مجلة البلاد الإلكترونية

وصول ناقلات النفط الإيرانية إلى فنزويلا سالمة بعد طول تهديد: القوة العظمى الأمريكية بكل جبروتها العسكري باتت مرتدعة

العدد رقم 234 التاريخ: 2020-05-30

الولايات المتحدة تفشل في احتواء فايروس كورونا.. الأسباب والتداعيات

تأخر فايروس كورونا في الوصول إلى الولايات المتحدة، لكنها مع ذلك استطاعت بسرعة قياسية احتلال المركز الأول في العالم بعدد المصابين..

و"الفضل" في هذا الإنجاز الذي يدفع ثمنه الشعب الأمريكي، يعود إلى الإدارة السيئة للأزمة، ولرئيس استخف بالوباء كي لا يؤثر في حملته الانتخابية، قبل أن يصحو وقد فتك في ولايات البلاد كافة مهدداً وحدتها، واقتصادها وهيمنتها ومكانتها العالمية.

أمريكا على خطى إيطاليا

ليس من السهل تتبع عدد المصابين بفيروس كورونا في الولايات المتحدة، فعداد الإصابات في حركة تصاعدية مستمرة منذ اكتشاف اول اصابة بالفايروس نهاية شهر كانون الثاني الماضي، لكن إحاطة الرئيس الأمريكي الأخيرة بنتائج "جائحة" كورونا حتى الآن، وما توقعه للقادم من الأيام، تعطي فكرة واضحة عن المرحلة الصعبة التي بلغتها بلاده مع الاجتياح الوبائي.

 دونالد ترامب الذي كان قد قلّل على مدى أسابيع من أهمية الخطر الصحي للوباء، واعداً الأمريكيين برفع القيود المفروضة عليهم في إطار مكافحة الفايروس مع حلول عيد الفصح في الثاني عشر من الجاري، أخلف وعده، وأعلن تمديد قيود احتواء "كوفيد - 19"، حتى نهاية الشهر، ما يعني عملياً إبقاء الحياة شبه معطلة في الولايات المتحدة مع ما لذلك من تداعيات كارثية تصيب اقتصاد البلاد ومن خلفه الاقتصاد العالمي.

على أن الأخطر في كلام ترامب ليس تمديد الإجراءات وإنما التوقعات بشأن تداعيات الفايروس على المستوى البشري، حيث رجّح أن يصل معدل الوفيات في الولايات المتحدة إلى ذروته، في غضون أسبوعين. وقال إنه بالاستناد إلى التقديرات "فإن ذروة معدل الوفيات يرجح أن تحدث في غضون أسبوعين"، وهذا التقدير كما تبين لاحقاً جاء بناءً على معطيات وأرقام رفعت اليه، تفيد بأن مسار انتشار الفايروس قد يؤدي إلى موت 2.2 مليون أمريكي. وفي هذا السياق ذكرت شبكة "سي. أن. أن" الأمريكية، أن قرار ترامب الأخير بتمديد مدة الإجراءات المتخذة، جاء نتيجة ضغوط متضافرة من قبل كبار مسؤولي الصحة العامة. ونقلت الشبكة عن أنتوني فاوتشي، كبير خبراء الأمراض المعدية في المعهد الوطني للصحة، والعضو البارز في فريق إدارة ترامب لمكافحة الفايروس قوله، لقد "عرضنا عليه - أي على الرئيس - البيانات.. وقد نظر إليها وفهم الموضوع مباشرة" وأضاف فاوتشي "لقد كانت صورة واضحة جداً.. ذهبت أنا والطبيبة ديبي بيركس معاً إلى المكتب البيضاوي، وقلنا: إليك البيانات، أَلقِ نظرة عليها... نظر إليها وفهمها وهزّ رأسه، وقال: أعتقد أننا يجب أن نفعل ذلك"، ليقرر بعد ذلك تمديد فترة القيود المفروضة بسبب فايروس كورونا.

