مجلة البلاد الإلكترونية

التجمع ينوّه ببدء رئيس الحكومة حسان دياب باستطلاع الوضع للتوجه شرقاً

العدد رقم 239 التاريخ: 2020-07-04

عن الفيروسات والصواريخ

عن الفيروسات والصواريخ

العبرة في الحالة الحالية هي أنَّ الأوامر التي أعطيت لحماية الجمهور لا أمل منها إلا إذا اقتنع الجمهور أنه موجودٌ تحت الخطر. لهذا السبب مطلوب مؤسسة إعلامية تستند إلى معطيات واضحة وحججٍ منطقية.

وباء فيروس الـ كوفيد 19، COVID  19 أو بالمصطلح الشعبي "فيروس الكورونا" (ومع مصنعي البيرة المشهورة المسموحة)، ضرب إسرائيل منذ أكثر من ثلاثة أشهر. هذا الوباء أدى إلى حالات لم نشهدها في الماضي مثل إقفال مدارس وأعمال تجارية، وحتى حجرٌ منزلي ذكَّر مسنّي المستوطنة بأيام الحجر للسلطات البريطانية في فترة الانتداب. هذه الخطوات، التي أعدَّت لإبطاء تفشي الوباء، سببت أزمة اقتصادية عميقة ولبطالة نحو ربع قوة العمل في المرفق الاقتصادي.

لا شك أنَّ الموضوع هنا متعلقٌ بحدث محكم يصل إلى حد كارثةٍ جماعية. الكوارث الجماعية هي أحلام رعبٍ لزعماء وسياسيين، وديدن متشائمين وهواة رواياتٍ علمية خيالية. الكوارث الجماعية في العقود الأخيرة - تشرنوبيل، فوكوشيما، التسونامي في جنوب شرق آسيا - تصغر أمام الخيال الإبداعي لهواة الجنس البشري، بدءًا من إصابات مدى الحياة للكويكبات مرورًا بانفجار براكين كبيرة وصولاً إلى الأوبئة التي تقضي تقريبًا على كل البشرية، باستثناء قلة الذين ينجحون بالبقاء وأهل الكرة الأرضية من جديد، انطلاقًا من تحية عسكرية مخفية لحكاية الطوفان. نوعٌ آخر من الكارثة الجماعية التي شغلت حتى الآونة الأخيرة أعضاء المجتمع العلمي كان حرب نووية التي ستؤدي إلى شتاءٍ نووي. اليوم انتقل اهتمام المجتمع العلمي من خطر الحرب إلى خطر السلام: من نتائج حربٍ نووية إلى نتائج الازدهار الاقتصادي العالمي الذي أدى إلى زيادة واضحةٍ في استهلاك الطاقة، ومن هنا إلى سخونة عالمية.

في إسرائيل كُرِّس الاهتمام العام حتى الآن لثلاثة أنواعٍ من الكوارث الجماعية التي اعتبرت معقوليتها أكثر من هامشية: الهزات الأرضية بعد القرب الجغرافي للفالق السوري الأفريقي، وباء فيروس عالمي يتفشى إلى إسرائيل، وحرب تفجَّر خلالها الجبهة الداخلية بشكلٍ كبير موقعة خسائر فادحة بالأرواح وأضرار كبيرة في الاقتصاد. الشرق الأوسط متأثرٌ بهزاتٍ أرضية. في الماضي وقعت في بلاد إسرائيل عدة هزات أرضية متعددة القوة دمرت مدنًا كاملة، كطبريا وبيت شان في القرن الثامن وصفد في القرن التاسع عشر. الوعي لهذا الخطر تجسد من بين جملة أمور في تغيير معايير البناء وفي خطة مخطط قطري (تما 38) التي تشجع دعم مبانٍ للصمود في الهزات الأرضية. خطر وباء فيروس محلي وعالمي شغل في الماضي حكومات إسرائيل، سواء بعد أوهام مرض الأنفلونزا الذي يتطور أحيانًا إلى أبعاد شبه وباء، أو بعد ظهور مؤقت لفيروسات جديدة في العالم كالإيبولا، الأنفلونزا والسارس، والتي لحسن حظنا لم تصل إلى إسرائيل. بالنسبة لاستهداف الجبهة الداخلية خلال حرب، إسرائيل كذلك وقفت بحسب رأي مراقبين كثيرين على عتبة كارثة جماعية في حرب لبنان الثانية، عندما أفرغت مدن كاملة في الشمال من سكانها، والحياة الاقتصادية في المناطق المتعرضة للقذائف الصاروخية توقفت. الوعي لهذا النوع من الكوارث الجماعية ظهرت من جديد مع كل جولة تصعيد مع الفصائل الفلسطينية في البلاد، التي تجلب في أعقابها إطلاق قذائف صاروخية على جنوب ووسط الدولة.

