مجلة البلاد الإلكترونية

التجمع ينوّه ببدء رئيس الحكومة حسان دياب باستطلاع الوضع للتوجه شرقاً

العدد رقم 239 التاريخ: 2020-07-04

تركيا والهيمنة الإقليمية على ليبيا

توفيق المديني

تركيا والهيمنة الإقليمية على ليبيا

منذ أن وقع الرئيس التركي أردوغان مع رئيس حكومة الوفاق الليبية التي يرأسها فايز السراج، مذكرتي التفاهم، البحرية – الأمنية – العسكرية، في نهاية شهر نوفمبر 2019، أصبحت تركيا اللاعب المحوري في الأزمة الليبية الراهنة إلى درجة أن طيفاً من المتابعين بات يتحدث عن وصاية تركية على ليبيا.

وتشهد التطورات الأخيرة للملف الليبي بشقيه العسكري والسياسي الناتجة عن سيطرة قوات حكومة الوفاق على قاعدة الوطية الجوية، تأكيداً على استراتيجية أردوغان المتمثلة في تحقيق أطماعه وأحقية بلاده في غاز شرقي المتوسط وعدم التفريط في مصالح تركيا في ليبيا أكثر من ذلك، كما ذكر أردوغان بدعمه لحكومة الوفاق واستعداده لإرسال الأسلحة وحتى إرسال قوات عسكرية في حال طلبت طرابلس، والدخول عسكرياً مباشرة في المعارك الجارية حول العاصمة طرابلس الغرب.

ومنذ عام 2014 ومع الانقسام السياسي الحاصل وإنشاء اللواء المتقاعد خليفة حفتر لما يعرف بقوات الكرامة وبناء مؤسسة عسكرية منفصلة عن طرابلس، عملت تركيا وقطر على دعم جماعة الإخوان المسلمين والجماعة الليبية المقاتلة الداعمة لحكومة الوفاق بقيادة فايز السرج وعملت على إغراق ليبيا بالأسلحة وبينها المتطورة. وتضاعف ذلك الدعم بعد إطلاق المشير حفتر لعملية طوفان الكرامة لتحرير طرابلس وغرب ليبيا من الميليشيات المسلحة وكشف أردوغان في آخر تصريح له عن عزمه إرسال دبابات وطائرات مسيرة لليبيا.

يرى الخبراء والمحللون العرب أنَّ نفوذ السلطان العثماني الجديد أردوغان على ليبيا مكن أنقرة من التحدث باسم حكومة الوفاق مع القوى الكبرى، الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وألمانيا والصين بهدف إيجاد تسوية شاملة في ليبيا تسوية تضمن مصالح تركيا سواء على الجغرافيا الليبية أو في شرقي المتوسط يؤكد المراقبون بأنَّ الاتحاد الأوروبي الرافض لمثل هذا المنحى للأزمة الليبية لن يمنع أنقرة من تنفيذ مخططها الرامي لاحتكار التحكم في ملف بهذه الأهمية من كل الجوانب بعد أنْ كادت تخرج من الملف السوري بيد فارغة وأخرى لا شيء فيها.

تأثير سقوط قاعدة الوطية العسكرية على معسكر حفتر

يشكل سقوط قاعدة الوطية الجوية في ليبيا بأيدي قوات حكومة الوفاق بزعامة فايز السراج هزيمة عسكرية حقيقية لقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، وكأحد أبرز المتغيرات في المعركة ضد قواته. إذ أعلنت عملية "بركان الغضب" تنفيذ سلاح الجو أربع ضربات جوية جديدة على طريق الرواغة الرابط بين الجفرة وسرت، استهدفت آليتين عسكريتين، وسيارة محمّلة بالذخائر، وسيارة وقود على طريق الرواغة، فجر يوم الثلاثاء 19مايو/ أيار 2020.

ويحاول اللواء الليبي المتقاعد، خليفة حفتر، إنقاذ ما تبقّى من معسكره المتهاوي، إثر تلقّيه ضربات موجعة على يد قوات حكومة الوفاق، آخرها سقوط قاعدة الوطية غرب البلاد، وذلك من خلال لجوئه مجدداً إلى ما يصفه بـ "التفويض"، في سياق محاولاته المتواصلة للاستيلاء على السلطة عبر طرق أخرى بعد فشله العسكري.

