مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين: يتوجه للبنانيين بالتهنئة بالذكرى السنوية للقادة الشهداء مستذكراً جهادهم الذي كان سبباً في تحرير لبنان من رجس الاحتلال الصهيوني

العدد رقم 272 التاريخ: 2021-02-20

سوريا ما بين إكْرَاهات الإسلام السّياسي.. وجماليّات التّدين الاجتماعي التّاريخي

سوريا ما بين إكْرَاهات الإسلام السّياسي.. وجماليّات التّدين الاجتماعي التّاريخي

أين كانت سوريا؟.. وأين أصبحت؟!.. وماذا فعلَ بها تجّارُ الأزمات وسماسرة الحروب وحفّارو القبور الجدد من مختلف الدول والقوى الدولية والإقليمية والحركات الجهادية التي غررتْ بالكثيرين من أبناء هذا الشعب تحت شعارات وهمية كاذبة ونضالات ومسمّيات دينية جهادية دونكيشوتية بائسة، استنزفتْ خيرات البلد ونهبتْ موارده وخرّبت قيمه ودمّرتْ قدراته وحاولت الفتك بتنوّعه وتاجرتْ حتى بآلامه وأوجاعه ومآسيه.

هؤلاء الذين أرادوا "التغيير!"، سرقوا حتى خطوط "سكك الحديد" المشادة على الطرقات، ونهبوا كالضباع معونات الأمم المتحدة، وأعادوا بيعها لأهلهم في مناطق سيطرتهم بأعلى وأغلى الأثمان.. يعني تاجروا حتى بآلام وجراحات أهاليهم وذويهم الذين ادّعوا الدفاع عنهم ضد الدولة كما يزعمون..!!. فأين كنتم تحت ظل الدولة التي حاربتموها تحت مسميات مختلفة، بقطع النظر عما اعتراها من سلبيات وفساد وأمراض وخلل هنا وهناك وهو موجود وقائم باعتراف الدولة ذاتها؟! وأين أصبحتم اليوم بعد حوالي تسع سنوات ونصف السنة من سيطرة (وحكم!) تلك الميليشيات (الجهادية وغير الجهادية) التي علمتم متأخرين بأغراضها الخبيثة.. وربما بعضكم لمّا يعلم بعدْ..!!.

.. وبالعودة قليلاً إلى الوراء حيث بداية الأزمة واشتعال شرارتها الأولى في البلد منذ شباط وآذار العام 2011م. فقد فجّرت الأحداثُ الدامية التي اندلعتْ كثيراً من الأسئلة الإشكالية حول ماهية الشعارات الفضفاضة الكبرى المطروحة من قبل "رموز التغيير الجديد" خصوصاً من دعاة "الإسلام السياسي" في طبيعة تياراته وجماعاته وتنظيماته المتعددة والمتناحرة هي بين بعضها البعض، ومدى فهمها ووعيها الحقيقي للإسلام كدين ومنهج فكري وسياسي ورسالة إنسانية، خصوصاً وأن تنظيمات كثيرة منه اندرجتْ في عمق الأزمة، وانطبعت بطابعها، بل وباتتْ من أهم عناوينها الرئيسة، على مستوى الفكر والمعتقد والسلوك والعلاقات والتعاملات، من خلال ما قامت به تلك التيارات (وعلى رأسها تنظيمي داعش والنصرة الإرهابيين) من أعمال قتل دموية ومعارك وصراعات عنفية، ونشوء صراعات عميقة فيما بينها على الحكم والنفوذ والمآل والمصير.

فهل كان هذا الفكر الديني (الذي يزعمون أنه فكر سياسي إسلامي) والذي اجتاح سوريا في مناطق الصراع فيها، معبّراً بالفعل عن طبيعة إيمان وقناعة السوريين عموماً بالإسلام بمعناه التاريخي الذي تمثلوه عقيدةً ومنهجاً ورسالة إنسانية ومبادئ روحية وأخلاقية؟!!. وهل كانت الحالة السورية التاريخية الاجتماعية التقليدية المتدينة، على مستوى المجتمع والناس في وعيها وعلاقاتها وتعاملاتها، تكفيرية ومغالية وإقصائية في فهمها وممارستها للدين وأحكامه ومبادئه؟!!.

