مجلة البلاد الإلكترونية

التجمع ينوّه ببدء رئيس الحكومة حسان دياب باستطلاع الوضع للتوجه شرقاً

العدد رقم 239 التاريخ: 2020-07-04

الإسلامُ دينٌ خاتم ورسالةٌ إنسانيّة بين ممارسة النّقد البنّاء أو استئجار مبضع التّجريح

الإسلامُ دينٌ خاتم ورسالةٌ إنسانيّة

بين ممارسة النّقد البنّاء أو استئجار مبضع التّجريح

على الرغم من سقوط الشّيوعية والمشروع اليساري الستاليني والأيديولوجية الماركسية اللينينة، ما زالت تتنطع علينا بين الفينة والأخرى بعض الأقلام التي تحركها الرؤوس الحامية من فلول هذا التيار لتتحدث عن الدين بأنه خرافة وعفن وهمجية وبربرية وغيره... وكأنهم هم ملائكة وقدّيسون ورسل الأخلاق الحميدة الجدد..!!.

أتصوّر أنه يجب على من يدّعي العقلانية والعلمية والموضوعية (وهم عملة نادرة في كل الأوقات للأسف)، أن لا يتهم الناس في عقائدها وإيمانها، وأن يحترم قناعاتها، وأن لا يصادر عليها معتقداتها حتى ولو بكلمة جارحة.. خصوصاً لما تعتقد أنه خلاصها، طالما أن تلك القناعات والاعتقادات لا تؤذي الآخرين.. بطبيعة الحال نحن مع النقد والانتقاد والتفكيك المعرفي القائم على الحوار والتحليل والاعتراف بالآخر.

.. طبعاً في النهاية، كل إنسان ملزم بما يقتنع، وهو حر فيما يعتقد ويؤمن ويظن أنه يقينه وخلاصه الممكن له.. المهم في الأمر أن يبقى هذا الإيمان وتلك القناعة متحركين في سياق عقلاني وفي إطارهما الإنساني الأخلاقي الذي لا يضر ولا يؤذي ولا يتوسل العنف وأدوات القوة للوصول إلى الغايات، ولا يفرض رأيه على الآخر بالتسلط والغلبة وشوكة العصبية.

لكن أنا باعتقادي، وهذا من باب النقد كما أزعم، أن هذا التجريح بقيم الأديان عموماً، وتلك الإساءة للدين - الإسلامي منه بالذات - أمر معيب وغير منطقي، ولا علاقة له بأي نقد علمي موضوعي معرفي رصين، طالما أن أصحابه يقيمون هجومهم على العواطف والرغبويات، بما يدل على أنهم بعيدون عن معنى هذا النقد العلمي للفكرة (فالنقد مطلوب وحيوي وضرورة للنهوض والتقدم)..

.. ومن جهتنا كمثقفين نعتز بقيم الدين الإنسانية الأصيلة وندافع عنها، نرى ونعاين على الأرض آليات ووقائع استغلال أتباع تلك التيارات الفائتة وفلولهم المتكلّسة، للناس، ومحاولتهم دغدغة عواطفهم من جهة عندما يتحدثون عن فشل الأديان في تحقيق غاياتها التي تزعم أنها أسست وجودها عليها، ومن جهةً ثانية نرى كيف تتم مخاطبتهم من علٍ بنرجسية وتغطْرس مقيتين، وكأنهم يمتلكون الحقيقة المقدسة (نعم المقدسة على الرغم من زعمهم العلمنة وتلبّسهم النفسي الزائف بها)، ويحتكرون فهم العالم ووعيه لوحدهم دون سواهم.

للأسف أصحاب هذا النمط من التفكير اللا عقلاني، لم يغادروا بعد لحظتهم الماضوية الأولى (وهم بالمناسبة يتهمون التيار الإسلامي بالماضوية!) التي نشأت منذ عقود طويلة مع بدايات القرن الماضي، حيث كُتُبُهم الصفراء العتيقة القائمة على النفي والإقصاء والعنصرية الأيديولوجية، وإلغاء كل من يختلف معهم ولو بكلمة أو حرف أو موقف، مَثَلهم في هذا مثل حركات الإسلام السياسي الأصولي (بمختلف أطيافه وجماعاته وتنظيماته) القائم تفكيرهم وممارساتهم على القوة وأفكار العنف والتغلب والعصبية العمياء وإلغاء الآخر المختلِف.. أي أن الإسلاميين (السياسيين) لا يختلفون - في العمق والممارسة - عن الماركسيين والشيوعيين، والاختلاف بينهما يكمن فقط في استبدال المقدسات، ونوعيتها وشكلها، حتى أن كثيراً ممن ولدوا على اليسار المتطرف، ماتوا في أحضان الإسلام المتطرف، وحتى أن بعض شيوخ اليسار الماركسي باتوا لاحقاً – عقب سقوط حلمهم الشيوعي - شيوخاً ودعاة في الإسلام.. نعم، كلنا في الهم شرق.

وتلك التيارات الماركسية التي استلمت الحكم في دول عديدة، كالاتحاد السوفييتي، والصين، وكوريا الشمالية، آمنت بفكرة العنف وترسيخ الأصالة للقوة، أي كان العنف والانقلاب جزءاً رئيسياً وجوهرياً من بينتها "المعرفية" التفكيرية، وبرامجها التنظيمية السياسية.. وسارت في طرق العنف واستخدمت أدواته في كل سلوكياتها وممارساتها داخلياً وخارجياً، يعني كانت أكثر دموية وعنفاً من أتباع المشروع الديني الأصولي.. فقد دمرت الشيوعية بلداناً أوربية عديدة، وانتهكت حرمات الناس، وسحقت عشرات ملايين البشر تحت أقدام جحافلها ومجنزرات دباباتها "المناضلة!!" في مدن وساحات بولندا وتشيكوسلوفاكيا (على سبيل المثال لا الحصر)، وحتى في روسيا زمن ستالين وما بعده، إضافة إلى ما ارتكبه صنمهم الأكبر "ماو تسي تونغ" من خلال ما سمي بثورته الزراعية التي كلّفت عشرات ملايين الضحايا، ثم سقط المشروع ذاتياً - قبل أن يسقط مؤامراتياً!! - نتيجة هيمنة أفكار عقدية طوباوية طوطمية خلاصية عليه، تقوم على الاصطفائية والانتقائية وإلغاء الأصالة القيمية الإنسانية.. يعني هو التسلط والعنف والقوة ذاتها، وهي الأيديولوجيات الخلاصية نفسها، بدين أو من دون دين..!!.

المقصد مما تقدم، أن من يريد أن يوجه سهام النقد إلى تجربة غيره الفكرية ويحتكر لنفسه الحقيقة، عليه قبل ذلك أن ينتقد ذاته وأفكاره (وطوطمياته) التي تحولت إلى دين قائم بذاته في مقابل دين الناس الحقيقي المرسل من خالق الوجود.. وعليه أيضاً أن ينظر إلى نفسه في المرآة فعسى ولعل يجد شيئاً فيها قد يمنعه عن استهداف الأديان بسبب أو بلا سبب..!!.

أتحدث بهذا الحديث، على الرغم من قناعتي الفكرية المنحازة دوماً لقيم الحوار والنقد والعقلانية العملية والتسامح الفكري والسياسي والعقائدي؛ وأن الحرية هي قيمة القيم، وهي خلاصنا في هذا العالم خصوصاً في عالمنا العربي والإسلامي، وأن الدولة المنشودة التي نأمل أن تتحرك في مجتمعاتنا العربية (كسبيل حقيقي للتغيير والتطور والازدهار) هي الدولة المدنية، دولة القانون والعدل والمؤسسات، الدولة غير المؤدلجة وغير المتحزّبة وغير المشخْصَنة، الدولة الخدماتية الحيادية تجاه الأديان والعقائد والثقافات.. الدولة التي تتحول إلى فضاء قانوني ودستوري معياري ضامن للحريات والمشاركة والحوار، يحمي كل من يستظل بظله، ليتحرك تحته (سلمياً وسياسياً) كل المختلِفين والمتعارضين والمتساجلين والمتنافسين أفكاراً وسياسات وأحزاباً، تحت سقف القانون والسلم الأهلي، والتعايش المجتمعي المدني التسامحي الحر.

والدولة المدنية الحيادية التي أشير إليها هنا ليست دولة العلمانية الفجة ولا دولة الأصولية المتعصبة، ولا تعني مطلقاً أنْ يُفصل الدين عن المجتمع (مع عدم القدرة على ذلك بالأصل)، لأن الدين (عموماً) هوية اجتماعية وثقافية أصيلة، متينة وراسخة في وعي الناس، وفي سلوكياتهم، وعاداتهم وتقاليدهم وتاريخهم وفي كل تعاملاتهم الذاتية والموضوعية.. كما أنَّ دعوة فصل الدين عن الدولة (بالمعنى العام التوجيهي كدين اجتماعي) هي مسألة معقدة عندنا للغاية وتحتاج لتدبيرات ومعالجات دقيقة خاصّة.. لأنَّ الإسلام دين امتزجَ بكلّ شيء في سياق حركة الفرد تشريعاً خاصاً وعاماً.. وباتَ جزءاً لا يتجزأ من الحياة الفكرية والاجتماعية وحتى السياسية للناس في مجالنا الديني والحضاري العربي والإسلامي. حيث الدعوة لإحقاق العدل والحق..

على هذا النحو، نحن مع عدم الخلط بين الدين والسياسة بمعناها الإجرائي الإداري التدبيري، ولذلك نرى أنه من الصعب تحقيق هذا الفصل الحاد، على الرغم من أن الاستمرار في الخلط بين الدين والسياسة، أضرّ بالدين وعرّضه للتلوث السياسي والتلاعب البشري، ولذلك ينتهي إلى أنَّ الإشكالية ليست في الارتباط أو الانفصال، وإنما الإشكالية الخطرة هي في "توظيف الدين لخدمة السياسة والسياسيين".. أو في الاستخدام الجائر له من قبل أصحاب العقلية النفعية الذرائعية.

نبيل علي صالح

 

إخترنا لكم من العدد