مجلة البلاد الإلكترونية

التجمع ينوّه ببدء رئيس الحكومة حسان دياب باستطلاع الوضع للتوجه شرقاً

العدد رقم 239 التاريخ: 2020-07-04

نحو ثقافة مقاومة

غسان عبد الله

نحو ثقافة مقاومة

كان المفروض أن يستثير التدخُّل الأمريكي والغربي على أرض الوطن العربي روح المقاومة، ويستفزّ كل القوى الوطنية، ويستنهض روح الإباء والشمم، ورفض الضيم، ويستحيي الشيم وراقد العزم، ويسعّر نار الحقد على المستعمر الطامع في ثرواتنا، والمبتغي ثقافتنا أن يحيّدها عن حياتنا، والقاصد الراصد إذلالنا وهواننا، وإعلاء العدو اللدود "إسرائيل"، وجعلها المهيمنة على المنطقة ومقدراتها.

لكن المفارقة أن الأنظمة بما قمعت وزرعت الخوف في القلوب، وبذرت بذور عدم الثقة، تحت شعار: الحيطان لها آذان، والجدران تنقل الهمس بين إنسان وإنسان، وغير ذلك من شعارات الجبن والفردية، كل هذه أضعفت المناعة وجهاز المقاومة في جسم الأمة، حتى إذا جاء المرض هدَّ الجسم، وأقعده الوهن، وقعدت به العلة.

وإلا فمن قال: إن آلاف الجنود الأمريكان يتجولون كالقطعان السائمة في عددٍ من دول المنطقة العربية ثم لا تندلع المقاومة؟! ما الذي حدث بالضبط للروح العربية والإرادة العربية؟ وكيف يمكن لحاكم إمارة أن يعلن عن اتفاقه مع العدوّ الصهيوني على فتح سفارةٍ للأخير في الإمارات؟.. ما الذي تشوه في صورتنا الداخلية؟ ما الذي انكسر في كياننا وتشظى وتهشم؟ وضرب الناس بعضها ببعض، وعدم التوحد على عقد اجتماعي، وروح وطنية، وولاء واحد، كل ذلك جعل العقد منفرطاً، والصف متصدعاً، والبنيان منتقضاً، وإرادة القتال غير منعقدة.

الوحدة وقود الثورة، فماذا جنت الأنظمة على روح الوحدة والتوحد؟ حب الوطن محرك الثورات ومشعلها وهو زيتها ووقودها، فما الذي حدث لهذا الحب في كل قلب؟ هل وصلت يد الأنظمة إلى هذا الحب في عمق القلب فأوهنته؟ هل أطفأت جذوته وأخمدت ناره؟.

يا أمتنا هذا الرصيد الشعوري هو رأسمال ضخم في مقارعة الاستعمار ومقاومة الاحتلال، فمن جنى على هذا الرصيد فقد جنى جناية كبرى لا تعادلها جناية. والروح الدينية المتوهجة المتأججة، واليقين بمعية الله ونصرِ الله، هذا أهم ما يديم أوار الثورات، ويرفدها بالأبطال، ويمدها بالشهداء والمضحين، فإذا تميَّعت هذه الروح، وحل محلها حب الدنيا، وتحللت الروح الإيمانية، واهتز اليقين، تمكن المستعمر، وأصبحت الأمة فريسة سهلة، ولقمة سائغة، وغنيمة باردة.

والعجب أن مع اشتداد الهجمة على أمتنا، وانتقاصنا من أطراف أوطاننا، في هذا الوقت بالذات تشتد الهجمة على مقومات أمتنا من روح وطنية وإرادة مقاومة.. وتلتقي إرادة الخارج لتطويعنا مع إرادة الداخل لتركيعنا، وما تجربتنا مع بعض الذين تآمروا مع الأمريكي إلا واحدة من إرادة التركيع وتطويع الإرادة، وإرهاب الداخل لينحني للخارج، على يد عملاء من الداخل، وها نحن اليوم أمام الكمّ الهائل من شبكات التجسس نجد أنفسنا أمام سؤال يطرح نفسه.. هل هذه ثقافتنا العربية وأصالتنا اللبنانية تحديداً؟... وهل فعلاً انعدمت تلك الروح التي تنبذ المتعامل مع العدو؟؟ وهل شُطبتْ كلُّ مفردات الممانعة من قاموس مفردات مثقفينا الذين باتوا يتناوبون على الشاشات العربية وغير العربية ليعلنوا إفلاسنا من قيمنا وحاجتنا إلى مفاهيم مستوردة تأتي إلينا على قياس طموحات الغرب الذي لن يكف عن ملاحقتنا حتى إلى بيوتنا ليكون هناك فردٌ مع وآخر ضد؟؟.. هل نجحوا إلى هذا الحد في جعلنا أدوات لِلَجم إرادتنا بأنفسنا؟؟ فليس أَقدر على لجم العربي من العربي، وقديماً قيل: إن الفؤوس لا تقطع الأشجار إلا إذا ركبت فيها أيد من نفس الأشجار!.

وأعتقد أن أول أولويات الإرادة القادمة بعيد دمار وقتل عدوان تموز والمستجلبة مع القوى الأجنبية الاستعمارية هو تطويع الداخل وترويعه، وقتل روح المقاومة فيه، وتغيير مناهج التعليم حتى لا يبقى تديُّن ولا روح وطنية. ومن مهمات المستجلبين الإمعان في تمزيق وحدة اللبنانيين.

وفي المقابل، ما هي مهماتنا؟ إني أعتقد أن أول أولوياتنا أن ننشر ثقافة المقاومة، وأن نبشر بروح المقاومة، وان ندعو لإحياء معاني المقاومة، بلا تعقيد ولا فلسفة، فالأمر أجلى من الفلسفة، والعدو أوضح من أن يحتاج في التعبئة ضده إلى تعقيد وتنظيم.. ولكن لا بد من فكر.. ولا بد من استنهاض روح وهمة وعزم.. وإذكاء إيمان...

أدبيات مطالع القرن العشرين نموذج مثالي للأدب المقاوم. وهو ما لم يتكرر من أسف، فحتى الأدب الذي كان حادي الثورات ومسجل نبضها، والمعبر عن ضميرها، تراجع ليحل محله غثاء وغثاثات. كل حياتنا تحتاج إلى تغيير لنواكب مرحلة، المهدد فيها المصير.. وإلا فإن الندم كبير، والخسارة فادحة، والمراد بنا فوق ما نتوقع. ﴿فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك، وحرّض المؤمنين، عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا، والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً﴾.

غسان عبد الله

 

 

 

إخترنا لكم من العدد