وما هو أخطر من كلام ترامب كان كلام نائبه مايك بنس، الذي لاحظ بأن الولايات المتحدة تسير على طريق إيطاليا. وقال في مقابلة مع شبكة "سي. أن. أن": نحن "نعتقد بأن إيطاليا قد تكون المنطقة الأكثر مقارنة بالولايات المتحدة في هذه المرحلة "رافضاً الاتهامات الموجهة الادارة الأمريكية بسوء إدارة الأزمة، ومحاولاً في الوقت نفسه إلقاء المسؤولية على الصين، التي اتهمها بعدم الشفافية في التعامل مع الوباء" وقال: كان بإمكاننا أن نكون أفضل حالاً لو كانت الصين أكثر شفافية".

لماذا فشلت أمريكا في احتواء الفايروس

رمي مسؤولية انتشار فايروس كورونا في الملعب الصيني، لم يُزل علامات الاستفهام الكبرى التي طرحت حيال عجز الدولة العظمى بما تمتلكه من إمكانات ضخمة مقارنة بكل دول العالم، عن مواجهة الفايروس فضلاً عن احتوائه أو إيجاد اللقاح المضاد له، وقد سارع المحللون والكتاب الأمريكيون إلى استكشاف الأسباب بالتزامن مع قراءة المخاطر والتهديدات.

وفي هذا الإطار تساءلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن "السبب الذي يجعل من الولايات المتحدة باعتبارها الدولة الأكثر تقدماً في مجال الطب تواجه صعوبات قصوى في تشخيص فايروس كورونا؟ ولماذا لا تظهر نتائج التشخيص مبكراً؟ وكم عدد الأمريكيين الذين يحملون الفايروس في الحقيقة؟"، قبل أن ترجع سبب ذلك إلى سلسلة الإجراءات الفاشلة التي تبناها البيت الأبيض ومركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها وإدارة الأغذية والعقاقير الأمريكية، التي تربك الناس حول أماكن الحجر الصحي وطرق الكشف عن الفيروس.

بدورها توقفت شبكة CNBC عند مجموعة من المعطيات والتحليلات التي تفسر برأيها سبب الارتباك الأمريكي في التعامل مع "كوفيد - 19"، ولعل أبرزها:

- قرار "مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها" تطوير تقنيات التشخيص ذات الصلة في بداية انتشار الوباء، وتجاهله عينات كشف الفيروس التي قدمتها منظمة الصحة العالمية لأكثر من خمسين دولة. كذلك تجاهل المركز - بحسب الشبكة الأمريكية -تهديدات انتشار الفيروس في البلاد، ولم يتواصل بصورة جيدة مع مؤسسات الصحة العامة المحلية، ما أدى إلى تأجيل تبني تدابير فعالة لاحتواء تفشي الوباء في بداياته، وبالتالي فشِل في اكتشاف مصدر العدوى والتحكم به بشكل فعال.

- لجوء المركز نفسه، إلى تقييد معايير الكشف عن الفيروسات، ما أدى إلى قبول قليل من المواطنين الحجر الصحي في بدايات تفشي المرض. كذلك توزيع المركز اختبارات الفيروس على مختبرات الصحة العامة فقط في البداية، ما أدى إلى عدم مشاركة المختبرات الجامعية والمعامل التجارية في الفحص الطبي، وعدم تلبية احتياجات عامة الناس في الحجر الصحي. هذا فضلاً عن الكلفة العالية للحجر الصحي بالنسبة للأمريكيين العاديين وانقطاعهم عن أعمالهم، الأمر الذي دفعهم لمتابعة أعمالهم من دون الحجر على أنفسهم في المنزل، وكذلك الكلفة العالية لفحوص كورونا خصوصاً لأولئك الذين لا يشملهم التأمين الصحي، وتأخر مجلس الشيوخ الأمريكي، في إقرار مشروع القانون بشأن المساعدة في علاج الوباء حتى الثامن عشر من آذار الماضي.

علماً بأن كلفة المشروع الذي أصبح قانوناً بعد توقيع الرئيس الأمريكي عليه تقدر بأكثر من 100 مليار دولار.