وأعلن حفتر، في 27 من إبريل/نيسان 2020، عن توليه زمام قيادة البلاد بناء على ادعائه الحصول على "تفويض شعبي"، معلنًا أيضاً إسقاط الاتفاق السياسي الموقّع في الصخيرات بالمغرب الذي تم توقيعه في 15ديسمبر 2015، وما نتج عنه من هيئات سياسية، بما فيه مجلس النواب المنعقد في طبرق، الذي مثل له الواجهة السياسية لسنوات.

وفيما كشفت مصادر برلمانية من طبرق، وشخصيات من الدائرة الأولى لحفتر، النقاب عن استعداده لإطلاق "إعلان دستوري مؤقت"، بناء على "تفويض الشعب الليبي للقيادة العامة للقوات المسلحة"، خلال الأسبوع الجاري، قالت مصادر أخرى لصحيفة " العربي الجديد" إلى أنَّ رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، يمكن أن يعرقل إعلان حفتر بسبب رفضه "المطلق" للخطوة، رغم سماحه لمجلس النواب بالاستمرار في البقاء كواجهة سياسية لشكل الحكم الجديد الذي يسعى إليه حفتر.

وتشير هذه المصادر، التي فضلت عدم نشر هويتها، إلى أنَّ "الإعلان الدستوري المؤقت" المنتظر يتوفر على أكثر من 60 مادة، تبدأ بالمبادئ العامة عن اسم الدولة وشكل علمها، لكِنَّ أهم مواده هي المتعلقة بالمرحلة الانتقالية المقبلة التي سيتولاها حفتر تحت مسمى رئاسة "المجلس الوطني الليبي"، سيضم معه في قيادته قيادات عسكرية من الضباط الموالين له، مع احتفاظه بمسمى "القائد العام للجيش".

وقالت بعض المصادر المقربة من الدائرة الأولى لحفتر إن مشروع "الإعلان الدستوري" تم تمويله بالكامل من دولة الإمارات، التي عملت على إنقاذ حفتر من خلال أنصار النظام السابق، وهم آخر حلفائه في ليبيا، على أن تتولى الشخصيات السياسية والقبلية المنتمية للنظام السابق الترويج إعلامياً وقبلياً لمشروع حفتر. ولا ترجح المصادر أن يلقى إعلان حفتر قبولاً محلياً أو دولياً، بعد موجة الرفض التي لاقى بها المجتمع المحلي والدولي إعلانه السابق بخصوص إسقاط الاتفاق السياسي وتوليه زمام قيادة البلاد بناء على ادعائه الحصول على "تفويض" شعبي.

موقف الناتو الداعم لمحور تركيا وقطر

بعد سقوط قاعدة الوطية بأيدي قوات حكومة الوفاق التي يترأسها فايز السراج، أكد محللون أتراك أن قوة تركيا ساهمت في تغيير موقف الناتو في ليبيا لصالح حكومة الوفاق الوطني. فبعد أن تكبدت قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر خسائر فادحة، على الرغم من الدعم الروسي والإماراتي الميداني له، تغير موقف حلف شمال الأطلسي (الناتو) تجاه طرفي الصراع، لا سيما في ضوء التدخل العسكري التركي المباشر في القتال إلى جانب قوات حكومة الوفاق. فقد صرح أمين عام الناتو ينس ستولتنبرغ، يوم الثلاثاء 19مايو/ أيار 2020: بأنه لا يمكن وضع حكومة السراج، المعترف بها دوليا، واللواء المتقاعد خليفة حفتر، في كفة واحدة، وأبدى في الوقت عينه تأييده لتركيا، وأكد على ضرورة الامتثال لقرارات الأمم المتحدة.

 وأشار ينس ستولتنبرغ إلى أنَّ الناتو يتفهم التزام تركيا التي تتطلع لدور نشط في ليبيا لمسألة أمنها القومي. وأكد أنه مع تزايد الدول الغربية المساندة لحفتر في الآونة الأخيرة، جاء إعلان الناتو استعداده لدعم حكومة الوفاق، كإحدى ثمار قوة مواقف تركيا في ليبيا، على الرغم من الدعم الفرنسي واليوناني لحفتر.

