مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين: "استقبال بن سلمان لنتنياهو تآمرٌ على القضية الفلسطينية وخيانةٌ للأمة الإسلامية وإنهاءٌ للتبني العربي الرسمي لهذه القضية"

العدد رقم 260 التاريخ: 2020-11-27

في ضوء احتدام الصراع الإقليمي والدولي... ليبيا إلى أين؟

توفيق المديني

في ضوء احتدام الصراع الإقليمي والدولي... ليبيا إلى أين؟

قَلَبَ التَدَخُلُ التركيُ العسكريُ القويُ المتكون من فرقاطات على السواحل وطائرات مسيرة والعديد من الضباط الأتراك وآلاف المرتزقة الإرهابيين في شهر نيسان /أبريل الماضي..

المعادلة استراتيجيًا لمصلحة قوات حكومة الوفاق الوطني التي يرأسها فايز السراج، حيث حققت، في الفترة الأخيرة، سلسلة انتصارات في مواجهة قوات اللواء المتقاعد حفتر، أبرزها تحرير كامل الحدود الإدارية للعاصمة طرابلس، ومدينتي ترهونة وبني وليد، وكامل مدن الساحل الغربي، وقاعدة "الوطية" الجوية، وبلدات بالجبل الغربي، وتقدمها للسيطرة على مدينتي سرت والجفرة.

وكانت لهزيمةِ حفتر في طرابلس تأثيراتٌ كبيرةٌ على مشهدِ النزاعِ في ليبيا، إذْ أثار تقدم قوات حكومة الوفاق نحو مدينة سرت ردود فعلٍ غاضبةٍ من جانب الأطراف الإقليمية الداعمة للواء المتقاعد خليفة حفتر، فقد هدَّدَ الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، بتدخلٍ عسكريٍ مباشرٍ لمنع حكومة الوفاق في طرابلس من السيطرة عليها، وهو ما أثار توترًا شديدًا في المنطقة.  فقد وقف السيسي، في إحدى القواعد العسكرية في صحراء مصر الغربية، التي تم تطويرها بأموال إماراتية وخبرات روسية، وعلى بعد أكثر من ألف كيلومتر من مدينتي سرت والجفرة الليبيتين، وأعلن مهدّداً ومتوعداً أنَّ هاتين المدينتين خطٌ أحمر.

لماذا الصراع من أجل السيطرة على سرت والجفرة؟

تُعَدُّ سرت والجفرة مدينتين استراتيجيتين في ليبيا.  فالبعد الاستراتيجي للسيطرة على مدينة سرت مهمٌ لحكومة الوفاق وتركيا، نظرًا لوجود قاعدة بحرية ذات موقعٍ مهمٍ في غرب البحر الأبيض المتوسط، وكذلك الأمر للجفرة، كونها تضم قاعدة جوية مهمة، ناهيك عن أنهما يشكلان نقطتي ارتكاز الهلال النفطي. وتشكل السيطرة على سرت ورقة في غاية الأهمية على الصعيدين الداخلي والدولي، وورقة اقتصادية رابحة، نظرًا لقيمة الهلال النفطي على صعيد إنتاج النفط الليبي وتصديره، حتى على الرغم من تراجع الإنتاج. وورقة ضغط سياسية، تُوَظِفُهَا القوة المنتصرة في الصراع من أجل تحسين شروط العلاقة مع الدول الكبرى، لا سيما دول الاتحاد الأوروبي وشركاتها النفطية التي تفضل النفط الليبي لجودته العالية، وقرب الهلال النفطي من الموانئ الأوروبية.

تريد تركيا السيطرة على ليبيا لحلِّ مشكلة الطاقة (النفط والغاز) لتطوير اقتصادها، حيث تطمح إلى أن تصبح الاقتصاد العاشر في العالم خلال السنوات القادمة، ولكي تتحرّر أيضًا من اعتمادها حاليا، على روسيا في تأمين 60% من احتياجاتها من الطاقة، وعلى إيران بنسبة 20%. وهذا ما دفع تركيا إلى ترسيم الحدود البحرية مع حكومة الوفاق بزعامة السراج من خلال توقيع اتفاقية إقليمية في نهاية نوفمبر 2019، الأمر الذي يحول تركيا إلى قوة بحرية مهمة في المنطقة، بعد أن زادت مساحة منطقتها الاقتصادية الخالصة بنحو 100 ألف كم مربع.

وتُعَدُ المنطقة الساحلية المطلة على البحر المتوسط، والتي صار متعارفًا على اعتبارها منطقة الهلال النفطي في ليبيا، وهي تمتد على شريط ساحلي طوله مئتان وخمسة كيلومترات من مدينة السدرة غربًا إلى طبرق شرقًا، أهم منطقة استراتيجية نفطية في ليبيا، إذ تتمدّد بين مدينتي بنغازي وسرت، على مساحةٍ تقدر بنحو أربعمئة كيلومتر مربع، وتحتوي على كميات كبيرة جداً من النفط، حيث تحتوي ما نسبته 80% من احتياطات ليبيا النفطية. كما أنَّ المنطقة تضم أهم مصافي النفط ومنشآت التكرير، وأهم موانئ تصدير النفط الليبي، الزويتينة، البريقة، رأس لانوف، والسدرة، والأخيران يصنّفان أكبر ميناءين لتصدير النفط في الشرق الأوسط، فميناء السدرة كان يصدر نحو 50% من إجمالي إنتاج ليبيا من النفط الذي كان يتجاوز مليونا و600 ألف برميل يوميا.  ليأتي ميناء رأس لانوف ثانيا بعده. أما ميناء البريقة فيعد منطقة صناعية نفطية.  ويمثل حوض سرت الحوض النفطي الأكبر في الهلال، إذ يضم 80% من احتياطات النفط في ليبيا و19 خزانا بسعة 6 ملايين برميل من النفط.  وتبلغ سعة حقل الزويتينة النفطي (180 كيلومتراً غرب مدينة بنغازي)، نحو ستة ملايين ونصف مليون برميل، لكنَّ عمليات تكرير النفط متوقفة فيه. ويقدر حجم الثروة النفطية في ليبيا بأكثر من 45 مليار برميل من النفط و52 تريليون قدم مكعبة من الغاز، ما يجعلها تحتل المرتبة الأولى في أفريقيا متقدمة على نيجيريا.  

وتبعد سرت نحو ألف كيلومتر عن الحدود المصرية، وتقع في منتصف المسافة تقريباً بين مدينتي طرابلس وبنغازي على ساحل ليبيا على البحر المتوسط (450 كيلومتراً من العاصمة طرابلس و600 كلم من بنغازي)، والسيطرة عليها تُعطي أفضلية للسيطرة على الموانئ النفطية في منطقة الهلال النفطي في الشرق الليبي، التي تضم أكبر مخزون للنفط في البلاد، ويمتد شمالًا إلى مسافة 295 كيلومترًا من مدينة إجدابيا (160 كيلومترًا جنوب بنغازي) إلى مدينة بن جواد (155 كيلومترًا شرق سرت) ويمتد جنوبًا إلى منطقة السرير بمسافة تزيد قليلًا على 800 كيلومتر، وفي منطقة سرت قواعد عسكرية مهمة، مثل قاعدة القرضابية الجوية التي تبعد عن جنوب سرت 16 كيلومتراً، بالإضافة إلى أن سرت غرفة عمليات رئيسة لقوات اللواء المتقاعد، خليفة حفتر، ويعد مطار المدينة وميناؤها من أهم المنافذ الرئيسية في ليبيا على ساحل المتوسط.

أما مدينة الجفرة فتقع فيها قاعدة الجفرة الجوية المهمة، التي تفرض الإمارات سيطرتها عليها، وانطلقت منها عمليات عسكرية عديدة ضد حكومة الوفاق، وتُعد من أكبر القواعد الجوية الليبية، وتتميز ببنيتها التحتية القوية التي تم تحديثها إماراتياً بدعم روسي، لكي تستوعب أحدث الأسلحة والطائرات، وهي أيضاً من غرف العمليات الرئيسية لقوات حفتر. وتبعد الجفرة جغرافياً نحو 650 كيلومتراً جنوب شرقي طرابلس، وهي أحد أهم محاور الربط العسكري بين الشرق والغرب والجنوب.  ومن شأن السيطرة عليها تسهيل السيطرة على نصف مساحة ليبيا تقريباً (مساحة إقليم برقة 855 ألف كم2، من إجمالي مساحة ليبيا 1. 76 مليون كم2).

