مجلة البلاد الإلكترونية

التجمع ينوّه ببدء رئيس الحكومة حسان دياب باستطلاع الوضع للتوجه شرقاً

العدد رقم 239 التاريخ: 2020-07-04

بعد "الكورونا": العَرَبُ في مُواجَهَةِ الفَقْرِ والمَجَاعة.. أينَ باتت استراتيجيات الزّراعة العربِيّة؟!

بعد "الكورونا": العَرَبُ في مُواجَهَةِ الفَقْرِ والمَجَاعة..

أينَ باتت استراتيجيات الزّراعة العربِيّة؟!

سيكونُ العربُ - في مقبلِ الأشهر القليلة القادمة - في مواجهة أزمات اقتصادية خانقة للغاية ستجعلهم يئنون ويعانون أكثر من أيامهم هذه.. حيث أن ملايين العمال العرب - ممن يعملون في مختلف القطاعات العامة والخاصة والمشتركة - سيفقدون وظائفهم ويُرمَون بالشوارع على أرصفة الانتظار والضياع، دونما عمل وربما بلا تعويض مالي، إلا ما تيسر..

وحتى الآن لم تعمد حكومات تلك البلدان لوضع خطط اقتصادية طارئة لمواجهة هذا القادم الأسوأ، فهي ما زالت تتخبط في سياسات آنية بعيدة عن معنى التخطيط العلمي.. خاصة في ظل كارثة الكورونا التي تسبّبت وستتسبب بضغوط كبرى على ميزانيات الدول، وأيضاً في ظل انهيار أسعار النفط (التي تعتمد عليها بلدان الخليج بالذات كأهم مورد من موارد الخزينة حيث تصل مساهمة هذا القطاع فيها إلى أكثر من 75%).. وستزداد الأمور صعوبةً مع بدء دخول العالم في حالة "ركود" اقتصادي قد تتطور لحالة "كساد اقتصادي".. والأنكى من ذلك أنه حتى ما يسمى بالجامعة العربية - التي كانت تجتمع على أمور أقل بكثير جداً مما نشهده اليوم من كوارث وبلايا - لم تحرك ساكناً، وكأنها تعيش في كوكب آخر.

طبعاً نحنُ لا نتوقع الكثير من معظم تلك الحكومات والنخب العربية الحاكمة، فهي لم تكن في أي يوم من أيامها (في هيمنتها على الموارد والخيرات، وامتلاكها لقوة النفاذ الآمن إلى الأموال والثروات) على مستوى التحدي الفاعل والمسؤولية السياسية والأخلاقية في الاستجابة الإيجابية لتطلعات شعوبها ولا في مواجهة تحدياتها الاقتصادية والتنموية وتطوير حياة أفرادها ومجتمعاتها، فهي – أي تلك النظم العربية - مهجوسة دوماً بفكرة وحيدة هي فكرة البقاء في الحكم، وكل ما عدا ذلك هو مجرد تفاصيل صغيرة، حتى لو كانت تتصلُ بقضايا كبرى كالعَطالة والبطالة والركود وتراجع مستوى المعيشة وأزمات الاقتصاد وعدم قدرة الناس على العيش الآدمي ولو بحدوده البسيطة الدنيا..!!..

والسؤال المطروح هنا، كيف ستواجه السلطات العربية الحاكمة والقابضة بقوة على مفاصل القرار الاقتصادي وغير الاقتصادي، سلبيات وتداعيات ما بعد مرحلة الكورونا على الصعيد الاقتصادي والتنموي البشري..؟!!..

سأناقشُ هنا في مقال اليوم (وفي سياق الاستجابة الفاعلة على تلك التحديات الاقتصادية الخطيرة) موضوعاً يتصلُ بأحد أهم قطاعات الإنتاج والاكتفاء الذاتي العربي، وروافد القوة العربية المستقبلية، والذي لو تمت العناية به والاستثمار في مجالاته وحقوله الواسعة، لكان العرب – ومنذ زمن ليس بالقصير - في مقدمة الدول المكتفية ذاتياً والمصدِّرة من خيراتِ ذلك القطاع إلى كلِّ دول العالم، وهو القطّاع الزّراعي وصناعاته المتنوعة والضّخمة.