تداعيات كورونا

قد يختلف المحللون في تفسير أسباب الفشل الأمريكي في احتواء فايروس كورونا، لكنهم يتفقون على عظيم تداعياته التي من شأنها أن تصيب الاقتصاد الأمريكي في الصميم، وهو بطبيعة الحال لن يكون وحده في عداد المصابين وإنما سينسحب ذلك على المشهد السياسي الداخلي خصوصاً وأن الفايروس اجتاح الولايات المتحدة في حمأة السباق نحو البيت الأبيض، كما من شأنه أن يصيب سياستها الخارجية واستراتيجيتها العسكرية، وهو ما بات يرفع مستويات القلق لدى حلفائها وأدواتها في المنطقة. ففي دراسة حول تداعيات فيروس كورونا، سياسياً واقتصادياً، على مستقبل الولايات المتحدة، ورئيسها دونالد ترامب، رأى معهد أبحاث الأمن القومي التابع لجامعة تل ابيب، أن أمريكا وعلى الرغم من امتلاكها العديد من المزايا في المواجهة مع الفيروس مقارنة بالدول الأُخرى التي تنهار تحت وطأته، إلا أنها تواجه تحديات، منها: فقدان العدد الكافي من معدات الفحص والمستلزمات الوقائية جرّاء الرد المتأخر على التعامل مع كورونا، مضيفة بأن الأزمة الصحية المستمرة في الولايات المتحدة تُترجم بوضع اقتصادي شديد التأرجح، ويشمل أيضاً خسائر هي الأكبر في سوق الأسهم منذ سنة 1987. وأشارت الدراسة، إلى أن حدثاً يدمج بين أزمة صحية واقتصادية قبيل الانتخابات في تشرين الثاني القادم من المتوقع أن يكون له تأثير في فرص ترامب في إعادة انتخابه مجدداً، مع أنه من الصعب معرفة كيفية تأثير ذلك.

وبحسب دراسة معهد أبحاث الأمن القومي الاسرائيلي فإن الوضع الاقتصادي يعتبر أحد المؤشرات الأساسية لفرص إعادة انتخاب ترامب من جديد، من هنا فإن التقدير بأن الوجهة الحالية السيئة، ستضر بأوراق الرئيس الحالي. لكن حتى لو فاز منافسه جو بايدن، في الانتخابات فمن المتوقع أن تكون الولايات المتحدة غارقة في السنوات المقبلة في عملية المواجهة والتعافي من تأثيرات فيروس كورونا، بدلاً من السياسة الخارجية.

ويعتقد معدو الدراسة أن الانعكاسات التي ستترتب على تركيز اهتمام الولايات المتحدة على شؤونها الداخلية والركود المتوقع، يمكن أن تكون مهمة جداً بالنسبة إلى إسرائيل وذلك لأسباب عدة منها أن حدوث تقليص كبير في مساعدات واشنطن الخارجية، يمكن ألّا تنجو منه "إسرائيل" أما ما هو أخطر برأي باحثي المعهد الاسرائيلي، بالنسبة لتداعيات فيروس كورونا فهو أن الفراغ الناشئ نتيجة تقلص التدخل الأمريكي في الشرق الأوسط، يمكن أن يملأه لاعبون لديهم أجندة معادية لمصالحها.

خاتمة

ليس معلوماً على وجه التحديد كيف ستكون أمريكا ما بعد كورونا لأن ذلك مرتبط بمسار التفاعل الرسمي والشعبي مع تطور الوباء، لكن ما هو أكيد حتى الآن اهتزاز صورتها وانكشاف ضعفها، لدرجة أن تمدها الصين بالمساعدات الطبية وأن تقدم جامعة بقية الله للعلوم الطبية الإيرانية مجموعة من أجهزة الكشف عن الإصابة بفيروس كورونا ومواد تعقيم وكمامات من صناعة المقرات الجهادية لمكافحة الفايروس في الجامعة، هدية منها للشعب الأمريكي، في أبلغ رسالة أخلاقية، إنسانية وسياسية.

ابتسام الشامي

 

 

 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد