مجلة البلاد الإلكترونية

التجمع ينوّه ببدء رئيس الحكومة حسان دياب باستطلاع الوضع للتوجه شرقاً

العدد رقم 239 التاريخ: 2020-07-04

جدلية الاسم والمسمى

غسان عبد الله

هامش ثقافي

جدلية الاسم والمسمى

يروى أن ملكاً مصرياً أراد أن يعرف أي الشعوب أقدم لغةً فعَزَلَ ولَدَيْن ووضعهما في رقابةٍ مشددةٍ تعطيهما الطعامَ دون كلامٍ لتصغي إلى أول ما ينطقون به فإذا بهم يتلفظون أول ما يتلفظون كلمة جديدة غريبة عنوا بها (الخبز)!!..

إنَّ لهذه الحكاية - إن صحّت - دلالةً على تزوّد الموجوداتِ بالأسماء فليس ثمة شيء لا يحملُ اسماً.

ولقد ذهب علماءُ اللغةِ إلى أن الاسمَ اشتُقَّ من الوسْمِ أي العلامة، أما البعضُ منهم فقد ذهب إلى أن الاسمَ مشتقٌّ من السموِّ أي الرفعة.

وللاسم علاقةٌ قد تكون خفيةً أو جليةً بالمسمى، وبمعنىً آخر للمسمى علاقة بالاسم!!.. فكلاهما يعطي للآخر دفقاً من بعضِ معانيه أو ظلالها أو ما يعاكسها في الضد.. وهذا ما يُسمَّى عرفاً (اسم على مسمى) أو (اسم على غير مسمى). فعلاقةُ الاسمِ مع المسمى علاقةٌ حتميةٌ بحيث لا ينفكُّ اللّفظُ (الاسم) عن مدلولِهِ (المسمى) وقد تتفق الهيئةُ الاجتماعيةُ على إطلاق اسمٍ على مسمّىً ما فيكون للمسمى صلةٌ باسمهِ من ناحية الاتحادِ أو التّضادِ ولا أريدُ أن ابحث هنا في مسألة أيهما وُجِدَ قبلاً: الاسم أو المسمى؟!.. لأن ثمة مشكلة سوف تظهر تضارع (تشابه) مشكلة بيزنطة الشهيرة والتي تقول: أيهما وُجِدَ قبلاً (البيضة أم الدجاجة)!!.

يرى غير واحدٍ من الباحثين أن اللغةَ كالكائنِ الحيِّ تشيخُ وتموتُ ولكن ثمّةَ لغات قد حافظتْ على ديمومتِها نتيجةَ ما استوعبَتْهُ من مستحدثاتٍ جديدةٍ عصريةٍ من خلالِ الاشتقاقاتِ المنطقيةِ في أصلِ تكوينِها فثمّةَ لغاتٌ ماتتْ وأخرى وُلِدَتْ وثالثة تطوّرتْ، نجد أن بعض أسماء اللغات الحية قد ماتت واندثرت ولقد ولدت أسماء أخرى ولم تكن بالحسبان وهكذا دواليك..

لو رجعنا إلى التراث التاريخي والديني والأدبي لوجدنا أن العرب في زمن ما قبل الإسلام كانوا يسمون أولادهم بأسماء تدل على القسوةِ والهيبةِ والعلوِّ مثل (حرب /شداد) وغيرها لما تدل عليه هذه الأسماء من رهبة وخوف للمتلقي فلها تأثيرات اجتماعية ونفسية كبيرة بالمقابل قد نجد أن الأسماء الخاصة بخدمهم تدل على اللين والضعف والرقة مثل (ربيع / نسيم) وغيرها.. ولقد غير الرسول (ص) بعض أسماء الصحابة لقبحها واستبدلها بأسماء حسنة وأوصى الناس بأن يحسنوا في تسمية أولادهم.

ويروى أن عبد المطلب جد الرسول(ص) قد سأل عن اسم المرأة التي سترضع حفيده فقالوا له (حليمة السعدية) فتبسم وقال: (حلم وسعد). أما في القرآن الكريم فالعلاقة غير اعتباطية فمثلاً قوله تعالى (يا زكريا إنا نبشِّرُكَ بغلامٍ اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميّا) نجد أن اسم يحيى لم يأت جزافاً بل قَصَدَ إليه قصداً لأن الله تعالى قد أحيا بــ(يحيى) ذِكرَ زكريا وذكرَ تعاليمِهِ الدينية.

ولربما يتنافرُ الاسمُ والمسمّى وربما يتلاقيانِ في بدءِ التصاقِهِم أو في وسَطِهِ أو خاتمتِهِ. وقد كَتَبَ بعضُ الناسِ من حيثُ يدرونَ أو لا يدرون تسميةَ (الصدق) (التساهل) (الأنصاف) (العافية)... الخ على أبواب رزقهم من مطعم أو فرن خبز أو بقالة أو مكتب، وربما تجد صدقاً وتساهلاً وإنصافاً وعافية في المحال التجارية التي تحمل هذه الأسماء وقد لا تجد وإنما هي تنفيس لاواعي لقيم أصيلة قد فقدت من المجتمع فعوضت بالأسماء.

عندما تلقي نظرة فاحصة على بعض أبطال الروايات والمسرحيات العالمية نجد أن أسماء أبطال هذه الأعمال قد حملت ترميزاً معيناً فمثلاً (بروتوس) الذي طعن قيصر تلك الطعنة القاتلة وهو صديقه قبل موته مخاطباً القيصر له (حتى أنت يا بروتوس)!! واسم (بروتوس) يعني في اللغة الانجلوسكسونية القديمة (المتوحش)!!.. فلنتأمل إذاً..

ولا بد لنا أن نتساءل هل صحت المقولة الشهيرة... التي تقول: اسمك عنوانك؟. وماذا لو تأملنا قليلاً بما يعنيه نصر الله الاسم على نصر الله المسمى بتموز؟؟؟.

غسان عبد الله

 

 

 

إخترنا لكم من العدد