ويعود التبدل في موقف الناتو إلى تغير الموقف الأمريكي من مجرى الصراع في ليبيا، فبعد أن كان الموقف الأمريكي لا مبالياً طيلة السنوات الماضية، قاد فشل اللواء خليفة حفتر في استغلال الدعم الفرنسي والروسي والإماراتي والمصري والسعودي، لدخول طرابلس، إلى إحداث تغير في الموقف الأمريكي. وكان لافتاً إلى أنَّه خلال لقاء الرئيس التركي أردوغان ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، بواشنطن في تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، طرح عليه أردوغان رؤيته حول الوضع والاستقرار في ليبيا، ووجد هذا الكلام استجابة لدى الأجهزة الأمنية الأمريكية، خصوصًا أنهم يعتبرون أردوغان حليفًا مهمًا.

ومع ازدياد التواجد الروسي في ليبيا، بدأت الولايات المتحدة ترى أن حفتر، الذي جاء بالروس، يهدد مصالحها الاستراتيجية. فالولايات المتحدة وبريطانيا رحبتا باستقلال ليبيا في 1951، لأنه يقطع الطريق على تواجد عسكري سوفييتي فيها، فهذا تهديد لجنوب أوروبا، وبالأخص اليونان وإيطاليا وفرنسا، وهو أمر غير مقبول لدى الأمريكيين.

ويجمع الخبراء والمحللون المتابعون للوضع في ليبيا، بأن الأمريكيين أصبحوا يجدون في التدخل العسكري بليبيا تماهياً مع رؤيتهم الاستراتيجية في المنطقة. وترجم هذا الموقف الأمريكي تصريح للأمين العام لحلف شمال الأطلسي "الناتو"، ينس ستولتنبرغ، الذي أعرب فيه عن استعداد الحلف لدعم الحكومة الليبية الشرعية.

فعندما اخترقت طائرتان فرنسيتان المجال الجوي الليبي فوق مدينتي مصراتة (200 كلم شرقي طرابلس) والزاوية (50 كلم غربي طرابلس)، أواخر نيسان/ أبريل 2020، واستخدمتا إشارات وذبذبات الناتو من دون تكليف من الحلف، أبلغت تركيا الأمين العام لحلف الناتو، فاهتمت الولايات المتحدة بالأمر، التي تعتبر "الناتو" مؤسسة أنشأتها ومولتها الولايات المتحدة، والمساهمة التركية في الحلف رئيسية، ولا يمكن أن يكون لدولة عضو، كاليونان مثلًا، الوزن والتأثير نفسه داخل الحلف. وكان  وزير الدفاع الأمريكي، مارك إسبر، قال إنَّ "تركيا هي الحليف الأهم داخل الناتو".

موقف دول الجوار من الحرب الدائرة في ليبيا

لقد تحولت ليبيا الى ساحة حرب إقليمية لا تقف عند حدود البلاد، بل ستكون لها تداعيات عسكرية و سياسية وجيو/استراتيجية خطيرة في كل منطقة الشمال الإفريقي، وشرق البحر الأبيض المتوسط ، بسبب تحول ليبيا على مدى السنوات الأخيرة الى مركز استقطاب للجماعات الإرهابية (21 تنظيما إرهابيا) وانتشار السلاح 42 مليون قطعة سلاح)، ووجود حوالي مليون مهاجر غير شرعي وغياب السيطرة على الحدود الجنوبية مع دول الساحل الإفريقي، والغربية مع تونس والجزائر، وهشاشة الوضع الأمني في أكثر من دولة مجاورة، بالإضافة إلى الخلاف والانقسام بين دول الجوار من أزمة ليبيا وانقسام دول الاتحاد الأوروبي وثبوت التدخل الروسي.

ففي هذه الحرب يتقبل محوران إقليميان:

 الأول، ويتكون من الدول الإقليمية التالية (تركيا وقطر) الداعمة لحكومة الوفاق بقيادة فايز السرج، المدعومة من جماعة الإخوان وجماعات الإسلام السياسي الراديكالي التي تستهدف زعزعة استقرار دول جوار ليبيا (خاصة الجزائر، وتشكل تونس في ظل سيطرة حركة النهضة على البرلمان والحكومة أكبر حليف استراتيجي لهذا المحور الإقليمي، لأنها استطاعت أن تحول الجنوب التونسي إلى قاعدة لوجستية لتمرير صفقات الأسلحة، وتهريب الإرهابيين القادمين من سوريا للقتال في ليبيا عبر الطائرات التركية التي تستخدم مطار جربة). ويمتلك هذا المحور الإقليمي تصميماً على عدم التفريط في مصالحه الاقتصادية في ليبيا سواء أكانت الطاقة أو عقود الأعمار والتسليح.

المحور الثاني، ويتكون من قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر المدعوم من قبل دولة الإمارات ومصر وروسيا، وهو يستهدف اقتحام طرابلس الذي يتطلب بالضرورة تدمير إمكانيات مليشيات مصراته والزاوية لقطع الإمداد لتلك القوات في طرابلس، وإجبار المجلس الرئاسي على التخلي عن المجموعات الإرهابية والمطلوبين دولياً حتى يقبل حفتر التفاوض مع السراج وهذا الأمر عرضه القائد العام للجيش على الوفد الأمريكي الرفيع عند زيارته للرجمة مقر القيادة العامة، علماً بأن السراج لن يقدر على فك ارتباطه بالإخوان المسلمين، وتلك المجموعات الإرهابية من الإسلام السياسي الجهادي.

فمصر أكدت على لسان رئيسها عبد الفتاح السيسي الرئيس أنّ بلاده "لن تسمح لأحد" بالسيطرة على ليبيا، بعد أيام من تلويح الرئيس التركي أردوغان بإرسال قوات تركية إلى ليبيا لدعم حكومة الوفاق الوطني في طرابلس.

وشدَّد الرئيس المصري حسب صحيفة "الشروق" الخاصة على أن بلاده "لن تتخلى عن الجيش الوطني الليبي" الذي يقوده المشير خليفة حفتر الرجل القوي في الشرق الليبي الذي أطلق يوم الخميس ما أسماه "المعركة الحاسمة" للسيطرة على طرابلس معقل حكومة الوفاق التي يترأسها فايز السراج ويعترف بها المجتمع الدولي. وبدأت قوات حفتر في أبريل/نيسان 2019 هجوماً للسيطرة على طرابلس. وتابع السيسي "لا يمكن أن نرضى بإقامة دولة في ليبيا للميليشيات والجماعات المسلحة والإرهابية والمتطرفة".

فقد هنأ رئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي، يوم الثلاثاء19مايو/آيار2020، رئيس حكومة الوفاق الليبية فائز السراج، بسيطرة القوات التابعة له على قاعدة "الوطية" الجوية. وقال بيان صحفي صادر عن مكتب رئيس حكومة الوفاق إن الغنوشي اتصل هاتفيا بالسراج وقدم "تهانيه باستعادة قواته لقاعدة الوطية الاستراتيجية، وعبر له عن ارتياحه لعودة هذه القاعدة القريبة من حدود تونس إلى الشرعية".

وتأتي تهنئة الغنوشي، الذي يرأس حركة النهضة الإسلامية الجناح السياسي لتنظيم الإخوان في تونس، تناغمًا مع الموقف التركي في ليبيا، وشقًا لصف الدبلوماسية التونسية، حيث تؤكد رئاسة الجمهورية على موقف الحياد من أزمة البلد الجار. وأحدث الموقف المتباين بين رئيس البرلمان المتهم بتغليب المصالح الحزبية والإيديولوجية على الموقف الوطني، شرخاً بين الغنوشي ورئيس الجمهورية قيس سعيَّد، الذي لا يخفي عدم ثقته في تركيا التي دخلت بقوة لتغليب كفة الميليشيات التابعة لحكومة الوفاق.

توفيق المديني

 

 

إخترنا لكم من العدد