الأطماع التركية وتبادل السيطرة على الهلال النفطي

تتمثل الاستراتيجية التركية العامة والشاملة في السيطرة على مصادر الطاقة من النفط والغاز في شرق المتوسط، ولا سيما نهمها على النفط الليبي، وضمان التواجد في قاعدة مصراتة البحرية، وقاعدة الوطية الجوية القريبة من الحدود التونسية، إضافة إلى دعم حركات الإخوان المسلمين في دول المغرب العربي، خصوصاً حركة النهضة المسيطرة على السلطة في تونس، بعد أن أصبحت تركيا عنصرًا أساسيًا من عناصر المشهد الجيوسياسي على جميع الأصعدة العسكرية والاقتصادية والسياسية في المنطقة. فتركيا العضو في حلف الناتو، والشريك الأساسي للكيان الصهيوني مستعدة لإعادة إعمار ليبيا، عبر ضخ شركاتها عشرات المليارات من الدولارات

فخلال سنتي 2016 - 2018، شكل استيلاء قوات اللواء خليفة حفتر على أربعة موانئ نفطية في منطقة الهلال النفطي الليبي، الفاصلة بين شرق البلاد وغربها شمالاً، تحولاً استراتيجياً في الصراع السياسي على السلطة. ويقود حفتر، الحليف السابق للقذافي، حرباً في شرق ليبيا، منذ مايو/ أيار2014، تَمَكَّن خلالها من السيطرة على قطاعات من بنغازي ومناطق أخرى، لكنَّه لم يتوصل إلى نتائج كبيرة مقارنة بطول فترة الحرب التي لم تتوقف بعد.  

وفي المقابل، توجد القوات الموالية للمجلس الرئاسي الذي يترأسه فايز السراج في المدن الواقعة غرب ليبيا، لكن حفتر ومُوَالِيهِ السياسيين في البرلمان لا يعترفون بحكومة الوفاق الوطني في طرابلس، ويعدون القوات الموالية لها "مليشيات إرهابية"، إذ تمّ منع أي تصويت برلماني في الشرق لمنح الثقة لحكومة الوفاق مع تحدّي اتفاق الصخيرات الذي تم بوساطة الأمم المتحدة لتوحيد ليبيا.  

على الصعيد الإقليمي، يحظى حفتر بدعم قوي من مصر والإمارات المناهضتين لتنظيم الإخوان المسلمين، حيث يرى الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في مقاربته للأزمة الليبية، أن لديه ثلاثة ثوابت في المشهد الليبي: ضمان مكانة معتبرة لحفتر، وتقليص نفوذ "الإخوان المسلمين" في حكومة الوفاق ولجنة المصالحة الوطنية، والاعتماد على جيش حفتر فقط في تأمين الحدود الليبية، والاعتداد به جيشاً وطنياً للبلاد.  

إلى أين يتجه الصراع في ليبيا؟

أين يتجه الصراع في ليبيا، في ضوء التداعياتِ السياسيةِ لهزيمةِ حفتر في طرابلس، إِذْ من المرجّحِ أن يترتبَ على ذلك إعادة تنظيمٍ واسعة النطاقِ للولاءاتِ والتحالفاتِ.  وعلى الرغمِ من دعمِ تركيا وروسيا لطرفين ليبيين متعارضين، إلا أنّهما قادرتانِ على الاتفاقِ –على النقيضِ من الداعمين الأجانب الآخرين لحفتر، أي مصر والإمارات العربية المتحدة، اللذين يعارضان بشدة التدخلَ التركي في ليبيا.  وهذا يثيرُ إمكانيةَ التوصلِ إلى اتفاق تركي-روسي لتقسيمِ ليبيا إلى مناطقِ نفوذٍ، وتهميشِ القوى الأجنبية الأخرى.

ويرى الخبراء الملمون بالشأن الليبي، أنَ أي اتفاق تركي-روسي سيهمش الداعمين الآخرين لحفتر –الإمارات العربية المتحدة ومصر وفرنسا- ويقوّي تركيا، التي تعارضُ الدول الثلاث السابقة سياساتها الإقليمية.  وما مبادرةُ وقفِ إطلاقِ النار التي قدمتها مصر في 6 حزيران/يونيو 2020 إلا محاولة لاستعادةِ أهميتها وإحباط صفقة تركية-روسية.

 وتسعى الدبلوماسية الأمريكية في إطار استعادة زخم مسار مؤتمر برلين، وإطلاق الجولة الثالثة من المفاوضات الليبية - الليبية القائمة في إطار اللجنة العسكرية المشتركة 5+5، بهدف التوصل إلى اتفاق رسمي وشامل ودائم لوقف إطلاق النار تحت رعاية الأمم المتحدة.

ويبدو أنَّ قلق واشنطن من تحرّكات موسكو يتصاعد. وليس بلا معنى تصريح قائد القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، الجنرال ستيفن تاونسند، أواخر الشهر الماضي (مايو/ أيار) أن روسيا تسعى إلى قلب الميزان لصالحها في ليبيا، كما فعلت في سورية. وغير بعيد من ذلك تصريح المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، جوناثان هوفمان، أنَّ الطائرات المقاتلة التي أرسلتها روسيا لدعم حفتر، تمركزت في قاعدة الجفرة وسط ليبيا، وعددها 14 مقاتلة، وهي مزيج من "سوخوي 24"، و"ميغ 29".

وبعد انهيار نظام العقيد القذافي في ليبيا خريف 2011، ووصول "الإخوان المسلمين " إلى السلطة في مصرفي سنة 2012، أصبحت ليبيا بؤرة تجمع لكل الجماعات الإرهابية التي خرجت من عباءة تنظيم "الإخوان المسلمين"، حتى أنها كانت في ذلك الوقت نقطة التجمع لإرهابيي "داعش" من الجزيرة العربية، وبلدان المغرب العربي، خاصة تونس، في طريقهم إلى سورية والعراق، عبر تركيا، وبتمويل قطري. وحين انتهى دور "داعش" في شمال الهلال الخصيب، أعادت تركيا هؤلاء الإرهابيين إلى إفريقيا عبر ليبيا.

بعيدًا عن صراع المحاور الإقليمية المتقابلة، يظل الدور المحوري والأساسي لحل الأزمة الليبية وإنهاء الصراع العسكري، يكمن في أهمية التنسيق بين دول الجوار الليبي (تونس والجزائر ومصر) فيما بينها، ذلك أنَّ التسوية السياسية بين جميع الليبيين بمختلف انتماءاتهم هي الحل الوحيد لعودة الأمن والاستقرار إليها والقضاء على الإرهاب، أما التصعيد العسكري الخارجي، فهو يفاقم الوضع المتأزم في ليبيا ويهدد أمن واستقرار المنطقة ككل بما فيها البحر المتوسط.

وكان لافتًا في هذا الصدد، موقف الرئيس التونسي قيس سعيّد خلال زيارته الأخيرة لفرنسا ولقاء رئيسها ماكرون إنه "يجب على الليبيين وضع دستور مؤقت، على غرار الدستور الذي جرى وضعه في أفغانستان سنة 2020، كما أنه رأى أنَّ الشرعية الدولية في ليبيا هي شرعية مؤقتة" ولن تدوم، مؤكدًا أنَّ تونس من أكثر الدول تضررًا مما يحدث في ليبيا. وكرَّرَ سعيَّد مرارًا ملف "القبائل" في ليبيا وأهمية الاعتماد عليهم في حلِّ الأزمة الليبية، بل والتقى من قبل بأعيان وحكماء عدة قبائل ليبية في تونس.  

وفي الواقع الليبي، لا يمكن تجاهل أو تجاوز القبائل، فهي تشكل البنية المجتمعية المهيمنة، وهي بإمكانها لعب دور مؤسساتي في ليبيا. فإشراك القبائل في التسوية السياسية يمكن أن يكون منطلقًا مجتمعيًا لإيجاد حلٍ قانونيًّ وسياسيٍّ على قاعدة تجميع القبائل لتتحمل مسؤولية تاريخية في إيجاد تسوية سياسية للأزمة الليبية.

وعلى الرغم من الانتقادات الكثيرة لموقف الرئيس سعيّد من قبل أطراف ليبية مؤيدة لحكومة الوفاق، فَإِنَّ ما قاله في "فرنسا" حول ليبيا يمثل وجهة نظر أخرى حول الحل في ليبيا، وتصريحه بأن شرعية "الوفاق" مؤقتة يعتبر صحيحًا لأنَّ هذه الحكومة تستند في شرعيتها على اتفاق "الصخيرات" ولا تستند على شرعية الصندوق واختيار الشعب.

توفيق المديني

 

إخترنا لكم من العدد