مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين: ننوه بسياسة الصمت الاستراتيجي الذي تعتمده المقاومة

العدد رقم 243 التاريخ: 2020-07-31

حتى في حرب لبنان الأولى أرادوا "استغلال فرصة تاريخية" لتبرير استخدام القوة

حتى في حرب لبنان الأولى أرادوا "استغلال فرصة تاريخية" لتبرير استخدام القوة

يُكثِرُ صحافيون ومؤرِّخون من الحديث عن فرصة تاريخية. ومن حين لآخر تصدر أيضاً أصوات سياسيين ورؤساء دول يريدون الدفع نحو تطبيق أجندة سياسية أو أيديولوجية يوجد لها سيطرة على الجمهور، لكنها موضع خلاف وتكثر فيها بالشكوك.

حينها، وفي لحظة معينة يستلّون الكلمة السحرية "فرصة تاريخية" من أجل ترجيح الكفة في النقاش العام وتمهيد الأرض لخطوة سياسية أو عسكرية مشكوك فيها. ومثال على ذلك نجده في النقاش العام الذي جرى حول خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والتي تشمل مواقف أمريكية تتعلق بضم 30% من أراضي الضفة الغربية. هذه الخطة تم تبنيها بشكل حماسي من قبل حكومة نتنياهو وبني غانتس، وتم وصفها بالفرصة التاريخية التي لن تتكرر، والتي لم يتح مثيلاً لها في تاريخ شعب إسرائيل والصهيونية.

لكن الحديث عن فرصة تاريخية هو دائماً حديث فارغ. يستخدمون شعار "فرصة تاريخية" قبل كل شيء من أجل تبرير استخدام القوة أو استخدام قوة الطرف الذي يحظى بأفضلية في القوة. ولكن في الواقع التاريخي المعقد في كل نزاع وفي أي وقت فان أي طرف لا يستطيع أن يثق بأفضلية القوة المطلقة. في الواقع يوجد ائتلافات لقوى اساس وجودها دائما هو الحاجة للدفاع ازاء جهة تدميرية. وفي مواجهة قوة كهذه فان النصر هو إلى جانب الائتلافات الكبرى. ائتلاف دول اوروبا بقيادة بريطانيا هو الذي هزم نابليون في نهاية الامر. والائتلاف الكبير لدول الغرب والاتحاد السوفييتي هو الذي هزم هتلر.

 ائتلافات القوة لا تخلق بالإكراه والصمغ الذي يربطها هو قبل كل شيء المصلحة في منع سيطرة قوة فظة واستبدادية على جميع الآخرين في المنطقة. ولكنها لا تستطيع أن تتأسس على رؤية القوة فقط، بل العكس، على رؤية قيمية من الوجود المشترك، وعلى ضمانة متبادلة وعلى قواعد سلوك تحدد درجة الشرعية في استخدام القوة. هذه الامور اتضحت في العهد القديم. روما بنت في حينه قوتها على اساس استعدادها للوقوف دائماً على رأس ائتلاف من مدن – دول مهددة، التي توجهت اليها لطلب المساعدة من اجل صد محاولة سيطرة قوة بلطجية، محلية أو اجنبية. التوجه لروما تم لأنها تبنت مبدأ يقول بأنها لن تبادر في أي يوم إلى حرب احتلال، لكن في نفس الوقت هي ستصد كل مصدر عدواني يحاول السيطرة على الفضاء الموجود فيما حولها.

انجلترا في العصر الحديث بنت قوتها على مبدأ مشابه، عندما بعد حرب المئة عام مع فرنسا في القرن الخامس عشر، أخذ الانجليز على عاتقهم الخط الذي يقول بأن انجلترا لن تشن في يوم من الأيام حرب احتلال في أوروبا، لكنها أيضاً لن تسمح لأي جهة اخرى بالسيطرة بالقوة على أوروبا. النتيجة المحتمة كانت أن انجلترا تحولت إلى زعيمة كل الائتلافات التي صدت محاولات السيطرة على أوروبا، سواء من جانب الفرنسيين في القرن الثامن عشر والتاسع عشر أو من جانب الالمان في القرن العشرين.

إن محاولة مقارنة الفرصة التاريخية بتطبيق سياسة القوة هي دائماً أمر كاذب يؤدي إلى الفشل. وهي قائمة على تقليص أفق التطور المحتمل من خلال تجاهل العوامل الاخرى المتداخلة في أي مواجهة للقوة، والتي يوجد فيها ما من شأنه أن يحسم مصير المعركة، أو على الاقل أن يؤثر عميقا على نتائجها. اضافة إلى ذلك، هي تميل دائما إلى تقييم خاطئ لعلاقات القوة.

في النقاش الذي جرى في القيادة الصهيونية بعد نشر الكتاب الابيض في 1939، هل يجب البدء بنضال عنيف ضد سياسة بريطانيا الجديدة، قال دافيد بن غوريون وبحق بأنه يجب عدم تقدير احتمالات الصراع حسب علاقات القوة البسيطة والعلنية بين بريطانيا العظمى وبين الصهيونية والاستيطان اليهودي، بل حسب السؤال كم ستكون الصهيونية مستعدة للاستثمار في هذا الصراع، الذي هو صراع على بؤبؤ عينها، وكم ستكون بريطانيا مستعدة للاستثمار في صراع على موضوع هو من ناحيتها هامشي ولا يعرض مستقبلها للخطر.

بالطبع لم يكن أي أحد قادراً على أن يضمن بأنه يقدر بصورة صحيحة درجة الأهمية التي توليها بريطانيا، ليس فقط لسيطرتها المحددة على أرض إسرائيل، بل لمجمل مصالحها وعلاقاتها في الشرق الأوسط العربي والإسلامي، وكذلك لمكانتها الدولية. بن غوريون افترض على سبيل المثال بأن البريطانيين لن يتجرأوا على استخدام قوة مباشرة لقمع حركة التمرد العبري، لهذا فإن الضربة التي وجهها البريطانيون لليشوف في يوم "السبت الأسود" في حزيران 1946 شلتها تماماً وأدت إلى وقف فوري للنضال العنيف وإلى نقل أساس الجهد الصهيوني إلى الخطوط السياسية.

مسألة علاقات القوة حسب النموذج الذي طرحه بن غوريون وضعت تحت اختبار صارم في حرب فيتنام في ستينيات القرن الماضي. في هذه الحرب قتل أكثر من مليون جندي من شمال فيتنام ونحو 2 مليون مدني مقابل ما يقارب 60 ألف جندي أمريكي. ولكن الجمهور الأمريكي لم يكن مستعداً لتحمل هذه الخسائر في حرب ليست على الوطن، ومن البداية كانت حرب مختلف عليها. المعارضة الداخلية ازدادت وفي نهاية المطاف أُجبرت الإدارة الأمريكية على التراجع ومغادرة الساحة.

إسرائيل وجدت نفسها في وضع مشابه في حرب لبنان الأولى. هذه الحرب بدأت في 1982 بالتطلع إلى استغلال "فرصة تاريخية" للقضاء على التنظيمات الفلسطينية التي تحصّنت في لبنان، وإقامة نظام جديد في لبنان تحت سيطرة الأقلية المسيحية. هذه العملية التي تمت المبادرة إليها سرعان ما تعقّدت وحبست الجيش الإسرائيلي في قطاع أمني ضيّق في جنوب لبنان من العام 1985 حتى العام 2000. في بداية العملية شهدت إسرائيل نجاحاً عندما طردت منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان؛ لكن مكان التنظيمات الإرهابية الفلسطينية احتلته منظمة المقاومة المحلية الجديدة حزب الله، التي تبين مع مرور الوقت بأنها تشكّل مصدر إزعاج وتهديد أكثر خطورة من منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الرأي العام الإسرائيلي الذي في البداية دعم بحماسة عملية سلامة الجليل التي بدأت بها حرب لبنان، تغير المزاج العام إلى خيبة أمل ومعارضة متزايدة لاستمرار وجود الجيش الإسرائيلي في لبنان، بالأساس إزاء عدد الخسائر الذي تسببت به هذه المغامرة.

الفشل الذريع الذي يسمى حرب لبنان الاولى مثل بصورة واضحة إلى أي درجة مفهوم "الفرصة التاريخية" هو مفهوم فارغ. التاريخ مبني من تطورات وعمليات، التي في معظمها تتكون من أحداث مرتبطة ببعضها، من خلال منطق التطور التاريخي. قليلة هي العمليات المبادر إليها التي تشذ عن الخط، ومنها يسمع بشكل عام الاعلان عن الفرصة التاريخية. ولكن العملية التي لا تستطيع معرفة ماذا ستكون نتائجها لا يمكن اعتبارها فرصة، بالأحرى عملية مثل الضم المبادر إليه في أراضي الضفة، الذي كل نتائجه في المدى المنظور وبعده ستكون نتائج كارثية من ناحية إسرائيل والمجتمع الإسرائيلي.

صحيفة هآرتس - يغئال عيلام

ترجمة وإعداد: حسن سليمان

 

 

إخترنا لكم من العدد