في الواقع، نحن نعتقد من خلال وعينا للتاريخ السياسي والاجتماعي السوري، أن سوريا وبحكم تنوعها الحضاري التاريخي، لم تكن في أي يوم من الأيام دولة أصولية أحادية رافضة للآخر.. ولم يكن السوريون بعمومهم أصوليين ولا تكفيريين، ولا إقصائيين ولا مغالين في دينهم ومعتقداتهم وإرثهم الثقافي التاريخي، ولا في أفكارهم أو آرائهم الدينية أو غير الدينية المتنوعة التي اكتسبوها تاريخياً.. على الرغم من كل ما قيل ويقال ويروى من أحداث وروايات، وما يرمى من اتهامات و"فبركات".. بالعكس كانت سوريا والتنوع شيئاً واحداً، ولا يكاد يذكر اسم سوريا في التاريخ إلا ويذكر معه وسم التنوع وصفة قبول الآخر والتسامح الديني وغير الديني.

أنا هنا أتحدث عن السّمْت والطابع العام للتدين الاجتماعي الإسلامي السوري عبر مسيرة أتباعه في سوريا منذ بداية انفتاح هذا البلد على الإسلام والأديان عموماً.

فالشّعبُ السُّوريُّ عموماً، هو في عمقه وظاهره شعبٌ حضاري أصيل في قيمه الإنسانية وفي علاقاته بوطنيته ومواطنيه، متفتح العقلية على أبعاد الحياة نصاً وروحاً، منفتح على العصر والآخر المغاير والمختلف.. وعلى الرغم من تدينه الاجتماعي العام الذي حافظَ عليه تاريخياً في القناعة والدعوة والاعتقاد والسلوك، فلا إفراط عند أهله من السوريين، ولا تفريط في ممارساتهم الدينية وعلاقاتهم الاجتماعية التي عاشوها بالمعنى الطبيعي القائم على التبادل والمشاركة والعيش المشترك.. فقد كنتَ ترى المسلم عندما يخرج مثلاً من صلاة العيد يأتي إليه الجميع لتهنئته ومباركته، المسيحي وغير المسيحي.. وهكذا المسيحي عندما تمر أعياده كان المسلم يترجم محبته له بالذهاب إلى منزله وقيامه بواجب معايدته ومشاركته في سلوكياته وعاداته وتقاليده الاجتماعية، حتى أنه وُجدت علاقات مصاهرات واسعة جداً ليس بين صفوف المكونات الاسلامية (مختلفي المذاهب) فقط، بل حتى بين مختلفي الديانات..!!.

بما يعني أنّ السّمة الأهم والطابع العام الغالب لدى الإسلام في سوريا هو طابع الاعتدال والوسطية والانفتاح ومحبة الوطن والتشارك الفعلي مع كل الناس بصرف النظر عن تدينهم وقناعاتهم واعتقاداتهم وانتماءاتهم التاريخية.. وكلّ الطوائف والمذاهب ومختلف الانتماءات الدينية كانت - وما زالت حقيقةً على الرغم من كل ما حدث من شروخ ونزف - متآخية ومتحابّة ومنفتحة على بعضها البعض.

راجعوا تاريخنا كله، فقد بقيت كل تلك المكونات والانتماءات متجذّرة في (وعلى) هذه الأرض على الرغم من كل شيء، راسخة وثابتةً في أرضها ووطنها وعلاقاتها وأعمالها ومختلف فعالياتها التواصلية مع بعضها بعضاً.. بقيت في علاقاتها وموروثاتها وهياكلها ومبانيها دونما مساس بها. ولو لم تكن لدى السوري -في جذره الفكري وقناعته الدينية وتقاليده الاجتماعية العريقة والأصيلة- صفة الاعتدال والاعتراف بالآخر والتعايش معه على الحلوة والمرة (كما يُقال) لنَشَبَتْ حروبٌ وصراعاتٌ دينية ومذهبية حادّة لم يكن من السّهل بمكان السّيطرة عليها وإخمادها في جذرها.

