مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين: ننوه بسياسة الصمت الاستراتيجي الذي تعتمده المقاومة

العدد رقم 243 التاريخ: 2020-07-31

أزمات مصر الإستراتيجية: المدلولات على إسرائيل

أزمات مصر الإستراتيجية: المدلولات على إسرائيل

يواجه النظام المصري في الآونة الأخيرة مجموعة تحدّيات من الدرجة الأولى. على إسرائيل، التي لديها مصلحة حيوية في استقرار أكبر جاراتها، تقديم المساعدة (انطلاقاً من إدراك محدودية قوتها وتأثيرها) في كل جانب ممكن في الساحة السياسية (مع الولايات المتحدة ومقابل الاتحاد الأوروبي)، في جوانب أمنية ومجالات الصحة والمياه.

ضربات أليمة؟

خلال الأشهر الأخيرة واجه نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي في مصر مجموعة تطوّرات سلبية ليست في الواقع نتيجة أعماله أو إهماله، لكن قد يكون لديها تأثير كبير على الوضع الاستراتيجي، الاقتصادي والاجتماعي لمصر. الأثر المتراكم، على الرغم من أنه لم يسفر حتى الآن عن تأرجحات سياسية ملحوظة، يخفي في طياته إمكانية عالية لزعزعة الاستقرار، بعد فترة كان يستطيع خلالها نظام السيسي التنويه بإنجازات محددة. كل هذا، في حين يتزايد أيضاً احتمال تصعيد المواجهات بين مصر وبين تركيا، من جهة، وبين أثيوبيا، من جهة أخرى، الذي قد يخلق أثرا تعبويا لصالح النظام، لكن أيضا يضعه أمام صعوبات على المستوى الاستراتيجي.

وباء الكورونا: في نهاية شهر أيار بلغ عدد الوفيات في مصر ألف حالة، إذا صدقت المعطيات الرسمية، التي يعترض عليها البعض. هذا عدد قليل جدا بالنسبة لعدد السكان (1 للمائة ألف)، حتى بالمقارنة مع إسرائيل (3)، ناهيك عن الولايات المتحدة ودول شمال البحر المتوسط - ايطاليا، اسبانيا وفرنسا - (أكثر من 30 للمائة ألف)، من جملة أمور نتيجة العمر الشاب للمجتمع المصري (هذا على ما يبدو أيضا تفسير نسب عدد الوفيات المنخفض في الدول العربية الأخرى). في الوقت ذاته، وتيرة العدوى ترتفع منذ مطلع شهر أيار على نحو أسّي، على الرغم من المساعي - بما في ذلك فرض الإغلاق في شهر رمضان - من الصعب جداً السيطرة عليه، في مدن مصر المكتظة مع عدد سكانها الضخم.

ضربة قاسية (إضافية) لقطاع السياحة: بعد سنوات ضائقة متواصلة في أعقاب ثورة 2011 عاد قطاع السياحة المصري لمراكمة الزخم، ووصل عام 2019 إلى حجم أكثر من 13 مليون سائح (لا زال اقل بعض الشيء من العام 2010)؛ باحتساب شامل للسياحة والرحلات، تتعلق المسألة بمساهمة حوالي 30 مليار دولار للاقتصاد المصري، قرابة 12% من الناتج، وتشغيل حوالي مليوني ونصف عامل، قرابة عُشر المرفق. كل هذا تلقف ضربة من الصعب احتساب كامل حجمها مع انهيار فرع السياحة في العالم كله منذ آذار 2020. تداعيات تراجع هذا المجال، بعد استثمار ميزانيات ضخمة في تحسين البنية التحتية السياحية في مصر، بعيدة من أن تكون واضحة تماما، لكنها تتضمن ضرراً كبيراً على حجم مداخيل الدولة بالعملة الصعبة.

قناة السويس: التباطؤ العالمي سيقلّ بصورة ملحوظة أيضا من مداخيل معبر البضائع في القناة، وهذا بعد الاستثمار الضخم لإدارة السيسي في توسيعها كمشروع علم قومي.

استهداف محتمل للمساعدة: مصدر إضافي للعملة الأجنبية للاقتصاد المصري في السنوات الأخيرة كان أموال المساعدة لدول الخليج- الإمارات المتحدة والسعودية- التي رأت في نظام السيسي حليفا استراتيجيا وفكريا، رحّبت بإبعاد "الإخوان المسلمين" عن السلطة ووضعت تحت تصرف مصر، بعد العام 2013، مساعدة مالية مباشرة، خطوط اعتماد وإمدادات طاقة مدعومة. كل هذه الأمور تطرح الآن علامات استفهام عقب الهبوط الحاد في أسعار الطاقة وتأثيره على اقتصاد الدول المصدرة للنفط. في الموازاة، يُرتقب أيضاً حصول هبوط في حجم أموال التحويلات (remittances) لعمال أجانب مصريين في تلك الدول إلى ذويهم، الذين خدموا بدورهم كمصدر دخل للعملة الصعبة للنظام المصري.

أسعار الغاز: الانخفاض الحاد في أسعار الطاقة، والغاز بشكل عام، بعد الأزمة الاقتصادية العالمية التي أحدثها الوباء، تضر ليس فقط بتوقّع المداخيل المباشر لمصر من مواردها القائمة، إنما أيضاً بفرص تجنيد استثمارات وحثّ مشاريع بنى تحتية كبرى - مثل إمكانية مدّ أنابيب غاز مشترك مصري، قبرصي وإسرائيلي إلى أوروبا - التي كان من المفترض أن ترفع مساهمة ملحوظة لإنقاذ مصر من محنتها. حتى استخدام منشآت الإسالة، المعطّلة منذ وقت بعيد، قد يبدو غير مجديا في حال تم تعويم السوق العالمي بطاقة رخيصة.

الإرهاب في سيناء لم يُهزم نهائيا: رغم انجازات مهمة في القتال في السنوات الأخيرة، خلايا الإرهاب - لا سيما تلك المحسوبة على "ولاية سيناء" التابعة لداعش، التي تواصل نشاطها حتى بعد تصفية معاقل "الدولة الإسلامية" في سوريا والعراق ومقتل "أبو بكر البغدادي" - لا زالت ناشطة وتجبي ثمنا دمويا من القوات المصرية (في مطلع أيار قُتل عشرة جنود جراء عبوة جانبية على مقربة من بئر العبد شمال سيناء) ومن المجتمع المدني. لذلك تداعيات اقتصادية أيضاً - كلفة التواجد العسكري المتواصل - إلى جانب صعوبات إضافية (مثل الحاجة للحصول مرارا على إذن إسرائيل لنشر قوات خارج عن قاعدة اتفاق السلام).

الوضع تفاقم في ليبيا، من وجهة نظر مصرية: في 18 أيار 2020 تم احتلال قاعدة سلاح الجو "الواطية"، جنوب غرب طرابلس، من قبل قوات "حكومة التوافق" (GNA) المدعومة من قبل تركيا، من أيدي "الجيش القومي الليبي" (LNA) التابع لخليفة حفتر المدعوم من قبل مصر، الإمارات المتحدة وروسيا. نتيجة لذلك انسحبت قوات LNA من ضواحي العاصمة طرابلس، وأزيل عمليا الحصار الذي فُرض عليها منذ نيسان 2019. على المستوى الاستراتيجي هذه ضربة قاسية لمصر، التي ترى في GNA تهديدا نتيجة تأثير عناصر "الإخوان المسلمين" في صفوفه، وليس أقل من ذلك هي تواجه تهديدا لاذعا من قبل أردوغان لتقسيم المياه الاقتصادية شرق البحر المتوسط بطريقة تعزل مصر (كما قبرص وإسرائيل) عن شراكتها في EMGF (منتدى الغاز في شرق البحر المتوسط)، اليونان وإيطاليا. أردوغان، الذي دعم بشكل علني نظام محمد مرسي في مصر، يرى في السيسي "غاصب للسلطة" غير شرعي، وتعاظم التأثير التركي في المنطقة هو إذا تهديد خطير على مستقبل النظام المصري. لإخفاق الحصار على طرابلس تأثير ثانوي نسبيا، لكن في حال استمر انهيار قوات حفتر- وتمركز حضور مدعوم من قبل تركيا أيضا قرابة الحدود المصرية - ستتفاقم إلى حد كبير الانعكاسات حتى على الاستقرار في مصر.

