من المختصين والعارفين على أنَّ "أثرياء الثورة الجدد" هم في الأساس تجار التهريب وتبييض الأموال إلى حدّ أنَّ أحد المختصين قال إنَّ المجتمع التونسي صار شَبِيهًا بالمجتمع الإيطالي الذي تسيطر عليه المافيات. وأظهر تقرير مؤسسة "ويلث إكس" السنغافورية المتخصصة في جمع المعلومات حول أثرياء العالم وتوزيع الثروة للعام 2013 أي بعد عامين على رحيل نظام بن علي أن عدد الأثرياء في تونس ارتفع بنسبة 16.2% مقارنة بالعام 2012 ليبلغ عدد الأثرياء التونسيين الذين يملكون ثروات تفوق المليارات إلى 70 شخصاً تقدر ثروتهم معا بـ9 مليار دولار (27مليار دينار تونسي) أي ما يعادل 357 مليون دينار للشخص الواحد ما جعل تونس تحتل المرتبة السابعة من حيث مجموع الأثرياء في القارة الإفريقية .وحسب ذات التقرير فإنّ 25 مهرّباً يتصدّرون قائمة أثرياء تونس كما أنّ تونس تحتلّ المركز الأوّل في المغرب العربي في قائمة أصحاب الثروات التي تتجاوز قيمتها 58 مليون دينار.

ووفق مؤشّرات إحصائيّة احتلت تونس المرتبة الخامسة عالميّاً في تبييض الأموال حسب تقرير منظمة الشفافيّة الدوليّة ويعتبر التهريب المتزايد من أبرز أسباب هذه الظاهرة. ولاشكّ أنّ تفشي ظواهر التهريب وتجارة المخدرات والسلاح والدعارة والتجارة الموازية ينمّ عن غياب آليات المراقبة ووسائل الردع، في ظلّ انتشار الرشوة والفساد. والمؤكد أنّ المنظومة التي نسجوا خيوطها ستتضخّم إذا لم تستعد الدولة سلطتها لفرض تطبيق القانون ولمحاسبة كلّ الذين أثروا بطريقة غير مشروعة، إِذْ إِنَّ وجودهم يشكل خطرًا على الاقتصاد الوطني.

غير أنَّ الخبراء الماليزيين يقولون إنَّ النسبة العامة للأثرياء التونسيين ارتفعتْ خلال السنوات الأربع الماضية إلى حوالي 20% لتستحوذ على حوالي 80% من ثروات البلاد، في مجتمع تصل فيه نسبة الفقر في الجهات المحرومة وفي الأحياء الشعبية إلى 70%، الأمر الذي يعد مؤشرًا قويًا على أنَّ التونسيين لم يجنُوا من سنوات الثروة سوى حالة عميقة من الفوارق الاجتماعية، والفقر، والبؤس الاجتماعي، في وقت كانوا ينتظرون فيه أنْ تقودَ ثورتهم إلى مجتمع أكثر توازناً بين فئاته من خلال تأمين الحدِّ الأدنَى من العدالة في تقاسم عائدات الخيرات.

ويرجع الخبراء هذا الارتفاع السريع لعدد الأثرياء في تونس ما بعد الثروة إلى "فوضى الاقتصاد المتوحش المنفلت من أية ضوابط"، وهي فوضى انتشرت خلال السنوات الأخيرة نظرا لغياب المراقبة خصوصاً على الحدود التونسية الغربية مع الجزائر والحدود الشرقية مع ليبيا. ويرتبط "الأثرياء الجدد" بتنامي ظاهرة تهريب الأسلحة التي نشطت بكثافة خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب تهريب المخدرات والمنتجات الصينية، ومختلف المواد الاستهلاكية بما فيها المواد الغذائية.

