مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين: يتوجه للبنانيين بالتهنئة بالذكرى السنوية للقادة الشهداء مستذكراً جهادهم الذي كان سبباً في تحرير لبنان من رجس الاحتلال الصهيوني

العدد رقم 272 التاريخ: 2021-02-20

قانون قيصر وضرورة إعادة بناء النظام الإقليمي العربي

توفيق المديني

قانون قيصر وضرورة إعادة بناء النظام الإقليمي العربي

تريد الولايات المتحدة من استخدام سلاح العقوبات الاقتصادية المنصوص عليها في قانون قيصر أن تنقلَ الصراع، من مستوى الحرب العسكرية والديبلوماسية، إلى مستوى الحرب الاقتصادية، من أجل تغيير سلوك النظام السوري وتوجهاته حسب قولها.

وذلك من خلال ضرب مفاصل اقتصاد الدولة الوطنية السورية، عبر استهداف المرتكزات والموارد المالية لها، ولا سيما  البنك المركزي السوري، وكذلك الكيانات والشبكات المرتبطة به، ووضع قيود على عمليات التبادل الاقتصادي والتجاري بين الحكومة السورية وحلفائها وداعميها الإقليميين والدوليين، (إيران وروسيا)عبر استهداف طرق إمدادها بالأموال والمعدّات، كل هذه الإجراءات العقابية، تستهدف في جوهرها، وفق الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، ممارسة مزيد من الضغط على نظام الرئيس بشار الأسد، لمنع تسويق انتصاره العسكري في سورية، وإجباره للبحث عن تسوية سياسية مع المعارضة السورية المرتمية في أحضان أمريكا وتركيا والمملكة السعودية، وقبوله الشروط الأمريكية - الإسرائيلية، وفي القلب منها تصفية الصراع العربي - الصهيوني، وبالتالي دفن القضية الفلسطينية.

سعر صرف الدولار كوسيلة للنهب والسرقة

نعيش اليوم في عالم إمبراطوري. إنها امبراطورية واحدة وتدعى "باكس أمريكانا"، أو "تسوية واشنطن"، تتربع الولايات المتحدة الأمريكية على رأسها. وقد تشكلت هذه الإمبراطورية تدريجيًا. فقد كانت واشنطن قد أعلنت منذ القرن التاسع عشر عما عرف "بمبدأ مونرو" وجوهره بسيط للغاية: إنّ أمريكا (مجمل نصف الكرة الغربي) هي للأمريكيين. بالطبع، المقصود هو أنّ القارة الأمريكية ليست للهنود الحمر ولا للمكسيكيين "التتشيكانو"، وإنّما لرأس المال الأمريكي الشمالي الذي انطلق يبحث قائلاً: إنّ العولمة هي عملية تقدم المصالح الأمريكية في جميع أنحاء العالم.

تقوم أمريكا باستخدام الدولار في التسويات والتعاملات المالية مع معظم بلدان العالم، ويحتل الدولار موقعًا احتكارياً في السوق العالمية للعملة الصعبة. إنَّ ميزة إصدار عملة وطنية تقوم في الوقت عينه بوظيفة أداة في التعاملات والحسابات الدولية، تمنح الْبَلَد الْمُصْدِر (الولايات المتحدة الأمريكية هنا) فرصة لتسديد ثمن السلع والخدمات التي تحصل عليها من البلدان الأخرى "بمنتوج آلة النسخ أو الطباعة" الأمريكية، الوحيدة في كل العالم التي تمتلك الحق المطلق على طباعة الدولارات من دون أن يكون لها أي تغطية.

إنَّ استخدام الدولارات الأمريكية غير المدعومة بأي شيء، هو بكل بساطة نهب حقيقي تمارسه أمريكا بحق البلدان الأخرى التي تدخل بصفة "ولايات أو أقاليم" في تركيبة "باكس أمريكانا". وما هذه الدولارات سوى ورقة التين التي تحجب تلك اللوحة الصريحة  لعملية النهب البشعة. وبمقابل ذلك نجد أنَّ البلدان الأخرى، ومن أجل شراء منتجات وخدمات، من الغرب (أمريكا وأوروبا)، تكون مضطرة لتأمين العملة الصعبة من دولارات أمريكية، ويورو، وذلك عن طريق بيع مواردها الطبيعية أو سلعاً أخرى في السوق العالمية مسبقًا (وبأسعار رخيصة عادة).