أثيوبيا تعتزم البدء بتشغيل "سدّ النهضة": حكومة أثيوبيا أوضحت مراراً في الآونة الأخيرة أنها ستبدأ في تموز 2020 ملء خزان "سد النهضة الكبير في أثيوبيا" (GERD) على النيل الأزرق، الذي تشكّل مياهه حوالي 85% من مجمل مياه النيل التي تصل إلى مصر، وانتقدت بشدة تصريحات "بلا وازع" لمسؤولين كبار في مصر تطرقوا إلى احتمال استخدام القوة. في وقت متزامن، هي تنظر إلى استعداد مصر للعودة إلى طاولة المفاوضات الثلاثية (مع السودان) للتوصل إلى تسوية حول وتيرة ملء الخزان، أي، تحديد متفق عليه للكمية التي ستقلل سعة النيل في منحدر النهر. في مصر اعتبرت هذه المسألة، التي تطال تشكيل - الأنا - السياسي والاقتصادي الأبرز لديها منذ سالف الزمان، ذات دلالة وجودية. مصر تدرس احتمال المعارضة بوسائل عسكرية، خطوة تتطلب مسعى جوي كبير (وباهظ) ومستوى مجازفة مرتفع.

إذا أضفنا إلى القائمة الفقر والعبء الديموغرافي، الفساد الحكومي المستوطن والتوتر مع واشنطن وبروكسل بخصوص قضايا مرتبطة بقمع سياسي وحقوق الإنسان، في الواقع هذه القائمة من الضربات الأليمة (وبشكل خاص جوانبها الاقتصادية) تضع - حتى إن لم يكن في المدى المباشر - تحدياً لقدرات النظام للعودة إلى مسار الازدهار الاقتصادي، إرساء النظام الاجتماعي والحفاظ على الاستقرار السياسي. كما أسلفنا، غليان من الداخل في أوج توتر استراتيجي مرتفع - مع تركيا وأثيوبيا على حد سواء - قد يؤدي في الحقيقة إلى تأجيج مشاعر قومية، إنما أيضا إلى مستوى مخاطرة مرتفع.

ماذا تستطيع أن تفعل إسرائيل؟

الإجابة المختصرة والمطلوبة عن هذا السؤال هي: ليس الكثير. تقديم استجابة - ولو جزئية - للأزمات الاقتصادية، الاجتماعية، الحكومية والإستراتيجية لدولة تعدّ مائة مليون مواطن يفوق قدرات إسرائيل ومدى تأثيرها. في وقت متزامن، تتعلق المسألة بمصلحة قومية حيوية. إسرائيل اعتادت على واقع أربعين سنة وأكثر ساد خلالها السلام مع كبرى جاراتها. تغييرات خطيرة في مصر قد تتطلب تغيير بعيد المدى في جدول الأولويات القومي، في الاستعداد الأمني والسياسي لإسرائيل، وحتى في نمط حياتنا وقدرتنا على الصمود في محيط معادي.

من هنا ضرورة استنزاف أي قناة عمل ممكنة بغية المساعدة، في القضايا المهمة حقيقة لمصر، وفي غضون ذلك الحرص على أن تكون الزعامة المصرية على الأقل، وأحيانا المجتمع، مدركون لذلك. من بين الخطوات المطلوبة يتم التشديد على:

• تعزيز المساعي أمام الإدارة والكونغرس في واشنطن لضمان استمرار الالتزام الاستراتيجي لاستقرار مصر (كما أيضاً لرزمة المساعدة، وأكثر من ذلك لتحفيز استثمارات). انتقاد انتهاك حقوق الإنسان هو أمر شرعي وجدير سوف تصغي الزعامة المصرية له، لكن البديل - حالة فوضى وعنف، أو توطد حكم إسلامي - أكثر خطورة. يجب كذلك نقل للإدارة الأمريكية (وأعضاء أساسيين في الكونغرس)، بمساعدة الجماعات الـ "هلينية" في الولايات المتحدة (من أصول يونانية وقبرصية، لديهم أهمية كبرى والتزام عميق للصراع ضد الهيمنة التركية)، مفهوم وإدراك لأي درجة الحلف بين أردوغان ونظام الـ GNA يعتبر خطيراً، سواء حيال مصر (وحيالنا) أم حيال المصالح الأمريكية.

