مجلة البلاد الإلكترونية

وصول ناقلات النفط الإيرانية إلى فنزويلا سالمة بعد طول تهديد: القوة العظمى الأمريكية بكل جبروتها العسكري باتت مرتدعة

العدد رقم 234 التاريخ: 2020-05-30

مآلاتُ العَقل الغَربيّ في هَاويةِ الزّمَن "الكُوروني"

 

يقول جورج أورويل:

‏"في وقت الخداع العالمي يصبح قول الحقيقة عملاً ثوريّاً"..

وأية حقيقة جارحة وشديدة التأثير العملي بدأت تظهر بقوة في فضاءات المعرفة والثقافة العلمية والسياسية الغربية التي أقامت وجودها على قاعدة العقل والعلم متناسية عن قصد للمعنى والروح والغايات الإنسانية النبيلة..

حقيقةً لم يكن أشد المتشائمين في هذا العالم، يتوقع أن ينتهي الغرب الحديث إلى هذه النهايات المعرفية والعملية المفجعة والمأساوية، بل وأن يسقط في درك ومستنقعات الابتذال القيمي العملي على صعيد الأخلاق والمعاني الإنسانية في ما يتصل بإدارة الشؤون السياسية والعلمية والعملية في أدوات التعاطي ووسائل المواجهة وقدرات الضبط والتأثير التي فجرها تفشي وباء الكورونا في شتى أنحاء العالم.

.. بشر من لحم ودم وأحاسيس وأرواح، يموتون مجاناً بلا قدرة على إيقاف أعداد الوفيات المتصاعدة على مدار الدقائق والساعات في قلب الحضارة المادية، بل جرى رفع معدات وتجهيزات التنفس الاصطناعي عن بعضهم ووضعه على بعضهم الآخر بسبب عدم وجود ما يكفي من تلك الوسائل الطبية المهمة والحيوية.

أناسٌ متخمون بتقنيات العقل الحديثة، مدججون بفلسفات حداثية مؤسطرة دفعتهم لنسيان أصل الوجود ومعناه، والتموضع في غياهب الذات المغتربة عن حالها وواقعها.. هذا هو العقل العلمي الأداتي، العقل الوظيفي الذي هيمن في مرحلة ما بعد الحداثة على الفكر والعمل..

لقد كانَ لتعقُّدِ واقع الحياة نفسها في سيروتها العملية، وتراكم حاجات البشر فيها، وتسارع تحولاتها وتغيراتها واتساع نطاقات معارف الإنسان فيها، كلها تسببت له (للإنسان) بكثير من الشقاء النفسي وبشيء من الاغتراب عن ذاته بالدرجة الأولى، ودنّوه من حالة الفراغ النفسي الذي عجزت أدوات ومعالم ومظاهر وزخارف الحداثة نفسها عن ملئه وإكسابه أية معاني جديدة؛ أي لم تستطع كل وسائل وأدوات الحداثة إشباع تلك الحاجات والرغبات النفسية.. الحداثة العلمية التي أقامها العقل الغربي العلمي، لم تقدم له معنى وغاية عليا، رهنته واستلبته وأخضعته بقوة العلم الوظيفي إلى شروطها المادية فحسب.. وهذا هو أحد أهم عناصر وتجليات حالة ما بعد الحداثة، حيث برزت عودة خجولة للإنسان إلى البحث عن غاية ومعنى وهدف لم يجدها في معلومات وعلم ووسائل ورفاهيات وتحولات مادية كبرى، وجدها – أو سيجدها - في حقيقة كامنة ضمن ذاته.. في فطرته، وكينونة ذاته الباحثة دوماً عن "مثال أعلى مرتفع" وليس عن "مثل عليا منخفضة".