.. طبعاً أنا لستُ خبيراً متمرّساً ومختصّاً في قضايا الزراعة والاقتصاد الزراعي، ولكنني أعلم - بالخبرة والوعي والمآلات العملية - أنه منذ أنْ تركَ الفلاحُ أرضَه في عالمنا العربي (أو تمّ تتريكه إياها من خلال سوء الفِعَال وقلة التّدبير الرسمي العربي)، لم يرَ أحدٌ الخير، لا المزارع ولا "الفرد المواطن - المستهلك".. فكثير من سكان الأرياف – ممن كانوا يملكون أراضٍ زراعية صالحة للزراعة والتربية الحيوانية - هجروا تلك الأراضي الزراعية الواسعة الخيّرة، وتركوها تبور وتتحول إلى أراضي مقفرة متيبسة، ونزلوا إلى المدن أو أطرافها، واعتقدوا أن الوظيفة (والراتب الوظيفي الشهري) سيصون عيشهم ووجودهم ويكون أماناً دائماً لهم ولعائلاتهم.

.. الأرض قيمة مقدسة كما يعلم الجميع، حتى أنها تسمّى باللغة الفرنسية طابو أو تابو أي مقدس، فهي تحتوي الإنسان بعد موته، حيث يدفن فيها وتتقبله بجسده وبما فيه من دود وطفيليات وكائنات دقيقة، وأيضاً هو خُلِقَ منها، وفي سيرورته الحياتية يعيش من مواردها وخيراتها وثرواتها الطبيعية، من نفط وماء وغاز ومختلف أشكال وأنواع الزراعات (قمح وحبوب وووإلخ)، يعني كل تلك الخيرات تأتينا من الأرض الطيبة، بما يدفعنا للتأكيد على أنها تستحق فعلاً أن تكون مقدسة، وأن تكون أمّنا الحنون.. لكننا للأسف، هجرناها (مرغمين أم غير مرغمين هذا أمر آخر)، نحو الوظيفة، واعتقدنا مُخطئين أنها (أي الوظيفة) ضمانة أبدية..

واليوم، حيث المعاناة تتزايد على معيشة الناس في مختلف بلداننا العربية، ويحتارون في كيفية تدبير شؤونهم ويومياتهم المعيشية من مأكل ومشرب، نحن بأمس الحاجة إلى هذه الأراضي المهجورة والتي تعد مساحتها بملايين الكيلومترات المربعة، في ظل الغلاء الفاحش وتراجع الاقتصادات العالمية، وتكور الدول -كبيرها وصغيرها- على مصالحها ومواردها، بما قد يؤدي (وسيؤدي) إلى عدم تصديرها لمنتجاتها الزراعية من قمح وحبوب وغيرها إلى باقي الدول المستوردة ومنها دولنا العربية، لأن المرحلة المقبلة قاسية وصعبة وكثير من المراقبين يتوقعون (الواصل درجة الاعتقاد اليقيني) أن ثمة مجاعات قادمة ستهيمن على كثير من بلدان العالم، وستلقي بظلالها السوداء على كثير من الدول العربية التي تعتمد غذائياً وزراعياً -في غالبيتها- على غيرها..

نعم، يبدو أنها سنوات عجاف طويلة ستواجه البشرية، وسترتفع مستويات وحجوم الخسائر المالية مع الركود والكساد الاقتصادي الكبير المتوقع... فأين نحن من ذلك كله؟!

.. من الأخير نقول وبلا أية مقدمات رومانسية عاطفية، أنه لا مناصَ للعرب من العودة للزراعة والصّناعات الزّراعية والحيوانية، ونحن العرب أهل لها ونملك مقوماتها الأساسية، وبناها التحتية الهائلة، من أراضٍ صالحة وأخرى مستصلحة، ومياه وسدود ضخمة، ومناخ معتدل، وغطاء نباتي واسع، وثروة نباتية وحيوانية وانتشار للغابات..

وسنضرب هنا مثالين عن الإمكانية الهائلة للزراعة العربية، الأول عن السودان، وهو بلد عربي يملك ثروة زراعية وحيوانية هائلة تكفي لكل العرب، لكنها غير مستثمرة على صورتها الحقيقية المنتجة والفعالة.. والثاني عن منطقة سهل الغاب في سوريا التي يمكن أن تكون سلة غذائية حقيقية لسوريا كلها.