وكانت أمريكا ولا تزال تعاقب بقسوة أولئك الذين يحاولون التخلي عن نعيم "النقد الأجنبي بالدولار" كوسيلة في التعاملات والتسويات، وكأداة لمراكمة الاحتياطي بالعملة الصعبة. فحين أعلن صدام حسين أنه سوف يتوقف عن بيع النفط بالدولار الأمريكي، وأنَّه سوف ينتقل لتسعيره باليورو، فما كان من واشنطن إلا أنْ أعلنتْ الحرب لإسقاط نظامه، بل وقامت بإعدامه ليكون مثالاً وتحذيرًا للرؤساء والملوك ورؤساء الحكومات الأخرى.

ولما أعلنت الصين أنًها لن تقوم لاحقًا لمراكمة الدولارات في احتياطها من العملة الأجنبية، وإذا بواشنطن تهدّد بأنها سوف تفرض رسومًا جمركية وغراماتٍ على البضائع والسلع المستوردة من الصين، كما تقوم بدعم الانفصاليين من التيبت، وتفعّل وتقوّي علاقاتها مع تايوان.

في واقع سورية كانت قوة العقوبات الاقتصادية التي فرضها الغرب(أمريكا والاتحاد الأوروبي) على الحكومة السورية وحلفائها وداعميها، الدوليين والإقليميين(روسيا وإيران)، إضافة إلى تفعيل "قانون قيصر" (الذي دخل حيز التطبيق يوم، 17 يونيو/ حزيران الجاري) كافية لتدمير الليرة السورية التي شهدت تراجعاً حادّاً في قيمتها مقابل الدولار الأميركي، علاوة عن حجم خسائر الاقتصاد السوري 540 مليار دولار، مع 40% نسبة دمار في البنية التحتية، كما بلغت نسبة البطالة 42.3%، وبالنسبة إلى الدَين العام فقد بلغ 208% نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي.

إضافة إلى ذلك الانهيار الحالي في سعر الصرف ما هو إلا حلقة في سلسلة بدأت مع أزمة المصارف اللبنانية، والتي قيّدت حجم السحب من القطع الأجنبي لزبائنها، ومنهم السوريون الذين تبلغ ودائعهم في المصارف اللبنانية 45 مليار دولار، ما دفع إلى زيادة الطلب داخل السوق السوري لتمويل الاستيراد، وبالتالي ارتفاع سعر صرف الدولار في سورية كونه أصبح سلعةً تخضع لقانون السوق، بعيداً عن المؤشرات الاقتصادية.

وبشكل عام، فإنَّ البنوك المركزية في البلدان الهامشية في النظام الرأسمالي العالمي، تقوم بشراء محموم للدولار، ما يؤدي بدوره إلى ارتفاع في سعر الدولار مقابل العملة الوطنية، إذ تعمل البنوك المركزية في بلدان محيط الرأسمالية العالمية، في حقيقة الأمر ضد مصالح بلدانها وتقوم بخدمة مصالح بلدان العالم الغربي، ويمكن أن نطلق عليها من دون مبالغة، اسم "فروع للبنك الاحتياطي الفدرالي للولايات المتحدة".

وقد أشار أمين عام "حزب الله" سماحة السيد حسن نصر الله في خطابه الأخير إلى هذا الموضوع، حين قال: "إن الطلب على الدولار سببه كثرة الطلب وقلة العرض"، متهماً الإدارة الأمريكية بمنع إرسال الدولار إلى لبنان وممارسة ضغوط عبر سفيرتها في بيروت، دوروثي شيه، على البنك المركزي لعدم ضخّ الدولار في السوق، بزعم أنّ هذه العملة يرسلها الحزب إلى سورية.

ودعا نصر الله الأجهزة الأمنية إلى التحقيق مع الجهات التي جمعت الدولار وأخرجته من البلاد، مشيراً إلى أن أحد المصارف قام بشراء عشرات الملايين من الدولارات وأخرجها من لبنان، وهو محميّ من قوى سياسية. كما ادّعى وجود تقارير تحدثت عن إخراج البنوك لمبلغ يصل إلى عشرين مليار دولار عام 2019 من لبنان إلى الخارج، قائلاً إنها "موجودة بمحاضر رسمية، وهذه العمليات هناك من يديرها من أجل خفض سعر العملة الوطنية وإحداث غلاء فاحش ما يؤدي بالبلد إلى الانهيار".

هل تستطيع سورية وإيران قيادة النظام الإقليمي؟

على مَرِّ العقودِ الخمسةِ الأخيرةِ، استطاعت القيادة السورية سواء في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد أو في ظل الرئيس الحالي بشار الأسد أن تحافظ على استقلالية الدولة الوطنية السورية، وأن تتحرَّر من نظام الحكومة العالمية الأمريكية، ونظام الرق العالمي، المتمثل في صندوق النقد الدولي نفسه الذي يُعَدُّ وزارة مالية تعمل على الصعيد الكوني، إذ إنَّ مهمتها تكمن في فتح الأسواق الوطنية أمام الاستثمارات الأجنبية والنهب من قبل البلدان الغربية الغنية. وفرض صندوق النقد الدولي في كل مكان من عالم الجنوب برامج "الإصلاح الهيكلي" أيضاً، وعلاوة على ذلك عمد إلى القضاء على كل القيود التي تعيق حرية تنقل السلع، والخدمات، ورؤوس الأموال.