• مسعى مشترك، بعمل جبار ومنسّق، إلى جانب دول شرق البحر المتوسط، بالتشديد على اليونان وقبرص، هدفه اتخاذ موقف مماثل- طلب تنازل تركي عن المطالبة بالمياه الإقليمية في الشرق الأوسط- حتى أمام أجهزة الاتحاد الأوروبي، التي أعربت عن رأيها أن "الخارطة" التي رسمها أردوغان والـ  GNAمرفوضة.

• طرح موضوع الهيمنة التركية وتأكيد أهميته (التي من المؤكد أنها معروفة لديهم جيدا) حتى في علاقات إسرائيل مع دول الخليج الرائدة.

• تدخل، حتى إن كان غير مباشر، في خلق مفهوم لدى واشنطن أن ليس كل استثمار صيني في منطقتنا يجب أن يعتبر بمعنى ربح طرف يعادل خسارة للطرف الآخر- والمساعدة الصينية لمشاريع قومية في مصر، مثل العاصمة الإدارية الجديدة، تعتبر مهمة لاستقرار النظام في الحقبة الصعبة التي تنتظرنا. إلى جانب ذلك، من المهم أيضا توضيح للمصريين أنفسهم أن الأجواء في الولايات المتحدة تلزمهم التصرف بحذر، والسعي للتوصل إلى تفاهمات بخصوص العلاقات مع الصين.

• استمرار التعاون الأمني والاستخباراتي، الذي من المستحسن عدم تفصيل عناصره.

• إيجاد مسارات لنقل مساعدة طبية في حال لزم الأمر. مقابل معارضة "التطبيع" يمكن إقامة مسارات غير مباشرة عبر اليونان وقبرص.

• بالأسلوب ذاته، تستطيع إسرائيل المساهمة بشكل مهم - من خلال تجربتها الاستثنائية كرائدة في هذا المجال في العالم - في كل ما يتعلق بإدارة حكيمة لمرفق المياه، إذا ما تبيّن فعلياً استهداف حقيقي لجريان مياه النيل.

بالنسبة للقضية الفلسطينية وتنفيذ مكوّنات "خطة ترامب"، عدم ردّ إسرائيلي قصير المدى على الضغوط العربية والدولية - التي يتم تجنيدها حاليا من كل صوب - هو الذي سيمنح مكانة لمصر (التي ستُدفع إلى أطراف المعركة). في الواقع خطوة إسرائيلية مبادرة - هدفها إعطاء هيبة لمصر كمن تلعب دور يربط بين الولايات المتحدة وإسرائيل وبين الفلسطينيين، وتحقق لصالحهم مكاسب ملموسة - من شأنه نفع المصلحة المصرية في إطار تطبيق الخطة. الأمر يتطلب استعداد، في أقرب وقت ممكن، لإدارة حوار حكيم بين إسرائيل ومصر على مستوى رفيع من أجل بلورة مخطط عمل ينفع الأطراف الثلاثة. في المقابل، استمرار المعارضة اللاذعة من قبل جهات في العالم العربي ضد خطة ترامب لن تجدي نفعا لإحراز مساعدة من الولايات المتحدة.

يجب أن نوضح للمصريين أن خطة ترامب تنطوي على مخاطر أيضا- ربما الإمكانية الوحيدة لإخراج حماس من غزة، وإثبات في غضون ذلك أيضا أن ليس لدى نظام أردوغان فيتو على التطورات السياسية.

معهد القدس للإستراتيجية والأمن - العقيد في الاحتياط الدكتور عرن لرمن نائب رئيس معهد القدس للإستراتيجية والأمن

ترجمة وإعداد: حسن سليمان

 

 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد