مجلة البلاد الإلكترونية

التجمع ينوّه ببدء رئيس الحكومة حسان دياب باستطلاع الوضع للتوجه شرقاً

العدد رقم 239 التاريخ: 2020-07-04

التّراثُ الإسلامي بينَ الشّعبويّة والنّخبويّة مقاربةٌ في معنى التّراث وقيمته وفعاليته المعاصرة

التّراثُ الإسلامي بينَ الشّعبويّة والنّخبويّة

مقاربةٌ في معنى التّراث وقيمته وفعاليته المعاصرة

في موضوعةِ التّراث الدّيني، نواجه ثلاثة مسائل أو قضايا فكرية معرفية أساسية، الأولى: معنى هذا التراث (من حيث هو نتاج إلهي وبشري)، والثانية: طبيعة النظرة إليه والانطباعات الفكرية عنه، والثالثة: مدى صلاحيته في مدى الأزمان والأيام وقدرته على استيعاب تطورات العصر والحياة البشرية.

في المسألة الأولى- تعريف التراث ومعناه القيمي:

هناكَ تعاريفٌ عديدة لمفهوم "التّراث"، بمعنى أنَّه لا يوجدُ له تعريفٌ جامعٌ مانعٌ، لكن بالإجمال العام يمكنُ القول بأنَّ التّراثَ الدّيني (الإسلامي) هو مجموعة الأفكار والنصوص والخطابات والرّؤى الاعتقادية التي جاء بها الإسلام من حيث أنه رسالةٌ إلهية ودينٌ خاتم لهداية البشر إلى الحقّ والاستقامة ودعوتهم للتمسك بالفضائل الأخلاقية؛ وهو تراث مقسوم – في نظر المُسلمين - إلى قسمين:

- الأول: تراثٌ مقدّس ومعصوم (ثابت)، يضمُّ نصوصَ القرآن الكريم وسُنّة الرّسول الكريم محمد(ص) والأئمة الأطهار(ع)، ومجمل المبادئ الكلية والأصول العامة المتعلقة بتلك النصوص والممثّلة للدين الإسلامي.

- والثاني: تراثٌ غير مقدّس وغير معصوم (متغيّر)، ويضمُّ بين دفتيه كلَّ ما أنتجهُ وقدّمَه علماء ومفكرو وفقهاء الدين الإسلامي من أفكار وشروحات وأقوال وتأويلات لنصوص الدين المقدسة تتعلق بالمعاملات والحدود والأحكام المتغيرة التي تدور وتتحرك في الزمان والمكان (مستجدات وتطورات)، في كل ما يتصل بحركة الإنسان في الواقع في علاقاته وتدبيراته وشؤونه ومعاملاته وفعالياته المتنوعة.. والأصل فيها الحرية والإباحة إلا ما ألحق منها ضرراً بالنفس وبالآخر.. وهي كلها تأتي لتحقق هدفاً أساسياً هو خدمة مسيرة الإنسان المُسلم في حياته الخاصّة والعامة على طريق تحقيقه لتكامله الرّوحي والمادي..

إذاً التراثُ الديني الإسلامي –بشقيه المقدس وغير المقدس- هو مجموعة الاعتقادات الفكرية الدينية التي يؤمن بها ويتبنّاها ويلتزم بها الفرد المسلم والتي تصل إلى درجة التقديس والولاء المطلق لهذا الدين الخالد ولنصوصه القرآنية والحديثية، وللقيم السلوكية المنبثقة كأحكام وتشريعات.. وهذه الاعتقادات الدينية تدفع المسلم دوماً لتبني خيارات سلوكية وطرائق عمل حياتية تنظيمية تعكس قناعته بتلك الرؤى والبنى المرجعية الدينية..