خلال أربع سنوات فقط زج الثراء الفاحش بالأثرياء الجدد في أنماط استهلاكية استفزازية بعد أن انسلخوا من "بيئتهم الاجتماعية"، إذ ينحدر 75% منهم من فئات اجتماعية متواضعة، نزحوا من أحيائهم السكنية الشعبية ومن الجهات الداخلية ليلتحقوا بأحياء من سبقوهم في الثراء مثل حي النصر وأحياء المنازه الواقعة شمال تونس العاصمة، بل زاحموا حتى العائلات الأرستقراطية التي ورثت الثراء جيلا بعد جيل، خاصة في أحياء قرطاج على ضفاف مياه البحر الأبيض المتوسط، ليسكنوا في فلل فاخرة يتجاوز سعر الفيلا الواحدة 3 ملايين دينار (حوالي 1.5 مليون دولار) فيما يقطن 30% من فقراء تونس في "بيوت" غير صحية، ومتواضعة جدّاً.

تفاقم الصراع بين قصر قرطاج وقصر باردو

تونس اليوم لا تعاني من وباء كورونا المستجد فحسب، بل ومن وباء الصراع السياسي البارد والحامي بين قصر قرطاج وقصر باردو حيث يترأس الشيخ راشد الغنوشي البرلمان التونسي، وبين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية حول مسألة تفويض صلاحيات البرلمان لرئيس الحكومة إلياس الفخفاخ طبقاً للفصل 70 من الدستور التونسي، كي يتم إصدار المراسيم الحكومية من دون العودة للبرلمان لخوض الحرب على وباء كورونا. وهو ما يؤكد للمراقبين في تونس أنّ هناك مناخاً من عدم الثقة بين الأطراف السياسية، ومخاوف متبادلة بسبب التنازع على السلطة بين رئاسة الجمهورية، ورئاسة البرلمان، ورئاسة الحكومة.

وكان الرئيس قيس سعيَّدْ نفسه كشف أكثر من مرَّة في تصريحات مختلفة، عن عمق هذا الصراع، بإشارته إلى ضرورة احترام كل سلطة لصلاحيات الأخرى، فضلاً عن تأكيده خلال اجتماع مجلس الأمن القومي يوم الجمعة الماضي، أنَّه "لا مجال لأخذ قرارات من قبل أي سلطة محلية أو جهوية من دون الرجوع إلى السلطة المركزية والتنسيق معها"، مُشَدِّداً على أنّ "هناك دولة واحدة موحدة، ولا مجال في تونس لمن يريد أنْ يضعفَ الدولة ومؤسساتها".

كما أنَّ البرلمان التونسي الذي يرأسه الشيخ راشد الغنوشي تحَوَّلَ إلى بؤرةٍ حقيقيةٍ للفسادِ، فضلاً عن أنَّه يعاني من التفكك، وعدم الاستقرار، والهدوء، وغياب الوحدة بين نوابه منذ انطلاق أعماله، حتى أنَّ "السياحة البرلمانية" أصبحت إحدى سماته، ولم تعد ظاهرة تبعث على الاستغراب.

خاتمة

إنَّ السؤالَ المطروحِ تونسياً: هل يمكن للرئيس قيس سعيَّدْ انتهاج سياسة واضحة لمكافحة الفساد على المستوى الوطني؟.

إِنَّ الفساد في تونس، استفحل بعد الثورة جراء تراخي الحكومات المتعاقبة وتخاذلها في معالجة المسألة وغياب الإرادة السياسية في مكافحة هذه الظاهرة، إضافة إلى ضعف الدولة وبروز عصابات الفساد في المجالات كافة. ويطالب الخبراء بضرورة دعم أجهزة الرقابة ومراجعة التشريعات والقوانين الموروثة عن النظام السابق لمكافحة ظاهرة الفساد إلى جانب ترسيخ ثقافة مقاومة الفساد لدى المؤسسة القضائية. في تونس اليوم القضاءُ فاسدٌ، لا توجد أي إرادة سياسية لمعالجة ظاهرة الفساد، نظراً لتضارب مصالح الأحزاب، لا سيما أنَّ القرارات السياسية في الوقت الراهن تتجه نحو تكريس هذه الظاهرة من خلال الدعوة إلى المصالحة دون محاسبة.

الطبقة السياسية الحاكمة في تونس لا يستطيب لها العيش إلاَّ في ظلِّ الدولة الغنائمية القائمة.

 

 

إخترنا لكم من العدد