 ومن سخرية القدر أن كل مَن توقع أنَّ الكارثة الجماعية التالية ستكون حربًا مع حزب الله تفاجأ بالتأكيد - مع معظم مدنيي الدولة - من أنَّ الكارثة الجماعية التالية هي طبعاً وباء فيروس عالمي. يوجد دون شك فروقاتٌ كبيرة جدًا بين وباء فيروس وبين هجوم صاروخي على الجبهة الداخلية، لكن يوجد بينها أيضاً خطوط تشابهٍ معينة. لكن على الرغم من أن إسرائيل في الوقت الحاضر موجودةٌ في ذروة الوباء ولا تعرف متى سيمر (إذا مر) فإنه من الممكن بحسب رأيي الآن أيضًا استخلاص عدة أفكارٍ حيال سيناريوهاتٍ أخرى من الكوارث الجماعية، بشكلٍ خاص حيال سيناريو هجومٍ صاروخي على الجبهة الداخلية.

أحصيت في البداية نقاط الخلاف بين وباء وهجومٍ صاروخي: أولا، الوباء يمس بالأرواح لكنه لا يمس بالممتلكات، بالمقابل الهجومٍ الصاروخي يمس بالإثنين معًا. ثانيًا، الوباءٌ يتفشّى ويتعاظم عبر انتقال العدوى بين الأشخاص، ولذلك فإنّ التهديد داخلي لأنه في المراحل الأولى من الوباء حيث لا يوجد طريقة لتمييز حاملي الفيروس، فإن كل شخص في المجتمع هو تهديد محتمل على أي شخصٍ آخر. في هجومٍ صاروخي التهديد هو خارجي والعدو مشترك بين كل الأشخاص في المجتمع كله. ثالثًا، منذ نهاية القرن التاسع عشر نجحت البشرية بوضع حد لأوبئة كثيرةٍ عبر عقاقير ولقاحات، لهذا من المنطقي الافتراض أنه في نهاية المطاف سيوضع حدٌ أيضًا لوباء فيروس الكورونا. هجوم صاروخي مقابل هذا، هو جزء من نزاعاتٍ مسلحة، وثمة شك إن كانت البشرية ستنجح بوضع حد للحرب في يوم من الأيام. للأسف الشديد لا يوجد أي دواء أو لقاحٍ ضد الحروب والهجمات الصاروخية يضع لها حداً نهائياً.