في المسألة الثانية - طبيعة النظرة إلى التراث:

تختلف النظرة الفكرية والمعرفية لنصوص التراث الإسلامي ولقيمه وتشريعاته ومختلف خطاباته المنتَجة.. فهناك أولاً النظرة المقدسة التي تنظر إلى كل ما ورد في هذا التراث – من نصوص وأحكام وكلاميات - نظرة قدسية متعالية، ترفض نقده ومساءلته، وتنكر على المفكرين أية محاولة لتفكيكه والتجديد في مختلف أحكامه ومتبنّياته، فهو تراث مقدس لا تدور عليه متغيرات الزمان والمكان، لا بنصه ولا بكل ما يتفرع عنه من ثقافات وانتماءات وخطوط وتقاليد وعادات ونظم ومعاني فكرية وغير فكرية.. وتصل هذه النظرة التقديسية للتراث إلى حدود التعصب الأعمى المطلق له واعتباره هوية ثابتة مغلقة، رافضة لآخر ولمجمل أفكار وهويات الآخرين، بما جعل هذا الإيمان الخلاصي مدخلاً وبوابة ومقدمة لاندلاع كثير من الصراعات التاريخية الدموية، ونشوء كثير من الأزمات العربية/ العربية اللاحقة في الداخل والخارج.

وهناك أيضاً النظرة الأخرى المقابلة للنظرة التقديسيّة للتراث، وهي النظرة العلمانية المتطرفة التي تعتبر أن التراث كله بقده وقديده، غير قابل للتجدد ويجب تحاوزه بكل ما فيه، وتركه والانتقال إلى واقع الحداثة الغربية ونقلها إلى واقعنا دونما وعي ومساءلة وتكييف.. وقد أفضت هذه النظرة الإقصائية التي تنتقص من شأن التراث وتتعالى على قيمه وقيمة أهله، والرافضة لما جاء به من معارف وأفكار ورؤى ونظرات، إلى تكريس النظرة الأحادية فكراً وسياسة عملية، ودفع عموم الجماهير المسلمة إلى رفض الانخراط في مشاريع النهضة العلمانية، والنظر إليها كمشاريع غربية مريبة ومشبوهة تزدري التراث وتنتقص من قيمه وقيمته، ويجب بالتالي مواجهتها وإسقاطها.

وهناك أيضاً – إضافة إلى النظرتين المتطرفتين السابقتين - نظرة ثالثة، هي الطريق الوسطية أو المعتدلة.. وهي تقوم على أهمية التراث الإسلامي بنوعيه الثابت والمتغير، وعلى ضرورة وعي التراث من داخله دونما ترك للعصر وأسبابه ومسبباته وعناصر القوة فيه.. وتعتبر تلك النظرة أن هذا التراث الإسلامي المتغير ليس مقدساً إطلاقاً، لأنه قراءة من جملة قراءات متعددة ومتنوعة وعديدة للدين كنص مقدس، واجتهاد وتفسير من جملة اجتهادات وتفسيرات للنصوص الدينية الحمّالة لأوجه مختلفة.. والقراءات للفكر الديني متنوعة ومتعددة بتعدد أصحابها وتنوع قنواتها والبيئة العاملة فيها والمتأثرة بها سلباً أم إيجاباً، لأنها مرتبطة - في العمق الفكري والروحي - بثقافة الإنسان نفسه في وعيه ومداركه، وظروفه وخصوصيات مجتمعه الذي يعيش فيه، ويمارس حياته من خلاله.. أي أن هذه الأحكام التي تصدر من هذا الفقيه القارئ أو ذاك هي لا شك متحركة ومتغيرة بحسب العادات والتقاليد والأعراف والزمان والمكان والثقافة السائدة وغيرها من الارتباطات المحدودة.. بالتالي يكونُ الخطاب الديني الذي نشأ في ظروف سابقة، محتاجاً للتجدد وللنفخ فيه بقيم العصر الجديد، بمعنى أنه يحتاج للتجديد بمحددات ثقافتنا ومفاتيحنا المعرفية العصرية دونما إقصاء لعمقه وروحه الجوهرية، فالتجديد في عصور الانحطاط غالباً ما يأتي بتجديد يعكس الحالة الثقافية للمجتمع، وما نحن فيه الآن من لحظة اضمحلال معرفي سيؤدي إلى تجديد يشبهنا، فالخطاب المتخلّف في فهم الدين – مثلما هو سائد في كثير من بلداننا - هو انعكاس وتجلّ عملي لواقع مجتمعات (يعيش فيها مفكرون ورجال دين) هي أقرب إلى التخلف منه إلى روح العصر.

في المسألة الثالثة- مدى صلاحية التراث للعيش والامتداد:

كثيرة هي الأسئلة الفكرية وغير الفكرية التي تطرح في موضوع التراث والعصر، والتأثير المتبادل بينهما، ومدى قابلية هذا التراث الإسلامي للعيش والاستمرار في مدى الزمان كله، بما يحمله (هذا الزمان) من تطورات ومتغيرات تنعكس (إيجاباً أو سلباً) على حياة البشر في وعيهم وسلوكياتهم وعلاقاتهم وتعاملاتهم الخاصة والعامة..

المسألة هي أنّ تراثاً دينياً قيمياً ومفاهيمياً نشأ وظهر في وقت سابق، ضمن بيئة اجتماعية غير معقدة وغير مركبة، كانت لها حاجات وآفاق محدودة والتزامات بسيطة، ما زال يعيش إلى يومنا هذا، وبعد مضي أكثر من 14 قرناً زمنياً، دونما تجدد كبير وعميق وبنيوي.. بل استمر الشكل التقليدي من "الاجتهاد" السطحي والتأويل المحافظ والجامد للظواهر التراثية، بمعنى أنه استمرت أنماط فهم التراث الديني منذ زمن طويل، دونما أية مراجعة نقدية حقيقية تعلي من شأن العقل والعقلانية، بل تواصلت فعاليات استعادة التراث الديني بطرق وآليات ومناهج عتيقة، مغفلةً كل تطورات الحياة والعصر، وكل مقتضيات التحول الجارية في مجتمعات المسلمين ومجتمعات العالم.. هذا كله خلق بوناً شاسعاً وفجوة عميقة بين قناعة المسلم وإيمانه وأنسجته التاريخية من جهة وبين الواقع المتطور والمتغير من جهة أخرى تجلى على الأرض في الثبات على الأحوال ورفض الجديد وعدم الانخراط الجدي العميق في طرق الحداثة والتحديث.. مع أن الإسلام (مرجعية التراث الكبرى) هو دينٌ عقلاني. والعقل هو القاسم المشترك الأعظم بين البشر على اختلاف عقائدهم ومذاهبهم. وإن إبراز الجانب العقلي في الإسلام هو العامل الأكبر والفعّال لفتح أبواب النهضة.

من هنا نقول بأنه علينا في ظروف ومناخات التحدي الراهنة، أن لا نبقى نلف وندور حول معطيات ومفردات الثقافة القديمة (حمولات التراث القديمة والنظرات الجامدة له)، وأن لا نلغي الهوية ولا القيم التي تنتجها وتتمخض عنها، بل أن نتعاطى بعقل ووعي وحكمة وتوازن معها، وأن نخرج أفضل وأهم ما يختزنه تراثنا وذاتنا الثقافية الإسلامية.. أي أن نؤسس لثقافة إسلامية أصلية جديدة منفتحة غير جامدة، تخوض غمار مواجهة الواقع الفكري والسياسي الاستبدادي القائم، وأنظمته المغلقة التي تعمل على إفساد وهدم الثقافة نفسها من خلال عملها على أن لا يكون للثقافة سلطة على الإطلاق، في مقابل سلطة الأنظمة نفسها التي أسسها على العصبية والقبلية والعشائرية ومن خلال ذلك يمكن أن نخوض أجواء "التحدي ورد التحدي" ونواجه سلبيات المرحلة الراهنة بإنتاج ثقافة خاصة تعتبر الإسلام مصدرها الأول، والعصر –بتحدياته وتنوعاته– مصدرها الثاني. فهل نجرؤ على مواجهة ذاتنا كشرط مسبق لمواجهة تحديات العولمة والهويات الثقافية في عمق مجتمعات الثورة المعلوماتية؟!.

في اعتقادي نعم نستطيع، لأنه لا نهضة من دون مساءلة وحوار مع التراث كما ذكرنا، لأن غاية تحقيق نهضة المجتمعات الإسلامية لا يمكن أن تتحرك مفاعيلها الصحيحة من دون العمل على وعي التراث الإسلامي (الذي يؤمن به المسلمون ويعتبرونه هادياً وإشعاعاً لهم على طول الخط) من داخل بنيته الحقيقية، وإعادة النظر فيه، وصياغته بصورة تناسب منطق التطور، ودينامية الإبداع البشري فيه. وجوهر الأمر يتركز حول قيمة "الحرية" ذاتها.

وهنا بالذات علينا جميعاً – كنخب واعية ومفكرة – ألا نهرب من تحمل مسؤولياتنا التاريخية الحاضرة والمستقبلية، وننكص إلى الوراء لنتّهم العقل الإسلامي هنا (والعقل العربي هناك) بالاستقالة والعجز.

طبعاً نحن لسنا ضد أن ممارسة عملية النقد، بل إننا ندعو بقوة إلى اتِّباع هذا السبيل القويم (سبيل النقد الموضوعي) ونعتبره شرطاً حاسماً لإنتاج حراك إسلامي فعال يلائم حاجات إنساننا في هذا العصر.. ولكن الاستغراق في نقد الآباء والأجداد، وتحميلهم المسؤولية الكاملة عما يجري حالياً من انقسام وتخلف وتفتح سياسي واجتماعي.. الخ، لا يمكن إلا أن نعتبره – كما قلت – هروباً من تحمل مسؤولية النقد ذاتها.

ونشير هنا، طالما أننا نتحدث عن التراث، وأهميته للنهضة، إلى أنّ كثيراً من المشاريع النهضوية التي اشتغل عليها وأنتجها مفكرون عرب (حداثيون وعلمانيون!) في محاولتهم الإجابة على إشكالية التخلف العربي والتقدم الغربي، كانت مقصّرة في إدراك أهمية هذا التراث الديني الإسلامي، وتلك الخلفية التاريخية والبنية الثقافية المهيمنة المترسّخة في وعي (ولا وعي) أفراد مجتمعاتنا العربية والإسلامية.. وتقصيرُهم هذا دفعهم لاعتبار تلك الخلفية الدينية البنيوية، مجرد حالة مؤقتة ستزولُ بمجرد فرض التحديث الفوقي القسري، فذهبت تحديثاتهم (القشرية) أدراج رياح الفساد.

من هنا، لا بد أن ندرك مجدداً أنّ أيَّ مشروع للنهضة والتقدم المنشود في مجالنا العربي، يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الفكري والعملي الحقيقي، خصوصيات التاريخ والحالة النفسية ومشاعر الناس، حيث تتمركز هناك بنى لا واعية مؤثرة للغاية، وحاضرة بقوة، ووعيها وعياً حقيقياً شرط أساسي للإصلاح والنهضة، لن يثنيه عن التأثير والحضور، ولن يوقفه عن العمل والاشتغال حتى باللا وعي، صرخات من هنا وهناك، تحرض عليه، وترفع في وجهه فتاوى التكفير (العلمانية!!) القائمة على أنه مجرد حالة تخلف وموروث قديم وانحطاط ثقافي تاريخي وووالخ.

هذا لا يعني بالمطلق العودة للوراء وتحكّم الماضي بالحاضر، بل هو تأكيد على أهميّة الذاكرة في صناعة الوعي، وأهميّة العمق التاريخيّ في بناء الذاكرة (كما كان يقول المفكر هشام جعيّط) الذي ركّز على أهمية الثقافة التاريخية، وأكد على إيلاء الموروث الثقافيّ دَوراً مركزيّاً ضمن قطار التقدّم الحضاريّ.. جاعلاً التقدّم العلميّ والإضافة في المجال التكنولوجيّ، والإبداع في الأدب والعلوم الإنسانيّة والفنون، القاطرةَ الحقيقيّة للمشروع الحضاريّ العربيّ.

إننا نعتقد أنّ السياسات الرسمية العربية ليس لها مصلحة (ولم يكن لها أي مصلحة في الماضي) في بث روح الفكر المنفتح والحر والحواري، وثقافة التسامح والتآخي والمبادئ الإنسانية، وغيرها من معايير البناء المجتمعي المدني الخلاق والمبدع بين صفوف أبناء مجتمعاتها.. حيث أن ذلك كله يحتاج لبيئة عدل مؤاتية، يحتاج لمساواة وحقوق ومشاركة حقيقية. بالعكس، كثير منهم يتمنى أن يبقى التعصب سائداً والتكفير معمّماً (لكن: تحت السيطرة!!) لزوم البقاء والهيمنة ومنع أي تغيير في الذهنية والعقلية، وعدم المضي قدماً في تحقيق مطالب الناس وحاجاتها في بناء دول عربية مدنية حرة تعددية وتداولية..!!.

نبيل علي صالح

إخترنا لكم من العدد