المثال الأول، السودان:

يمتلك السودان مقومات زراعية، هي الأكبر في المنطقة العربية، بواقع 175 مليون فدان (الفدان = 4,2 دونم) صالحة للزراعة، بجانب مساحة غابية بحوالي 52 مليون فدان، كما لديه أكثر من 102 مليون رأس من الماشية، فضلاً عن معدل أمطار سنوي يزيد عن 400 مليار متر مكعب.. وتساهم الزراعة، التي يعمل بها ملايين السودانيين، بـ 48% من الناتج المحلي الإجمالي للسودان التي تمتلك قدرات تؤهلها أن تصبح سلة غذاء للعالم أجمع، وليس للوطن العربي فقط.

طبعاً لم تستفد السودان ولا العرب جميعاً من خيرات تلك الأراضي الواسعة، ومما يمكن أن يقوم فيها لاحقاً من صناعات غذائية وحيوانية.. والسبب هو انقسام العرب، وغياب التكامل العربي على كل المستويات والأصعدة وبالذات منه ما يتعلق بالأمن الغذائي وعدم تفعيل الاتفاقيات العربية، في المواضيع الغذائية والزراعية منذ أربعينات القرن الماضي، مما أسهم بقوة في زيادة الفجوة الغذائية وعدم قدرة الدول العربية على توفير غذائها واضطرارها لاستيراد غذائيّاتها من دول أخرى وبالعملة الصعبة..!!.. كما وتبلغ الفجوة الغذائية في العالم العربي حالياً نحو 34 مليار دولار، من 36 مليار دولار في 2012، وتمثل الحبوب 50% من تلك الفجوة، وفق آخر إحصائيات المنظمة العربية للتنمية الزراعية التابعة لجامعة الدول العربية.. ويخشى المراقبون أن تتسع الفجوة الغذائية عربياً من الحبوب واللحوم وغيرها إلى 53 مليار دولار بحلول عام 2020، و60 ملياراً عام 2030، بسبب ما يعتبرونه ضعفاً للإرادة السياسية إضافة إلى المتغيرات الدولية.. طبعاً تلك الأرقام ستتضاعف بعد أزمة الكورونا والكساد الاقتصادي العالمي القادم..

فمتى سيستفيد العرب من أراضي السودان وثرواته الكبيرة؟! ومتى سيجتمعون وينفّذون اتفاقياتهم الاقتصادية والزراعية منها بالذات حول استثمار السودان كسلّة غذائية للعرب أجمع؟!!.. وإذا لم يفعلوا اليوم، فمتى سيفعلون؟!!.. يبدو لي أنهم لن يفعلوا ولن يتحركوا قيد شعرة، لسبب جوهري وهو أن العرب لا يملكون قرارهم الحر المستقل، كما أنهم يفتقدون للمسؤولية الحقيقية والإرادة الواعية والمصمِّمة..!!..

المثال الثاني، سهل الغاب في سوريا:

تقدّرُ مساحة سهل الغاب الواقع في الوسط الغربي من سوريا، بحوالي 271 ألف هكتار، منها 87 ألف هكتار صالحة للزراعة فقط (الهكتار=10 دونم، والدونم يساوي 1000 متر مربع).. ويتميز هذا السهل الخصيب بأهمية زراعية خاصة، فهو يشكل المنطقة الزراعية الرئيسية في محافظة حماة السورية، كما يشغل الجزء الشمالي من الوادي الانهدامي الذي يمتد بطول يقارب 50 كم وعرض وسطي يبلغ حوالي 10 كم، فيما بين النهاية الغربية لسفح جبل الزاوية في الشرق، والنهاية الشرقية لسفوح الجبال الساحلية في الغرب.. ويبلغ وسطي ارتفاع سهل الغاب عن سطح البحر بحدود 180-200 م، ويتصف تسطّحه بشدة استوائه في الوسط، وبتضرّسه النسبي عند أطرافه.. وكان سهل الغاب سابقاً عبارة عن مجموعة من المستنقعات، لكن تمّ البدء في تجفيفها منذ العام 1954م، ليدخل في الاستثمار الزراعي منذ العام 1959، وليتحول بعد ذلك إلى واحدة من أكبر المناطق الإنتاجية الزراعية في سوريا.

