مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين: يتوجه للبنانيين بالتهنئة بالذكرى السنوية للقادة الشهداء مستذكراً جهادهم الذي كان سبباً في تحرير لبنان من رجس الاحتلال الصهيوني

العدد رقم 272 التاريخ: 2021-02-20

سنتظاهرُ بأننا نتظاهر

غسان عبد الله

آخر الكلام

سنتظاهرُ بأننا نتظاهر

أردتُ فقط أن أكتبَ عبارةً تبدو حكيمة مع أنها لا تعني شيئاً، الأمر لا علاقة له بمن يقرأ، إنه يعنيني فقط فأنا أحب إيهام نفسي بالحكمة بين الحين والآخر.. وبالمناسبة فهذا كلامٌ سبق أن قلته، وهذا يعني أنني لست حكيماً بما يكفي، أنا فقط أعيد تدوير الكلمات لتبدو لي وكأنها تقال للمرة الأولى، وهذا يساعد أوهامي في الاستمرار دون عقبات!.

والحكمة كلمةٌ بالغةُ الخطورةِ لأنها أحد مشتقات الفعل "حكم"، ومشتقات هذا الفعل أكثر قابلية للاشتعال من مشتقات البترول!. وللتوّ ألاحظ أن الحُكم، والحِكمة كلمتان تنتميان لنفس العائلة إلا أن قطيعة رحم تسيطر على علاقتيهما، لا يتلقيان كثيراً ومن الصعب وجود إحداهما في نفس المكان الذي تتواجد فيها الأخرى!. ولشديد الأسف فإنه لا يبدو أنه هنالك أية مساع لتقريب وجهات النظر بينهما، وكثيرون سعداء بهذا الشقاق العائلي!.

ثمة تحذير مكتوب على سقف وطن: "المواطن مادة قابلة للاشتعال، عدم تخزينه بصورة جيدة قد يتسبب في حرائق لا يمكن السيطرة عليها..".. ويبدو أن كاتب التحذير حكيم مثلي، فسوء التخزين جعل اشتعال مواطن في تونس يؤثر على كامل المستودع!.. حين انتقلت الحرائق إلى مصر.. غيّر الرئيس حكومته، والمحافظين وأشياء أخرى، ولم تخمد النيران لأن الحل ببساطة يكمن في تغيير الشعب، فمن الواضح أن هذه الشعوب لم تعد تلائم متطلبات حكامها ويجب استبدالها في أسرع قهر ممكن!.

لا بد من محاربةِ هذه الشعوب بسلاحها، وأن ينظِّم هؤلاء الحكامُ احتجاجاتٍ كما تفعل الشعوبُ وسيكون جميلاً أن يُحرِقَ أحدُهُم نفسه، وكم سيكونُ أجمل لو أحرقوا أنفسَهم جميعاً، لكنهم لن يفعلوا ذلك لأنهم ليسوا حكماء بما يكفي.. والماءُ هبةُ السماء للأرض، للحيلولة دون احتراق المواطنين.

اليوم وبعدَ أن بات الدولارُ عملةَ مَن لا تهمةَ عليهِ بالنقاء.. وبعد أن سيطرَ الهلعُ من الـ "كورونا" على كلِّ بلاد الله الواسعةِ.. وبعدَ أن أخذَ المحتكرون كلَّ راتبي من أجل قوتِ يومينِ فقط!!.. وبعد أن هدّد الأحمقُ العالميُّ ترامب كل دول العالم والمنظمات الإنسانية، ونكّل بشعبه غير الأبيض.. واستهتر بمعظمِ حكّام العربِ وداس على "الكوفية والعكال" وجرّ بن سلمان جرَّ الكلاب الـ "الجعارية" ليكونَ في قفصٍ مخصّصٍ للحيواناتِ المدجّنةِ أمريكياً.. وبعدَ أن صادر القدس وصادَق عليه العربانُ.. وبعدَ.. وبعدَ....... وبعدَ كل هذا الهرج والمرج.. قرَّرتُ أن أخرج في مظاهرة، لا بدَّ من الصراخ بصوتٍ عالٍ فالكتابةُ لم تعدْ تجدي نفعاً.. ولكنَّ علاقتي ببعضِ أبناءِ وطني من المغايرينَ لمنهجي ليستْ جيدةً، وسيؤكدون حين يشاهدونني أصرخُ في الشارع أني مختلٌّ عقلياً، فهم سبق وأن قالوا مثل هذه العبارات دون مبرر منطقي ـ كما أعتقد ـ، والأصدقاءُ الذين أعرفهم أنذال بما يكفي أن يتركوني بعد أن تبدأ مظاهرتي بعشر ثوان على الأكثر!..

كنتُ أمام خيارين إما أن أقنعَ أصدقائي أن نخرجَ في مسيرةٍ بريّةٍ في منطقةٍ بعيدةٍ ونتظاهرَ هناك دونَ أن نُزْعجَ أحداً، ولكنَّ هذا الخيارَ لم يلق استحسانَ الأصدقاءِ وتمَّ التخلي عنه بعد اختلافاتٍ حادةٍ بيننا على "صفّة السيارة".. الخيارُ الآخر كان أن أتظاهرَ مع أولادي في الحيِّ عندنا حيثُ ترعرعتُ وحيثُ أقمتُ منذ تزوجت.. وعزّز هذه الفكرةَ أنها تخلو من المحاذيرِ الأمنيةِ إضافةً إلى أن المكانَ الذي أتظاهرُ فيه عبارة عن (زاروب) طويل أستطيع أن أسير خلاله بين الأشجار دون أن أزعجَ أحداً.

جمعتُ أبنائي وأقنعتُهم بضرورةِ التحرُّكِ لفعلِ شيءِ ما، لم يعْدِ السكوتُ مجدياً، سنتظاهرُ بأننا نتظاهر!.. وشدّدتُ كثيراً على أن تكونَ المظاهرةُ سليمةً إلى أبعدِ حدٍّ ممكن، ولا مبرِّرَ لتخريبِ الممتلكاتِ أو تحطيمِ الأثاث، وأن أي محاولةٍ لإخراجٍ المظاهرةٍ عن خطها السلميِّ سيكون مصيرُها الفشل، وأن أي مندسٍّ بيننا سيكونُ مصيرُه مزبلةَ التاريخ التي على مفرق (الزاروب)!..

اتفقنا على كل شيء، وكان العملُ منظماً ومشجّعاً.. كنا فقط مختلفين على نوعيةِ العباراتِ التي سنستَخْدِمها في المظاهرة، هل نكتب: يسقط.. أم إلى الجحيم.. أم تباً لك؟.. هل نستخدمُ عباراتٍ أجنبيةً بغرضِ تدويلِ المظاهرةِ أم نكتفي باللغةِ العربية؟ هل نكتبُ من الأساس أم نكتفي بالصراخ؟.

وحانت ساعة الصفر، وخرجنا إلى الـ(زاروب) لنتظاهرَ ضدَّ ما حدَثَ ويحدُث في كل مكان.. أردنا أن تصلَ رسالتُنا للمطر.. ردّدنا كلُّنا في صوتٍ واحدٍ صرخةً زلزلتْ عرشَ الظلمِ والفسادِ وأمريكا والصرّافين والدولار.. كنا نصرخُ دونَ توقف ولمدةِ ساعتين: كلُّن يعني كلُّن (غير "كلُّن" التي في مظاهراتِ البلد) وأضفنا إليها "الموت لأمريكا.. الموت لترامب".. كنا متحمسين أكثر مما ينبغي.. سألني طفلي الصغير الذي يبدو أنه بدأ يتململ من التظاهر بالتظاهر: من هو ترامب؟؟ وكيف سيموت هو وأمريكا؟.. قلت له هو الذي تسبّب في كلِّ ما تراهُ من خرابٍ لبلدِنا ولجيراننا في سوريا والعراق واليمن، إنه مخترعُ الطاولةِ التي تمرّرُ من تحتها الأشياءُ التي لا يرادُ لها أن تُرى!. قطّب حاجبيه وقال كمن يفكر في شيء لا يريد أن يتذكره: لا أعرفه!.. قلت له في غضب: هو من غذّى داعشَ واستحضَرَ كل الأتباعِ لهُ في وطنِنا ليُسقِط أهلَنا ومقاومتنا والجيش، إنه مدرِّبُ منتخبِ المستقبلِ "الوطني" للفساد!!.. كرر نفس النظرات ولم يتفوّه بكلمة. كنت سعيداً بالمظاهرةِ مع أني واجهتُ الكثيرَ من الأسئلةِ الغبيةِ من المتظاهرين، لكنها خطوةٌ أولى، ومن يدري فقد نتجرأ يوماً ونخرج في مظاهرة تندِّدُ بالطائف!!..

*****

فيما عدا ذلك.. قال لي أحُدُ المشاركينَ - من بعيد - الذي أنهكهُ الحراكُ حولنا قال لي وهو يتثاءب: الأحلامُ حقٌّ مشروعٌ للنائمين.. كلُّ ما يلزم للقضاءِ على حلمكَ هو أن تستيقظَ، اليقظةُ مشنقةُ الأحلامِ يا صديقي!.... ثم نام!.. أنا لستُ صديقَهُ، ولكنه يستخدمُ هذه الكلمةَ لأنها أخفُّ وطأةً على الذاكرةِ من حفظِ الأسماء.. هو يعلم أني أقلعتُ عن الأحلام، كان أمراً أسهل بكثير من الإقلاع عن التدخين.. أنا أخاف فقط، ولكنه يحاول إغرائي بتعاطي الأحلام لأنها ـ حسب رأيه ـ أجملُ من الخوف.. مع أن الأمر لا علاقةَ له بالجَمال، إنه أمرٌ تحكمه القدرةُ فقط، ما الذي استطيعُ تحمُّل تَبِعاتِه وما الذي يفوق قدرتي على التحمل!.. أستطيع الآن أن أخافَ من كلِّ شيءٍ بسهولة.. كلُّ الأشياءِ ترعبني.. وجوهُ الناس.. أعوادُ الثقاب.. غيمةٌ تفكِّرُ في البكاء على سطحِ منزلي المتخمِ بالرطوبةِ والنشِّ.. كلُّ شيءٍ دون استثناءٍ لا أجدُ صعوبةً في الخوفِ منه!.. لكن الأحلام صعبةٌ، ومكلفةٌ.. جرَّبَها غيري معي ـ فأنا أفسِّرها لغيري ـ إني أخافُ من أحلامي.... ولكن لم أحلمْ يوماً بالخوف!.

الخسائرُ الكثيرة، تعني أن الأرباح ستكون.. إلخ........

غسان عبد الله

 

إخترنا لكم من العدد