لكنَّ الاختلاف الجوهري جدًا بين وباء وهجومٍ على الجبهة الداخلية هو في مستوى إدارة الأزمة: في العصر الحديث، البشرية معتادة جدًا على الحروب أكثر مما هي معتادةٌ على الأوبئة. في كل دول العالم توجد تنظيمات أساسيَّة من أجل إدارة احتوائية للموارد في الحرب: مجالس وزارية مصغرة، وزارات أمنية، هيئات عامة وغيرها- لكن لا توجد تنظيمات لإدارة موارد قومية ومنسقة لمكافحة الأوبئة. بحسب ما أشارت الـ نيويورك تايمز في المقال الذي نشرته في الآونة الأخيرة: "الولايات المتحدة ليس لديها بنتاغون ضد الفيروسات". المشكلة هي انتقال لإدارة الموارد الطبية فقط: كذلك سلطة الطبابة القومية(NHS) في بريطانيا، التي هي ربما سلطة الطبابة العامة المركزية جدًا في العالم الغربي، تعنى فقط بإدارة الموارد الطبية وليس بالتداعيات الأخرى للوباء. كما في الحرب كذلك في الوباء: مطلوبٌ المواجهة ليس فقط على المستوى العملاني وإنما أيضًا على مستويات حاسمة ومتماسَّة: اقتصاد، علاقات خارجية وسياسة داخلية. لإدارة حرب يوجد مجلس وزاري مصغَّر أعدَّ لاحتواء الجهد القومي. حيال الوباء لم تكن توجد حتى الآونة الأخيرة هيئة سلطوية مشابهة ("المجلس الوزاري المصغَّر للكورونا" الذي شكل في الحكومة الحالية هو تجديد مهم لم يثبت بعد). توجد في الحكومة هيئة عامة تشغّل وبكثافة القوات العسكرية ووزارة الدفاع هي التي تشغل بكثافة الموارد الصناعية. لإدارة الوباء لا توجد هيئات موازية. وزارة الصحة، بخلاف وزارة الدفاع، تُعنى بالتنظيم وليس بتشغيلٍ مباشرٍ للمرفق الطبي. "الجيش" الذي يكافح مباشرة الوباء هو صندوق المرضى- هيئاتٌ مدنية ليس عليها "رئيس هيئة أركان عامة" وليست ملزمة بالانضباط مثل هيئاتٍ عسكرية. ليس في هذه الأمور إشارةً أو توصية لتغيير هذا الوضع، وإنما إشارة للواقع فقط.

من جهةٍ ثانية، توجد خطوط متشابهة بين تأثيرات وباء وهجوم صاروخي. بادئ ذي بدء، لهذين النوعين من الكوارث طابع إلقاء الرعب والإرهاب على كافة السكان. الفيروس مثل الصاروخ لا يميّز بين شخصٍ وشخص. لا يوجد شخص يعرف كم سيتضرَّر، وما من أحد متأكد أنه هو نفسه وأبناء بيته لن يتضرروا. هناك مثال عربي من شمال أفريقيا يقول إن واحدًا من سكان إحدى القرى عرف أن ملك الموت سيزور بعد أسبوعين إحدى العائلات في القرية. الوفد الذي خرج للتحقيق في هذا الأمر عاد وأفاد أنه تسنّى له التأكُّد أنه في الحقيقة هو سيزور قريباً أحد بيوت القرية، إلا أنه لم يتمكن من اكتشاف من هي هذه العائلة التي "ستحظى" بالزيارة. النتيجة كانت أن كل سكان القرية جمعوا أمتعتهم وهربوا منها. هذا المثال يوضح جوهر مصطلح الـ "إرهاب": إلقاء رعب دون تمييز. من ناحية التهويل العام، لا فرق إن كان "ملك الموت" ارتدى صورة فيروس أو صورة صاروخ.

ثمة ميزة تشابه ثانية هي الصعوبة في حماية السكان. في الوقت الذي تفشت فيه أوبئة الفيروسات الجديدة في العقود الأخيرة - إيدز، إيبولا، الأنفلونزا، سارس واليوم فيروس الكورونا - لم يكن هناك أدوية أو لقاحات فعالة، وإلى أن توجد مثل هذه الأدوية أو اللقاحات - في حال وجدت في الحقيقة - كانت البشرية بأكملها معرضةٌ للخطر. في سيناريو هجوم صاروخي يوجد في الحقيقة "دواء" يتمثل بمنظومات حماية إزاء الصواريخ، لكن الحماية ليست تامة ودائمًا ثمة خطر من وقوع خسائر بالأرواح بعد "انهمار" صواريخ وقذائف صاروخية. في السيناريوين على حد سواء طريقة تخفيف الخسائر هي توزيع السكان والحؤول دون تجمع أشخاص في مدارس، مصانع، مراكز تجارية ومراكز ترفيه (باستثناء تجمع في مناطق محصَّنة في سيناريو هجوم صاروخي). النتيجة الحتمية في السيناريوين على حد سواء هي انخفاضٌ في نشاط المرفق، ضرر في مصدر رزق معيلين كثر وضرر شديد في الاقتصاد القومي. في الحالتين، الحاجة لحماية السكان والحاجة للحفاظ على الاقتصاد تتناقضان وتأتي الواحدة على حساب الأخرى- "لعبة نتيجتها صفر" كلاسيكي.