.. وعندما كنا نذهبُ إلى منطقة "سهل الغاب" وهي منطقة سهلية زراعية بامتياز كما قلنا، وملائمة كثيراً لشتى ألوان وأشكال الزراعات التي نحتاجها لحياتنا، أقول: عندما كنا نزور السهل وننقل خلايا النحل إليه، كنا نرى بيوتاً سكنية بسيطة عشوائية واقعة على أطراف أراض زراعية قد تصل مساحتها مثلاً لحوالي 100-200 دونم، وقد تعود لشخص أو عائلة واحدة، تكون مزروعة "عباد شمس" أو "قطن" أو "شوندر سكري"، أو "قمح" و"تبغ" وغيرها من المزروعات... لكن معظم تلك الأرض الواسعة المساحة - التي يملكها شخص أو عائلة واحدة - لم تكن توفّر لمالكيها حياة سليمة وصحية، فبيوتهم تدل على فقرهم، وهي غير منظّمة، وغير صحية، وحياتهم تبدو عليها القساوة وشظف العيش وضعف المأكل النوعي.. ما السبب يا ترى؟ ولماذا لا تنعكس الزراعة سعادة وصحةً وراحة وترفاً (ولو بحدوده الدنيا) على حياة أصحاب تلك الأراضي ومالكيها أو العاملين فيه مثلما نرى في دول أخرى؟.. يعني أين يكمن الخلل في الموضوع، رغم توفر مقومات الزراعة الصحيحة من تربة خصبة ملائمة لشتى الزراعات، وتوفُّر مياه (هناك سدود على نهر العاصي)، مع وجود كادر بشري وطرق زراعية، ووجود ما يمكن تسميته بالمنهجية العلمية الزراعية من متخصصين ووحدات إرشادية قد يبلغ عدد المهندسين الزراعيين في كل واحدة منها أكثر من 10 مهندسين من خريجي جامعاتنا ومعاهدنا؟!.. فهلَ الخللُ قائمٌ في السّياسات الزّراعية المطبقة؟ أم للطبيعة دور في هذا؟.. أينَ الكفاءات؟! أينَ الخطط والبرامج؟!.. هل الإنسان بطبعه يرنو للعيش المرفّه أم يحب البقاء في العيش المتخلف؟!!.. أسئلة كثيرة تحتاج لإجابات واقعية عقلانية وعلمية صحيحة..

وخلاصة الإشكالية، أنك تعيشُ في قلبِ منجم الذّهب (سواء في السودان أم في سهل الغاب أم في مناطق زراعية عربية أخرى)، ولكنك تبقى فقيراً (مفقّراً) بل بائساً ومحروماً..!!.. يعني هي معادلة صعبة وغير متوازنة، يجب معالجتها بصورة علمية مدروسة..

.. يبدو لي - طالما ذكرنا الكوادر والكفاءات - أنَّ فلاحاً بسيطاً ينتمي للأرض ويعشقُها، يفهمُ ويعي ويعرفُ موضوع الزراعة ومعطياته وأهميته وطبيعة المستقبل الزراعي، بشكل أنجح وأنجع عملياً من أية كفاءة أو كادر تخصصي علمي صرفتْ عليه الدولةُ ملايين الملايين ليصبحَ مجرّدَ موظفٍ عادي، يقبعُ في زاوية مهملة ضمن وحدة إرشادية، قد لا يداوم فيها إلا مرة واحدة في الأسبوع، ويقبضُ راتبه على رأس كل أول شهر، وهو لا يستطيع ربما التفريق بين شتلة (نبتة) البندورة وشتلة الباذنجان..!!.. هذا الواقع في بلادنا العربية، واقع العطالة أو البطالة المقنّعة.. حيث الشهادات معلقة على الجدران بلا فائدة عملية..!!.

وخلاصة للموضوع، أتصور أنَّ الخللَ واضح بلا مواربة، وهو يكمن في استراتيجيات التخطيط الزراعي الآنية والمستقبلية، والافتقاد الواقعي لآليات دعم حقيقية للمزارع للثبات في أرضه والاستفادة المثلى منها.. والإصرار على ربط المزارع (وأراضيه الزراعية) بمؤسسات رسمية تعاني بدورها من التّرهل والبيروقراطية والفساد..

نبيل علي صالح

 

 

 

إخترنا لكم من العدد

فضاءات فكرية

بعد "الكورونا": العَرَبُ في مُواجَهَةِ الفَقْرِ والمَجَاعة.. أينَ باتت استراتيجيات الزّراعة العربِيّة؟!

بعد "الكورونا": العَرَبُ في مُواجَهَةِ الفَقْرِ والمَجَاعة.. أينَ باتت استراتيجيات الزّراعة العربِيّة؟! سيكونُ العربُ - في مقبلِ الأشهر القليلة القادمة - في ...