إنّ سوريا - ومنذ بداية تشكُّلها التّاريخي - بلدٌ حضاري عالمي، متنوع الاتجاهات ومتعدد الأديان والمذاهب والأعراق والإثنيات والقوميات و.. و.. إلخ.. سوريا هذه (بلاد الشام عموماً) بلدُ الغنى الحَضاري، وموطنُ الرّسالات والعقائد، وعمرها يزيدُ على الثمانية آلاف عام قبل الميلاد، ولا تكادُ منطقةٌ من مناطق سورية الطبيعية الواسعة تخلو من وجود المواقع الأثرية الكثيرة التي تعود إلى فترات زمنية مختلفة، ويزيد عددها على 4500 موقع أثري مهم (داخل سوريا اليوم)، حيث يبلغ عدد الحضارات التي تعاقبت على الأرض السورية ربما أكثر من أربعين حضارة بحسب كثير من مراجع ومظان التاريخ والآثار المعروفة..‏ وكان بدء الاستيطان البشري فيها.. حيث ضمّت لاحقاً مدناً كثيرة تعود لحضارات وحقب تاريخية متعددة ومختلفة، مثل ممالك: إيبلا- ماري- أوغاريت- راميتا– البارة -دورا أوربوس- سرجيلا - كرك بيزة – جرارة – قاطورة -عين دارة– شمس-باصوفان-النبي هورى– أرواد– قطنا– شهبا– بصرى– قنوات– صلخد- أفاميا.. وغيرها العشرات من المدن، فضلاً عن كثير من التلال والمباني والقلاع التاريخية والمواقع الأثرية الدينية كالكنائس والأديرة المسيحية والمعابد اليهودية والجوامع والمساجد الإسلامية.

.. هذه التعددية الحضارية والإنسانية، وهذا التنوع في الميراث الحضاري التاريخي العائد لآلاف السنين، وتلك الفسيفساء البديعة الملونة الجميلة كانت (في التاريخ وحتى خلال أيام الأزمة الراهنة) نقطة القوة الجوهرية التي حمتْ هذا البلد على الرغم من كل ما فعلوه بها وارتكبوه بحقها من دمار وخراب مادي ومعنوي كبير، بغض النظر عن بعض الاندفاعات الوقتية والمصلحية المتشددة هنا وهناك، وبغض النظر عن تعقيدات وشجون والآم السياسة والسياسيين.. وهي بطبيعة الحال، استثناءات طارئة غير دائمة، لا مكان لها ولا محلّ لها من الإعراب عند السوريين إطلاقاً وعلى وجه العموم، يعني لا تربة خصبة للتشدد والغلو الديني والسياسي بالمطلق.. وبرغم الظروف المعقدة والضغوطات الهائلة التي وُضِعَ فيها هذا الشعب العظيم والخلاق والمبدع، ظلّتْ إنسانيته ووطنيته ومحبته للتعايش مع الآخر المختلف والمتنوع، هي القاعدة وهي المنهج، وما تبقّى - من مشاهد تكفير وتشدد واستبداد - هو الاستثناء والطارئ الذي سيزول لا محالة.

نعم هناك إرهاب وتنظيمات إرهابية كثيرة في سوريا والمنطقة، استباحتْ وقتلت ودمرت، وعنفها الدموي وإرهابها القاتل لن يزول بزوال تياراته وتنظيماته المسلحة كهياكل سياسية منظّمة ما دامت له مغذيات وينابيع فكرية تاريخية وواقعية عملية كامنة في البيئة السياسية والاجتماعية التي يعشش فيها التخلف والقهر والظلم والحرمان.

اقتلوا الإرهاب والفكر المتطرف الذي ينتجه - سواء في سوريا أم في غيرها من بلدان العرب ومجتمعاتهم المريضة - بالتنمية والاقتصاد الحر وإعطاء الحقوق وتطبيق العدل في الحكم والممارسة.. فكما هو معلوم، أنّ غاية ومنتهى الوجود البشري (وإقامة الحكم وأي عقد سياسي اجتماعي يرضى به المجتمع) يتجلى ويتمثل في تحقُّق قيم العدل والمساواة، وبناء مجتمعات السعادة والرفاه والازدهار، والتمتع بالحياة الجديرة بأن يعيشها الإنسان طالما تتوفر فيها مقومات العيش الآمن والرغيد والسعيد. وأي خلل بالمعادلة (والذي يؤدي إلى الحرمان والظلم والتمييز) هو الذي يشعل الحروب، ويفجر الصراعات بين الناس، ويحوّل مجتمعات (الظلم والحرمان والفساد) إلى مجتمعات الغاب، القوي فيها يأكل الضعيف.