وقد لجأت الولايات المتحدة في سبيل تطبيق استراتيجية الهيمنة على كامل المنطقة إلى تفكيك الدول الوطنية العربية، ذلك أنَّ مفهوم السيادة الوطنية قد شاخ اليوم، وأصبح باليًا، حسب رأي المرابين الدوليين، ومن الضروري، في سبيل تسريع "تفكيك " الدول الوطنية، أن يتم "تفكيك" الثقافات الوطنية والقومية والمؤسسات الوطنية التي تنادي بمقاومة الإمبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني. وقد نجحت أمريكا جزئيًا في كل من العراق وليبيا والسودان، لَكِنَّ هناك دول وطنية أخرى لا تزال تقاوم مشاريع الهيمنة، وإنْ كانت العقوبات الاقتصادية الدولية أنهكتها، كما هوا لحال سورية وإيران.

وهكذا، ومنذ بداية "الربيع العربي "في سنة 2011، أصبح "الشرق الأوسط الكبير" - وهي منطقة غير واضحة المعالم، تمتدّ من أفغانستان إلى المغرب مروراً بالقرن الإفريقيّ - المنطقة الأساسيّة لانتشار الحركات الإرهابية، وحلبة المواجهة الأساسيّة، لا بل حتى الوحيدة، بين القوى الإقليمية والدولية لما يصفه المحللون بالصراع العالميّ، على إقليم الشرق الأوسط. ونظراً لتعقيدات الأزمة السورية، وتفجر الصراع الطائفي في العراق، وصولاً إلى الأزمة اليمنية، وغِنَى منطقة الشرق الأوسط بمصادرها النفطيّة، وموقعها الاستراتيجيّ ووجود إسرائيل، احتلت هذه المنطقة أولويّات الاستراتيجية الكونية للولايات المتحدة، لا سيما منذ العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 والضمور التدريجيّ لنفوذ فرنسا والمملكة المتّحدة.

ومع ذلك، فإنَّ إعادة بناء نظام إقليمي جديد بين الدول الآتي ذكرهم، سورية والعراق ولبنان، وإيران، أصبح يشكل ضرورة إقليمية ودولية محورية، لتحقيق الأمور التالية:

أولاً: التحرُّر من سيطرة الدولار في المعاملات التجارية والاقتصادية بين الدول، وتخطي قانون قيصر الأمريكي عبر نظام حل قضايا التبادل أي تداول السلع أو الخدمات (أو الإثنين معاً) في السوق أو المنطقة الجغرافية المعينة، من خلال نظام المقايضة: وهو تداول (تبادل) سلع وخدمات بأخرى يتماثلان في القيمة وإن اختلفا في طريقة الاستعمال (المنافع) وبما يحقق فائض للطرفين.

ثانيًا: إعادة رسم المشهد الجيو/استراتيجي في الشرق الاوسط على المدى المنظور، إن على المستوى الداخلي في هذا البلد او ذاك، أو على مستوى العلاقات العابرة لـ "حدود سايكس - بيكو" التي تزداد هشاشة يوماً بعد يوم. وباتت إيران قوة إقليمية معترف بها من قبل العالم، من دون أن يعني ذلك أنَّ إيران أصبحت قادرة أن تقود النظام الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط بمفردها. فإذا أرادت إيران أن تلعب دور القائد في النظام الإقليمي الجديد قيد التشكل في الشرق الأوسط، فإنَّ هذا يتطلب منها أن تمتلك مجموعة من المقومات لكي تقوم بهذا الأداء، ويكون مقبولاً إقليمياً ودولياً.

والواقع أن النظام الإقليمي العربي، كان فاعلاً ومتصادماً إلى هذا الحد أو ذاك مع الإمبريالية الغربية والعدو الصهيوني، ومشاركاً في التفاعلات العالمية بدرجات متفاوتة، لجهة المواجهة، وتحسين شروط العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية. ولم يكن أسيراً، أو موضوعاً لتفاعلات وانعكاسات النظام العالمي، إلا حين ارتبط بنيوياً سياسياً، واقتصادياً، واستراتيجياً، مع النظام الرأسمالي العالمي، وسيطر خط التسوية الاستسلامي على صعيد السياسة الرسمية العربية.

في حقيقة الأمور، تبدلت الخريطة السياسية للعالم العربي تبدلاً جذرياً، بعد هزيمة المشروع القومي العربي التحرري، ووصول النظام الإقليمي العربي إلى قاع البئر، وبعد أن اجتازت الأنظمة الرجعية العربية أزمة الملحمة القومية العربية الناصرية والبعثية، والجذرية اليسارية الماركسية، وبعد أن تم إلغاء التمييز بين اليسار واليمين على صعيد الوطنية العربية، لجهة الانزلاق السياسي العام باتجاه اليمين العربي المحافظ والرجعي.

إِنَّ عَوَامِلَ الْاِنْحِدَارِ لِلنِّظَامِ الْإِقْلِيمِيِّ الْعَرَبِيِّ وَالتَّغَيُّرَاتِ الْخَطِيرَةِ الَّتِي حَصَلَتْ فِي ظِلِّ تَرَاجُعَاتِ الْحَرَكَةِ الْقَوْمِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ، تَمَثَّلَتْ فِي سَيْطَرَةِ مَفَاهِيمَ النَّقَائِضِ الإيديولوجيةِ، لِلْوَحْدَةِ، وَالْاِشْتِرَاكِيَّةِ، وَالتَّحْرِيرِ، الَّتِي كَانَتْ تَشَكُّلُ الطَّاقَة الثَّوْرِيَّة لِلْخِطَابِ الْقَوْمِيِّ فِي حَرْبِ أُكْتُوبرِ الْمَجِيدَةِ، لِكَيْ تُهَيْمِنَ إيديولوجية الْإِرْهَابِ وَالتَّكْفيرِ، وَالصِّرَاعَاتِ الْمَذْهَبِيَّةِ وَ الطَّائِفِيَّةِ، الَّتِي تَسْتَهْدِفُ تَمْزيقَ الدُّوَلِ الْوَطَنِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَتَقْسِيمَهَا مذهبيًا وعرقيًا، وبالتالي تَحْقِيقَ التَّصْفِيَةِ الْكَامِلَةِ لِلْقَضِيَّةِ الْفِلَسْطِينِيَّةِ، فِي زَمَنٍ مَا بَاتَ يُعْرَفُ فِي الْخِطَابِ الرَّسْمِيِّ الْأَمْرِيكِيِّ بـ "صَفْقَةَ الْقَرْنِ".

خاتمة

على العرب أن يعترفوا بخطورة المشروع الأمريكي - الصهيوني في المنطقة وأهدافه التي تتكشف كل يوم من تفكيك دول المنطقة وعزلها وتقسيمها، وضم الضفة الغربية. ومنذ هزيمة المشروع القومي التحرري، انكفأت الدول العربية كل منها على ذاتها، وظهرت تيارات انعزالية تسيطر على تفكيرها، بحيث التفتت كل دولة لذاتها، وأسهم في ذلك ما يسمى بالعولمة التي ترمي في مصالح المخطط الأميركي -الصهيوني، أبرزها المصالحة مع الكيان الصهيوني، بحيث تحول التطبيع إلى أنَّ بعض الدول العربية أصبحت تابعة لإسرائيل.

وَمَسْأَلَةٌ مِنْطَقِيَّةٌ عَنْدَمَا تَغِيبُ الْمُوَحِّدَاتُ الاستراتيجيةُ الْكُبْرَى: التَّحْرِيرُ وَالْوَحْدَةُ وَالصِّرَاعُ مَعَ إسرائيل، وتنمية المصالح العربية المشتركة، والدول العربية الكبرى الفاعلة التي تمتلك استراتيجية سياسية مشتركة لوظيفة المنطقة ولدورها (مصر، سورية، والعراق)، بِوَصْفِهَا الْمُحَرِّكَ الْأَسَاسَ الَّذِي يَدْفَعُ النِّظَامُ الْإِقْلِيمِيُّ الْعَرَبِيُّ نَحْوَ تَحْقِيقِ أَهْدَافِهِ..

فِي غِيَابِ هَذِهِ الْمُوَحَّدَاتِ كُلَّهَا لَمْ يَعُدْ النِّظَامُ الْعَرَبِيُّ يَمْتَلِكُ مَشْرُوعًا يُدَافِعُ عَنِ الْمُصَالِحِ الْعَرَبِيَّةِ الْعُلْيَا، وَمُقْتَضَيَاتِ الْأَمْنِ الْقَوْمِيِّ الْعَرَبِيِّ، وَرَفَضِ تَقْديمِ التَّنَازُلَاتِ الْمُتَوَالِيَةِ لإسرائيل.

توفيق المديني

إخترنا لكم من العدد