تلك المُثُل المنخفضة التي حاول العقل الأداتي الغربي فرضها وتجسيدها في منظومات العلم الحديث، سواء في بناء حداثة العمران والاستهلاك المادي، أو في طرق التسلُّح النووي وتصنيع الصواريخ وإثارة الصراعات وشنّ الحروب الاستباقية، والتدخُّل في شؤون الدول الأخرى، والهيمنة على مقدراتها ونهب خيراتها والتحكم بقرارها... أقول: تلك المُثُل والأدوات المنخفضة في معنى القيمة الإنسانية والوجود الإنساني، لم تشفع لهذا الغرب في مواجهة قوة الهجوم والتأثير الفيروسي الكوروني الذي اكتسح مجتمعات الغرب وأسقطه في قلب قوته ووجوده المادي.. هي فضيحة من العيار الثقيل لأقوى الدول العالمية، أنها بالغت في التسلح والإعمار والاستهلاك البذخي الفارغ، ونست أو تناست (نتيجة انغماس العقل العلمي الأداتي في غرائزية البشر الأولى) أن تهتم بصحة إنسانها ذاته، وبعافيته وسلامته النفسية والجسدية، وتنفق على مراكز بحوثها الطبية العلمية بما يمكنها من مواجهة أمراض الإنسان ومختلف أزماته الذي تقول عنه أنه غاية لها، بينما ظهر أن لا قيمةَ له في واقعِ تعاطيها مع الحدثِ الكوروني الذي ما زال يحصدُ الأرواحَ من أبناءِ مجتمعاتها، ولم ينفع معه إلى اليوم لا أدوية سابقة، ولا إنزال الجيوش إلى الساحات والشوارع، ولا الحجر على الناس في بيوتها (أكثر من 2.9 مليار شخص محاصرون في بيوتهم)...!!.

نعم، هذا يعطينا فكرة – كما قلنا - عما وصله العقل السياسي الغربي من ترهل وانحدار قيمي، حيث الإصرار على استخدام قوى الغرب وطاقاته على طرق التسلح و.. و.. إلخ.. في وقت الحاجة ماسة للبحوث الطبية والإنفاق على الرعاية الصحية.

.. وهذا الانتشار والتفشي الكبير لهذا الفايروس الخطير في مجتمعات غربية كان يُنظر إليها على أساس أنها تملك بنى تحتية صحية قوية، يفضح حقيقة العقل الغربي، ويُبرز مآلاته النفعية المادية، وهبوط الوعي الإنساني لنخبه إلى الحضيض..

ولن نعود للماضي كثيراً لنثبت مآلات الحداثة الغربية التي بدأت ليس اليوم، بل منذ زمن... على الرغم من أنها دخلت أو أُدخِلت إلى مسارات الوعي البشري كفكرة تقدمية تطورية إنسانية، تستهدف العقل والتنوير وإزاحة التخلف واللاعقلانية من أمام المسيرة الإنسانية، فإذا بها تسقط في فخ ابتذالاتها المادية.. هل نتذكر مثلاً الحربين العالميتين الأولى والثانية، وصعود الفاشيات والنازية، وتدمير الدول والمدن والعوالم المادية، ورمي القنابل الذرية، والإبادات الجماعية، وحروب الشرق الأوسط الصغرى والكبرى، ومنع الشعوب من تحقيق نهضتها وتنميتها، بما وسع الفارق كثيراً بين الشمال والجنوب..؟!!.

نعم، لم يُوجَّه العلم بشرياً بشكل صحيح، لأنه تمّت إزاحة المعنى والغاية منه، ومن الساحات كلياً. فقد استخدمت النظُمُ والحكوماتُ والنخب الحاكمة العلمَ والعلوم والتصنيع العلمي فقط للفرض والقسر وإثارة الفتن وإشعال الحروب وقتل الناس واحتلال الشعوب والدوس على كرامات الأمم كما قلنا آنفاً.. وعندما تعرّفَ الإنسان على تكنولوجيا العلوم الحديثة واكتشف مواقعها واخترع آلياتها وأدواتها الكثيرة لخدمته وتأمين وجوده، ظن أنه سيكون ملكاً على الأكوان، وأنه سيتمتع بغنى ورفاهية كبيرة.. طبعاً لم يحدث مثل هذا إلا قليلاً.. حيث تصاعدَ العنف والقتل، وتوسّعت أمدية ونطاقات العنصرية والإرهاب "العلموي"، وازدادت الهمجية والوحشية أكثر.

وحتى لا نذهب بعيداً في التوصيف النظري، تتحدث عن هذا العقل الغربي، الكاتبة العلمية "سونيا شاه" في مقالةٍ صاعقة، نشرتها لها مؤخراً مجلة "ذا نيشن" الأمريكية، عن أنّ الفيروسات (التي قفزت من أجساد ضيوفها الحيوانات، حيث لم تكن مؤذية؛ إلى أجساد الآدميين، حيث ألحقت الأذى القاتل)؛ باتت شائعة بصفة متزايدة لأنّ بني البشر يجتاحون الحياة البرية عن طريق قطع الأشجار وتدمير الغابات.. 60٪ من الجينات الميكروبية المُمرِضَة التي ظهرت خلال العقود القليلة الأخيرة مصدرها الحيوانات، والثلث منها مصدره الحياة البرّية.. وتشير "رابطة العالم البرّي" العالمية إلى أنّ مشاريع تدمير الحياة الطبيعية سوف تؤثر على 1700 مكمن للتنوّع البيئي، وعلى حوالي 265 من الأنواع المهددة بالانقراض. في المقابل، تطوّر 800 نوع هجومي اجتياحي، بينها 98 من البرمائيات، و177 من الزواحف، بسبب الانقلابات القسرية في أعراف الحياة البيئية الطبيعية من جهة أولى؛ وكذلك (والحديث جادّ وعلمي هنا) لأنّ الطبيعة تميل إلى "الثأر" من منتهكي قوانينها وتوازناتها..!!.

نعم هي هذه، الكارثة الأكبر التي ابتُلي بها هذا العقل الغربي، هي اجتياحه الأعمى لمكونات الطبيعة، نتيجة تأسيسه على نهائية الحس والتجربة، أي اعتباره أن الحس هو الينبوع الوحيد للمعرفة، وعدم إيمانه بوجود مدركات وأفكار أخرى غير مادية، فطرية كامنة بالقوة تحتاج للتفتح الواقعي العملي.. ولعل من أهم تلك المدركات "العقلية" الفطرية، قانون السببية ومفهوم العلية، العلة والمعلول...الخ..

ولكن ماذا عنّا نحن في اجتماعنا الديني العربي والإسلامي؟.. هل من المنطق والعقلانية والمسؤولية الإصرار على هجاء الآخرين وكَيْل الاتهامات لهم، وتحميلهم لوحدهم أسباب تخلفنا وتأخرنا الحضاري؟!.

في الواقع، علينا أنْ نعترف ومن دون مواربة، أنَّ بلداننا العربيّة عموماً مستباحة بفايروسات الفوضى واللا قانون والمزاجية والمصالح الشخصية الفردية، قبل أن تكون اليوم مستباحة ومُجتاحة مثل باقي دول العالم بفايروس الكورونا.. وهذه كلها تأتي كنتيجة طبيعية لتثبيط منظومة الحقوق ومنع قيامة الدول القادرة والقوية والعادلة المعنية أساساً وجوهرياً بتطبيق القانون وفرض النظام العام، وتطوير واقع الأفراد والمجتمعات العربية، بقطع النظر عن دور الخارج، وهو دور واضح وسافر بطبيعة الحال.

من هنا، لن يكون من الممكن إعادة بناء الدول العربية الحديثة (وهيكلتها حداثةً حقيقيةً وقانوناً ومؤسسات قوية)، والتي هي الإطار القانوني والسياسي الأنجع، في الوقت الراهن، لتنظيم المجتمعات واستنهاضها على كل الأصعدة والمستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية، واستثمار جهود أبنائها وطاقاتهم وتلبية مطالبهم الأخلاقية والروحية والمادية، أقول: لن يكون من الممكن إعادة بنائها من دون إعادة بناء شروط الحياة القانونية والسياسية في المنطقة برمتها. ولن يتحقق ذلك من دون التوصل إلى اتفاقات ومعاهدات جماعية، تنظِّم شؤون الإقليم وتربط مصيره بقرار دُوَلِه ومجتمعاته وتفاهمهم، وتضع حداً للتدخلات، والسياسات العربية الداخلية الفردية البغيضة ومشاريع الهيمنة، وللصراعات والنزاعات والمظالم، التي أصبحت الخبز اليومي لأهل المنطقة، أفراداً وشعوباً.

نعم إنَّ التحديات القادمة بعد الانتهاء من هذا القاتل الخفي، أو احتواؤه والسيطرة عليه، هي تحديات مصيرية كبرى، خصوصاً مع وجود تداعيات اقتصادية خطيرة ستنال من بلداننا ومجتمعاتنا.. وإذا كان من البديهي هنا الإشارة إلى ضرورة انفتاح النظم على شعوبها واستثمار هذه اللحظة المصيرية (والعاطفية) الحساسة لمنحها مزيداً من حقوقها، باعتبار أن الناس هم أدوات ورافعة أي مواجهة وتغيير حقيقي لمواجهة تلك التداعيات، فإننا نعتقد أنه وعلى المدى الزمني الطويل، هناك تحديات وأولويات كبرى تواجه العرب والحضارة الإسلامية والثقافة الإسلامية والفرد المسلم، يأتي على رأسها موضوعة وتحدي "توطين المعرفة" وإنتاجها ذاتياً، أو ما يطلق عليه بــــــ "فلسفة العلوم" ومحاولة إيجاد علاقة معرفية وفلسفية منتجة بين الثقافة الإسلامية السائدة ومجمل النتاجات والمنتجات والمكتسبات والاختراعات والمكتشفات والتطورات العلمية التي تمكن الإنسان من الوصول إليها، ومحاولة تبيئتها محلياً.. أي إيجاد بيئة وفضاء ثقافي وأرضية معرفية عربية وإسلامية مُنتجة للعلم والمعرفة العلمية (الطبية وغير الطبية) الخصبة والثرية، ليسَ فقط من زاوية القدرة على تحقيق الاستجابة النوعية الفاعلة على مجمل التطورات العلمية الحاصلة باستمرار في صميم وجود وحركة المجتمع الإنساني.. بل بالأصل امتلاك المعايير والنظم البنيوية المؤسسة لحالة الإنتاج العلمي نظرياً وعملياً، والمولدة والصانعة للعلوم ذاتها، لا أن تكتفي تلك الثقافة فقط وحتى الآن بلعب دور المتلقي والمنفعل والمستجيب قسراً وغصباً لتلك التطورات العلمية الهائلة في عمق المعرفة العلمية الإنسانية على مستوى العلم النظري والعلم العملي فكراً وتجربةً وإنتاجاً.

.. أخيراً نسأل، مثل كثيرين: هل سيتغير العالم – خصوصاً العالم الغربي الذي يمسك عقله الأداتي الوظيفي بدفة القيادة الكونية - بعد ضربات "كورونا" الساحقة الماحقة؟! وهل ستتغير دفة السفينة البشرية واتجاهات سيرها وإبحارها بعدما بلغ سكانها حدوداً غير مسبوقة من الرفاهية والإسراف والظلم والقسوة والخيانة والتفاهة؟!!..

مثلما الإنسان يكبر ويشيخ، كذلك الأفكار تشيخ وتتكلس.. وتترهل وقد تصبح بلا فائدة أو معنى.. والمراجعة حتماً قادمة، مراجعة الإنسان لأفكاره، وتعديلها وتطويرها للأفضل؛ بل وحتى الاستغناء عن بعضها أو كلها، وهذا دليل الحياة والنمو والصحة العقلية والمعرفية.

واليوم هناك فرصة قوية بل صدمة وجودية يُفترض أن يكون قد أحدثها فايروس كورونا - بما فعله وسيفعله ببني البشر - بما يجب أن يدفعهم لإعادة دراسة قناعاتهم وموضعة حياتهم وتوجهاتهم بإضفاء المعنى والهدفية عليها، وتعميق الرسالة الإنسانية الأصيلة القائمة على التكامل والإخاء والمشتركات الإنسانية الحضارية بما يخدم الإنسانية ذاتها، عدالةً ومساواة وإنسانية واحدة.

نعم، عندما تسود الثقة والتعاون والقيم الإنسانية وتتفشى الحقوق، وترفل المجتمعات بالهدوء والطمأنينة والاستقرار الحقيقي (لا المفخّخ)، تتحركُ عجلة التنمية في كل المجتمعات بقوة وبسرعة وبوعي ومسؤولية.. وعندها ستزدهر المجتمعات، وتستنهض الهمم والإرادات على طريق البناء والإبداع.

نبيل علي صالح

 

إخترنا لكم من العدد