وفي بلد كسوريا، لا يمكنُ لناسه وأفراده بكل مكوّناتهم وانتماءاتهم وقومياتهم، أنْ يعيشوا أو يتطوّروا إلا بالتوازن والتوافق.. التّوازن الفعّال والمنتج مع محيطها وإقليمها المجاور (ما عدا الكيان الصهيوني بطبيعة الحال).. والتوافق (التعايش) الوطني الطوعي الطّبيعي السلمي مع مكوناتها المجتمعية الطبيعية الغائرة في وجودها الزمني والتاريخي.. هذا هو قدر سوريا والسوريين الحضاري والإنساني والتاريخي، وهو مصيرهم المشترك المستقبلي.

إنّ منطقَ الحياة الطبيعي يقول ويؤكد بالتجربة والبرهان العملي، أنّ التشدد والتعصب والتكفير والإقصاء والإرهاب والعيش على حساب الآخرين، هي أمور ضد طبيعة الأشياء، وضد منطقها الذاتي البنيوي، وستزول بزوال أسبابها.. والتغير أساس في الموضوع، ومن لا يتغير ستغيره الدهور والأيام بالقوة، والنتائج عندها تكون كارثية للأسف..!!.

إن التّعصب والتكفير والعنف كلها، أمراضٌ نفسية واجتماعية وسياسية يمكن أنْ تتعرض لها أية دولة ويمن أن تصيب وتنال من أيّ إنسان أو مجتمع أو أمة أو حضارة أو منهج عمل ديني أو علماني.. وبالتجربة نجد أن كل الدول مصابة بقدر (أو بآخر) من تلك الأمراض التي قد تتناقص أو تتزايد (كماً وكيفاً) بحسب طبيعة الفكر المسيطر، والسياسات المطبقة، ومنظومة القيم والحقوق الفردية والجماعية السائدة.

وفي اجتماعنا الديني العربي والإسلامي نرى بأن هذا المرض الخطير (التعصب) نال من جميع الفرق والتيارات المشكّلة له، بكافة تشكيلاتها وألوانها وأنماطها وأفكارها المؤسِّسة لها، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.. بما يعني أنه مرض أدمنّا عليه إلى درجة وجود صعوبة كبرى في علاجه والبراء منه رغم المحاولات والبرامج والإمكانات.

ما تقدّمَ من تحليل يلقي الضوء النقدي على سلوكيات بعض تنظيمات الإسلام السياسي العنفية، ويشيد بما لعبه واقع التنوع الحضاري التاريخي في حماية سوريا، لا يعني بطبيعة الحال أن مآلات الاجتماع الوطني السوري المعاصر بخير وعافية، بل هو يعاني بدوره من أمراض اجتماعية وسياسية خطيرة وتحتاج لعلاجات حقيقية على مستوى ضرورة تطوير الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

حيث أنه عندما يشعرُ كلُّ مواطنٍ في أيّة دولة، (ويلمسُ عملياً) وليس خطابياً وشعاراتياً، بأنّ مستقبله مضمونٌ وآمنٌ، وأنّ له الحق القانوني والدستوري المكفول بالكامل في ثروات بلده ومواردها وقدراتها، وأنّ هناك عدالة في توزيع تلك الثروات والموارد الكبيرة، وأنّه قادر ٌعلى المشاركةِ الفاعلة في تقرير مصيره عبر المؤسسات الاجتماعية والمدنية والرسمية، عندئذ سيرتاح ولن يعيش أو يتعيش على العصبية، وسيشعر لوحده - ومن تلقاء نفسه - بالمسؤولية العالية التي ستمتلئ بها نفسه، مما سيدفعه إلى ساحات العمل وميادين الإنتاج، وسيُقْبِل على البناء والإنتاج، بكل طواعية وجدٍّ ووعي وثقة ومحبة لعمله وبلده ومجتمعه.. لأنّ المحفّزات والمحرضات توافرت، وهي العدالة، والقانون، والمساواة.. وهذا من أهم شروط إقلاع التنمية الحقيقية في بلداننا.

نبيل علي صالح

 

إخترنا لكم من العدد