ميزة تشابهٍ ثالثة هي عدم اليقين إزاء المدة الزمنية للأزمة. هجوم صاروخي هو إجراء قتالي يحتمل أن يكون أيضًا جزءًا من حرب شاملةٍ جدًا. الحروب ليس لها موعد نهاية محددٍ مسبقًا، وليس لدى أولئك المفروضة عليهم طريقة لمعرفة متى ستنتهي. وهكذا أيضًا، وباء فيروس جديد ليس له موعد نهايةٍ يمكن توقعه بنسبة ما من الدقة لأنه لا يمكن معرفة كم من الوقت سيستغرق تطوير دواءٍ أو لقاحٍ ضده.

في السيناريوين، تدار الأزمة بظروفٍ من الارتياب حيال سيره، مدته والتدابير المطلوب اتخاذها لتخفيف خسائر وأضرار. تجربة الماضي - هجمات صاروخية أو أوبئة فيروس سابقة - ذات صلة بصورة عامة لكن ليس بشكلٍ كامل، لأن لكل أزمة مميزات فريدة خاصة بها كهوية العدو وأنواع الصواريخ التي يمتلكها في الجولة الحالية، أو هوية الفيروس وتأثيراته في الوباء الحالي. في الوباء كما في الحرب، إدارة الأزمة تتطلب أمرين: أولا، إدارة واحتواء مراكز الأزمة من قبل الحكومة ومؤسساتها، وثانيًا، استعداد الجمهور للتعاون مع الحكومة ودفع الثمن الشخصي والاقتصادي الذي يتطلبه الأمر. نوعية إدارة الاحتواء من قبل الحكومة ونسبة التعاون لدى الجمهور تحددان في نهاية المطاف نسبة النجاح في إدارة هذه الأزمة.

يبدو أنه على الرغم من الاختلافات بين السيناريوين، خطوط التشابه المعيّنة فيما بينهما تتيح إلقاء (جزء) من إدارة أزمة وباء فيروس الكورونا منذ أن انتشر على قدرة الدولة والجمهور على اجتياز أزمات في كوارث جماعية أخرى، بما في ذلك هجومٌ صاروخي على الجبهة الداخلية. 

كما أشير آنفًا، الطريقة الوحيدة لمواجهة الوباء في هذه المرحلة الذي ليس له في هذا الوقت لقاحٌ أو دواء هي الحؤول دون التجمع لتخفيف وتيرة نقل العدوى. وعلى هذا النحو تخفيف الضرر بالنشاط الاقتصادي بالمرفق. هذه المعضلة واجهت وتواجه كل حكومات العالم. كل واحدةٍ منها اختارت مزيجًا خاصًا بها بين تفشي الوباء والاقتصاد. الصين، التي كانت الأولى بالتضرر، اختارت تخفيف تفشي الوباء على حساب الاقتصاد، ونجحت بهذا بشكلٍ كبير. دولٌ أخرى، كالسويد (حتى الآن) أو بريطانيا (في المراحل الأولى من الوباء) فضّلتا الاقتصاد ودفعتا لقاء هذا عددًا كبيرًا من المرضى والوفيات. حكومة إسرائيل اختارت بداية إستراتيجية تخفيف تفشي الوباء على حساب النشاط الاقتصادي. رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو تحمل مسؤولية مهمَّة الإعلامي القومي، وأثبت أنَّ الهدف هو "الحفاظ على الجد والجدة" و"تسطيح" الخط البياني لوتيرة الاودياد في عدد المرضى، للسماح للمؤسسة الصحية باحتواء الوباء. في إطار هذه السياسة فُرضت بدءًا من بداية شهر آذار هذه السنة قرارات عزلٍ متشددة على الجمهور وبوقف معظم النشاط الاقتصادي في المرفق، الذي بلغ ذروته بحجرٍ منزلي تام في يومي العيد في الفصح وفي عيد الشعلة، وكذلك حجرٌ جزئي خلال عيد رمضان الإسلامي. هذه القرارات سببت أزمة اقتصادية وبطالة لنحو مليون عامل في المرفق، لكنها نجحت بتخفيف وتيرة تفشي الوباء إلى درجة إخمادٍ تام تقريبًا. بعد ذلك بنحو خمسة أسابيع، منتصف شهر نيسان، بدأت الحكومة بتخفيف القرارات والسماح بفتحٍ تدريجي للمرفق، في البداية إعادة افتتاحٌ المحال التجارية، وبعد ذلك بنحو شهر-منتصف أيار- عادت الدراسة إلى المدارس. بشكلٍ غير معلنٍ، سياسة تفضيل تفشي الوباء غيّرت سياسة تفضيل الاقتصاد. الانتعاش الاقتصادي الجزئي أحرز مقابل تسريع تفشي الوباء، وخلال كتابة هذا الكلام منع جزءٌ من هذه التسهيلات التي كان مخططًا لها(بشكلٍ خاص إعادة القطارات والمواصلات الجوية للعمل)، ورئيس الحكومة أشار إلى إمكانية إعادة جزءٍ من القرارات السابقة إلى سريانها.

في الأسابيع الأولى من الأزمة لوحظ استعداد من جانب الجمهور للتعاون، ولم يسجّل احتجاجٌ حقيقي ضد المسِّ بحرية الفرد وفي الحصول على مصدر رزقه الشخصي. حدثت هنا وهناك حالات معارضةٍ ناشطة، كما في مجموعاتٍ حريدية متطرفة رفضت وقف التجمعات في المعابد والجنائز، تظاهرات صغيرة لمجموعاتٍ يسارية ضد المس بحقوق الإنسان وممانعة الساعين وراء المتعة في شواطئ تل أبيب لتقييد حريتهم في الترفيه، لكن الغالبية العظمى من الجمهور حافظت على قرار التباعد الاجتماعي والحجر على الرغم من كل الصعوبات الكامنة فيه. يبدو أنه كان لهذا عاملان: الأول، شعور بتهديد حقيقي، بشكلٍ خاص على ضوء التقارير القاسية عن تفشي الوباء في إيطاليا وفي إسبانيا، والآخر، الإجراءات التخفيفية الاقتصادية التي قامت بها الحكومة وأساسها إهمال التوازن المالي ودعم مالي لأعمالٍ وعاطلين عن العمل كلما تطلب الأمر (بكلمات أخرى، طباعة مال كلمات تطلب الأمر).

يبدو أنَّ التغيير في تفضيل تفشي المرض على الاقتصاد نابعٌ من ضغط إعلامي ربما يغذى من ضغط عام، أكثر مما هو نابعٌ من إدارة مخاطر محسوبة. وزارة الصحة عارضت الوتيرة السريعة للتسهيلات، ومن ناحية وتيرة تفشي المرض - على ما يبدو - بحق، لكن رئيس الحكومة حكم ضده. السبب في سحق جهوزية الجمهور (أو بمصطلحٍ أكثر أكاديمية" صمود الجبهة الداخلية") جديرٌ بالبحث معمقًا. المؤلف الحالي يسجل انطباعًا أنه نابعٌ من خمود في الشعور بالتهديد. نفس نجاح سياسة العزل الاجتماعي، الانخفاض في تفشي المرض والتقليل النسبي إلى درجة كبيرة من عدد الوفيات مقابل توقعات محزنة لعشرات آلاف الضحايا كل هذا ولَّد شعورًا بـ"صفارة إنذارٍ كاذبة" وطلبًا بإعادة الحياة إلى طبيعتها.

رئيس الحكومة لم يصمد على ما يبدو بهذا الضغط. رغم هذا، من المحتمل أنه كانت عوامل إضافية للسحق بصمود الجبهة الداخلية ومن بينها التمزيق في المجتمع الإسرائيلي و "التسييس" للأزمة، وبحسب ادّعاء جزءٍ ملحوظٍ من الجمهور المعارض لرئيس الحكومة أنه يقوّي هذه الأزمة بشكل متعمدٍ خدمةً لحاجاته السياسية. على أية حال، يبدو أنَّ رئيس الحكومة كان منصتًا جدًا لطموح الجمهور للعودة إلى الحياة الطبيعية أكثر من خبراء الصحة لديه، الأمر الذي ربما لوحظ من تمنياته للجمهور" بالتمتع بحياتهم" عشية عيد هشفوعوت. النتائج، حتى هذا الوقت، ليست مشجّعة، بتعبيرٍ أخف. الرأي السائد خلال كتابة هذه السطور هو أن العودة لقرارات العزل الاجتماعي كما كانت في بداية الأزمة ستصطدم بممانعات من جانب جزءٍ ملحوظٍ من الجمهور. رغم ذلك، من المحتمل بشكلٍ كبير أن تكون الجولة الثانية من تفشي المرض أخطر من سابقتها. 

ما الذي يمكن إلقاؤه حتى الآن من أزمة وباء الكورونا على أزمةٍ أمنية؟ بحسب ما أشرتٌ آنفًا، نسبة النجاح لإدارة أزمة متعلقة سواء بعمل الحكومة أو بجهوزيَّة الجمهور على تحمل الظلم. في الوقت الذي يجب فيه على عمل الحكومة الأخذ بالحسبان حقيقة أنه في حكومة إسرائيل - كما في معظم حكومات العالم - فإنه لا وجود لـ "وزارة دفاع لصحة الجمهور". احتمال وباء فيروس في إسرائيل طرح للمناقشة في حكومة أريئيل شارون كذلك في العام 2006 وعندها أيضًا حدد أنَّ الأزمة ستدار من قبل وزارة الدفاع عبر قيادة الجبهة الداخلية في الوقت الذي تعمل فيه وزارة الصحة كسلطة مهنيَّةٍ من ناحيةٍ طبية-أي أنه تقرر عدم تشكيل "وزارة دفاع لصحة الجمهور" ذات قدرات تنفيذ مستقلة وإنّما إدارة أزمات طبية عبر وكالات حكومية قائمة لديها قدرات تنفيذ في أوقات الطوارئ. رئيس الحكومة نتنياهو اختار عدم العمل هكذا وإدارة في الأزمة الصحية الحالية بشكلٍ شخصي في الواقع، في الوقت الذي يستعين فيه ولهذه الحاجة بالعمل الأركاني في مجلس الأمن القومي. وزارة الدفاع شغّلت من قبله ليس كهيئة إدارية وإنَّما كهيئة تنفيذ لمهام خاصة فقط (كشراء وتصنيع أجهزة تنفس). لماذا لم تعمل الحكومة بحسب القرار من العام 2006، وهل هذا الأمر أضرَّ بجودة إدارة الأزمة؟ بنظرةٍ إلى الوراء، من المحتمل أن يكون القرار من العام 2006 خاطئًا من البداية، وأنَّ أزمة صحيَّة بقوة متقاذفة إلى هذا الحد يمكن بسهولة أن تتدحرج إلى كارثةٍ جماعية تتطلب أن تدار من قبل السلطات العالية جدًا في الدولة - أي رئيس الحكومة على وزارته. واضحٌ على الرغم من هذا أن هذا السؤال سيستخدم كأرضٍ مثمرة لمناقشات وتحقيقاتٍ في المستقبل.

من جهةٍ أخرى - يبدو أنَّ كل ما يتعلَّق بجهوزية الجمهور لتحمل الظلم - لقول، "صمود الجبهة الداخلية" - يمكن التعلُّم من سيناريو وباء إلى سيناريو حرب. قضيَّة "صمود الجبهة الداخلية" في أزمةٍ قومية بحثت منذ سنوات من قبل مراكز بحث في العالم. في البلاد يدار هذا البحث بشكلٍ خاص عبر العميد(احتياط) الدكتور مئير ألران في معهد أبحاث الأمن القومي. يمكن تسجيل انطباعٍ من هذه الأبحاث أن "قوة صمود الجبهة الداخلية" حددت من بين جملة أمور بحسب التوازن القائم بين الشعور بالتهديد وتقدير توقُّع الضرر من إحدى الجهات، وبين الثمن الذي يطلب دفعه من الجمهور من جهةٍ ثانية بمعاناةٍ شخصية وبخسارة المدخول. كلما كان الشعور بالتهديد أقوى كلما زادت جهوزية الجمهور لتحمل الظلم. يبدو أنه في المراحل الأولى من الأزمة الحالية كان الشعور بالتهديد قويًا كفايةً للتسبب للجمهور بالتسليم مع هذه القرارات، وأن تراخي هذا الشعور يضع اليوم مواصلة تعاون الجمهور موضع الشك. لماذا خمد الشعور بالتهديد؟ من الواضح أن أحد العوامل الأساسية لهذا هو العدد القليل – نسبيًّا - من المصابين حتى الآن. ظاهرة مشابهة لوحظت أيضًا في الهجمات الصاروخية من غزة بدءًا من "الجرف الصلب" مرورًا بجولات التصعيد التي تلتها: نجاح الحماية الفعالة في تخفيف الإصابات بالأرواح خفف من الشعور بالتهديد وولد شعورًا كاذبًا بالأمن. كثيرون من بين الجمهور خرقوا أوامر قيادة الجبهة الداخلية وخرجوا من المناطق المحصّنة للاسترخاء ولمشاهدة المسرحيات (المناظر الجميلة) ونتيجة لهذا تسبب عددًا كبير من الخسائر بالأرواح.

العبرة في الحالة الحالية هي أن الأوامر التي أعطيت لحماية الجمهور لا أمل في تطبيقها إلا في حال كان الجمهور مقتنعًا بأنه موجود تحت الخطر. لهذا السبب مطلوب مؤسسة إعلامية تستند على معطياتٍ واضحة وحجج منطقية، كالمؤسسة الإعلامية الناجحة التي عملت خلال حرب الخليج في العام 1991 بمبادرةٍ ممَّن كان حينها ناطقًا باسم الجيش الإسرائيلي نحمان شاي. من المحتمل أيضًا أن جزءًا من القضم في الشعور بالتهديد نابعٌ ليس فقط من الفجوة بين التوقعات القاسية وبين الواقع، وإنما أيضًا من انتقادٍ لاذعٍ من قبل خبراء ومختصين بحد ذاتهم على قوة التهديد، كالادعاء بأنَّ "الكورونا هذه أنفلونزا مع علاقات عامة"، أو تحليل البروفيسور دورون لنتسات والبروفيسور يتسحاق بن يسرائيل (واينت 16/06/2020) الذي ادّعى أن الزيادة في عدد المصابين لا تعكس الواقع، وأنَّ معظم هؤلاء المحددين بأنهم "مصابون" لا يمكن أن ينقلوا العدوى لآخرين. في حال مدراء الأزمة-رئيس الحكومة، مجلس الأمن القومي ووزارة الصحة -اعتقدوا غير ذلك-فإن صوتهم لن يسمع.

الجمهور في إسرائيل لا يميل لتقبل الانضباط، بتعبيرٍ أخف، لكنه مستعدٌ للاقتناع. إذا اعتقدت الحكومة أنَّ ثمة تهديداً أساسياً - صحي أو أمني - عليها إقناع الجمهور بحججٍ مفصَّلة أكثر من حجج المراقبين، وعبر ناطقين باسمها ثقة أكثر من المراقبين. من الأزمة الحالية يمكن تعلم الأهمية الأساسية لنقل الرسائل من الحكومة، التي تدير الأزمة، للجمهور، الذي يجب أن يصمد في الأزمة. هذه العبرة مناسبة في أزمة صحية، ناهيك عن وجودها في أزمة أمنية كهجومٍ صاروخي واسعٍ على الجبهة الداخلية.

على الرغم الشعور بالهدوء السائد لدى الجمهور الواسع في الوقت الذي كتبت فيه هذه الأمور، الأزمة ما زالت في ذروتها، ولا يوجد أي تأكيد بأن الخطر من كارثة جماعية قد زال. ما زال مبكرًا استخلاص عبرٍ مفصّلة بمستوى سندٍ عالٍ، الكلام في الأعلى هو كما قيل انطباع أولي فقط، ويجب انتظار تطورات الأزمة الحالية وتمنِّي انتهائها سريعًا.

معهد القدس للاستراتيجيا والأمن - عوزي روبين        

ترجمة وإعداد: حسن سليمان

 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد