مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين: ننوه بسياسة الصمت الاستراتيجي الذي تعتمده المقاومة

العدد رقم 243 التاريخ: 2020-07-31

تونس: في ضرورة إصلاح النظام السياسي

توفيق المديني

تونس: في ضرورة إصلاح النظام السياسي

احتدمت الخلافات السياسية الكبيرة بين أطراف السلطة في تونس، القائمة بين رئيس البرلمان راشد الغنوشي من جهة، ورئيس الجمهورية قيس سعيّد من جهة أخرى، لا سيما بعد المواقف التي اتخذها هذا الأخير من الأزمة الليبية عقب زيارته الأخيرة لفرنسا، الأمر الذي أثار غضب قيادات النهضة، ورئيسها الغنوشي.

من الذي يقود السياسة الخارجية التونسية؟

خلال زيارته الأخيرة لفرنسا ولقاء رئيسها ماكرون، قال الرئيس التونسي بشأن الموقف من الأزمة الليبية، إنه "يجب على الليبيين وضع دستور مؤقت، على غرار الدستور الذي جرى وضعه في أفغانستان سنة 2020، كما اعتبر سعيَّدْ أنَّ شرعية حكومة "الوفاق" الليبية برئاسة فائز السراج، "مؤقتة"، و"قائمة على الشرعية الدولية"، بوصفها "شرعية مؤقتة" ولن تدوم، مؤكدًا أنَّ تونس من أكثر الدول تضرُراً مما يحدث في ليبيا.

وكرَّر سعيَّد مراراً ملف "القبائل" في ليبيا وأهمية الاعتماد عليهم في حل الأزمة الليبية، بل والتقى من قبل بأعيان وحكماء عدة قبائل ليبية في تونس. وفي الواقع الليبي، لا يمكن تجاهل أو تجاوز القبائل، فهي تشكل البنية المجتمعية المهيمنة، وهي بإمكانها لعب دور مؤسساتي في ليبيا. فإشراك القبائل في التسوية السياسية يمكن أن يكون منطلقاً مجتمعياً لإيجاد حلٍ قانونيًّ وسياسيٍّ على قاعدة تجميع القبائل لتتحمل مسؤولية في تقرير مصير ليبيا.

ولم يتأخر ردّ رئيس حركة "النهضة الإسلامية" في تونس راشد الغنوشي، إذ أكّد في تصريحات جاءت على هامش انعقاد الدورة 40 لمجلس شورى "النهضة" (54 مقعداً بالبرلمان من إجمالي 217) بمدينة الحمامات، شرقي البلاد، أنَّ حكومة "الوفاق الوطني" هي "الحكومة الشرعية الوحيدة في ليبيا".

ويأتي هذا الموقف بعد أيام من تصريحات للرئيس التونسي سعيد، خلال زيارة لفرنسا، وكان الرئيس سعيّد انتقد في باريس رئيس البرلمان التونسي، الغنوشي، بسبب اتصاله الهاتفي، يوم الثلاثاء19مايو/آيار2020، برئيس حكومة الوفاق الليبية فائز السراج، مقدمًا له "تهانيه باستعادة قواته لقاعدة الوطية الاستراتيجية، وعبَّر له عن ارتياحه لعودة هذه القاعدة القريبة من حدود تونس إلى الشرعية".

وموقف الغنوشي هذا يطرح من جديد إشكالية قيادة السياسة الخارجية التونسية، لمن تؤول؟.

ارتباك سعيّد أمام مطالبة اعتذار فرنسا عن الماضي الكولونيالي

 قبلَ سفر الرئيس التونسي إلى باريس، تقدمت كتلة "ائتلاف الكرامة" السلفية التي تناهض معظم الحقوق المدنية وكلّ ما هو تقدمي وعصري تقريبًا في تونس، والمتحالفة مع حركة النهضة بلائحة في شهر حزيران/يونيو الماضي، للتصويت عليها داخل البرلمان التونسي، تطالب فرنسا بالاعتذار عن جرائم الاحتلال الفرنسي لتونس خلال المرحلة التاريخية (1881-1956).

لكِنَّ هذه اللائحة لم تحرزْ على التصويت الكافي، بسبب وقوف حركة النهضة موقفاً غير واضح من لائحة إدانة الاحتلال والمطالبة بالاعتذار، إذ انقسم نوابها بين متغيب (هارب) وموافق ومعارض. واتهمت النهضة حينها بمهادنة فرنسا لتسويق نفسها كشريك للاحتلال، فكان التصويت مع اللائحة فرصة لإدانتها واتهامها في صدق مواقفها، واستعادة كلام كثير عن عمالة الإخوان وتوابعهم، واستعيد شعار "الإخوان عملاء الإمبريالية".

لكنَّ جوهر الموضوع ليس الموقف من هذه اللائحة، بل في سقوط خطاب الرئيس قيس سعيد، الذي تميَّزَ به خلال حملته الانتخابية، من كونه معادي للاحتلال ومدافع عن السيادة الوطنية، ومعتبر التطبيع خيانة عظمى. فخلال مقابلة مع قناة "فرانس 24" جاءت قضية الاستعمار الفرنسي لتزيد من توتير الأوضاع وتثير الاستغراب في تونس، وحتى لدى الصحافي مارك بليرمان الذي كان يحاوره. وردًّا على سؤال الصحافي بشأن اعتذار فرنسا للشعب التونسي بسبب احتلالها البغيض، أجاب سعيّد مستعينا بمثل فرنسي معناه "من يعتذر يتهم نفسه" وسط استغراب بالطيفة الذي سأله قائلا "ولم لا؟" ليرد سعيّد بأنه ينظر إلى المستقبل.

وذكّر الصحافي، الرئيس التونسي بأن نظيره إيمانويل ماكرون الذي وصل للحكم في شهر أيار/مايو 2017، عُرِفَ بمواقفه الجريئة فيما يتعلق بملف جرائم الاحتلال الفرنسي للجزائر، وتساءل الصحافي الفرنسي عما إذا كان الأمر متشابها في البلدين (الجزائر وتونس) وعن أحقية التونسيين باعتذار فرنسي. ولكن سعيّد اعتبر أنَّ الأمر يختلف عن الجزائر، قائلاً إنَّ تونس كانت تحت نظام الحماية وليس تحت الاستعمار المباشر مثل الجزائر، وإنَّ الاعتذار يمكن أن يكون بطرق أخرى، عبر مشاريع واتفاقات. وصرح بأن اللائحة التي طرحها "ائتلاف الكرامة" في البرلمان التونسي لم تكن بريئة وتساءل "لما نطالب بعد 60 سنة بالاعتذار؟".

في الحقيقة لم يكن موقف الرئيس سعيد مفاجأً، لأنه وبكل بساطة لا يمتلك أي مشروع وطني ذي بعد قومي لإعادة بناء الدولة الوطنية الديمقراطية التعددية، لا سيما أنَّ سيادة الدولة الوطنية التونسية خاضعة للحقل السيادي الرأسمالي الأوروبي - الأمريكي. ومن هنا يأتي التباس معنى السيادة الوطنية كتعبير عن "الأزمة الشرعية" للدولة الوطنية التونسية كتكوين سياسي محكوم بالبحث الدائم عن إخفاء معالم شرعيته التاريخية.

والسؤال المطروح تونسيًا وعربيًا، هل يمتلك الرئيس التونسي الجديد قيس سعيد  استراتيجية وطنية وفكر سياسي راديكالي لتحويل الدولة الوطنية التونسية من موقع خاضع للسيادة الرأسمالية الأوروبية - الأمريكية إلى موقع متمرد على هذه السيادة، وإعادة فتح الحقل التاريخي العربي المقاوم للمشروع الإمبريالي الأمريكي  والمشروع الصهيوني، لا سيما أنَّ إعادة بناء الدولة الوطنية الديمقراطية التعددية في تونس هو التحول إلى ثورة وطنية جذرية قادرة على التحرر والانعتاق كُلِّياً من الحقل السيادي للهيمنة الغربية الأوروبية والأمريكية.

في الواقع لا يمتلك الرئيس سعيّد برنامجاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، ما عدا كلمة "أنَّنِي لا أَبِيعُ وَهْماً" وهي كلمة عاطفية جدّاً تَدْخُلُ في وِجْدَانِ الشَعْبِ.

حكومة الفخفاخ وتزايد شبهات الفساد حولها

تتراكم كتابات كثيرة في تونس حول مصير حكومة إلياس الفخفاخ المتهمة بشبهات الفساد حول رئيسها وبعض وزرائه (وهي بين أيدي القضاء). وها هو الناطق الرسمي لحزب "قلب تونس" المعارض، الصادق جبنون، يلوح بتقديم لائحة سحب الثقة من الحكومة وتكوين لجنة برلمانية للتحقيق في ملف تضارب المصالح حول رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ.

وكان الرئيس التونسي قيس سعيّد هو الذي كلَّف إلياس الفخفاخ بتشكيل الحكومة، على أساس أنها ستكون حكومة الشفافية والوضوح، وما أنْ مرَّ بالكاد المائة يوم على تشكيلها، حتى بات عدد من الوزراء في الحكومة يحملون "وزر" ملفات شبهات الفساد، ارتبطت بهم وعلى رأسهم رئيس الحكومة نفسه، وهي أحيانًا تتعلق بتضارب المصالح، وسوء التصرف، وعدم احترام قرارات الحكومة.

فقد قال رئيس هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد (دستورية مستقلة)، الإثنين الماضي، شوقي الطبيب، في جلسة بالبرلمان التونسي، إنَّنا "أمام وضعية تضارب مصالح لرئيس الحكومة إلياس الفخفاخ". وأضاف: "الفخفاخ قام بالتصريح بمكاسبه بعد تعيينه رئيسًا للحكومة في 27 شباط/ فبراير 2020، وصرّح بامتلاكه مساهمات في 5 شركات (لم يسمّيها)، وتصريحه لم يتضمّن أنَ الشركات كلها أو بعضها تتعامل مع الدولة تجارياً".

وتعاني حكومة الفخفاخ من تشقُّقَات كبيرة في صفوفها، وهي عاجزة عن حل مشكلات الشعب المعيشية، ونقص الأغذية، ومديونية الدولة، واقتصاد البلد شبه القعيد، والبطالة، وتعثر التنمية، وانحطاط البنى التحتية، وتدهور قطاعات الصحة والتعليم والسياحة.. وحتى حين تجنح بعض كتل البرلمان إلى مساءلة رئيس الحكومة حول احتمالات الفساد الشخصي وتضارب المصالح، فإنّ المحتوى الحقيقي لتلك المحاولات إنَّما ينهض على تصفيات الحسابات السياسية، كما هو الحال بالنسبة لحزب "قلب تونس" ورئيسه نبيل القروي، الذي سبق أن سُجِنَ بسبب ملفات فساد.

في ضوء المعركة المتفجرة بين رئيس الجمهورية قيس سعيّد، ورئيس البرلمان راشد الغنوشي، المستفيد الأول من ضعف الحكومة الحالية هي حركة النهضة، التي تطالب بتوسيعها لتصبح حكومة "وحدة وطنية" تضم حزب "قلب تونس" الذي يمثل اليمين الليبرالي، وكانت النهضة تتهمه بالفساد في السابق، وأصبح الآن على علاقة قوية مع اليمين الشعبوي الذي يمثله "ائتلاف الكرامة" السلفي.

خاتمة

يُعَدُّ النظام السياسي الذي تأسس في ضوء دستور 2014 نِظَامًا شاذًا وهَجِينًا، لأنَّ الفكر السياسي الذي تبنته الأحزاب التي فازت في انتخابات 23 أكتوبر2011، لا سيما حزب النهضة الإسلامي الذي ارتبط بالهوية، أو في سنة 2014، حزب نداء تونس العلماني الذي نادى بالمساواة في الميراث، كان فِكْرًا تَقْلِيدِيًا، وغير متطابق مع انتظارات الثورة التونسية.

وبما أنَّ الحكومات المتعاقبة على تونس منذ سنة 2011 وليومنا هذا، أثبتت فشلها الذريع في حل مشكلات البلاد، فإنَّ إصلاح النظام السياسي بات ضروريًا، ولا يجوز أن يقتصر فقط على محاربة الفساد المستشري في مؤسسات الدولة ووزاراتها وإيقاف عملية السطو على المال العام الذي تقوم به أحزاب السلطة الفاسدة، التي توّلت إدارة البلد بعد سقوط النظام الديكتاتوري، وإنَّما أيضاً في تغيير القانون الانتخابي، وتغيير قواعد اللعبة الانتخابية التي أرست قواعدها أحزاب السلطة الفاسدة، ولا سيما حركتي النهضة والنداء (ومشتقات أحزاب تونس)، اللتين سيطرتا على دولة الفساد العميقة من خلال نظام المحاصصات الذي شّكلّ أساس النظام السياسي القائم ..

لقد أصبحت معركة إنهاء وجود دولة الفساد العميقة، التي تعني باختصار قلب الدولة النابض الذي يُسَيِّرُ عمل مؤسسات الدولة والوزارات والهيئات المحلية.. هم وكلاء الوزراء ورؤساء الهيئات المستقلّة والمدراء العامون في الوزارات والهيئات المحلية، المعركة المحورية من أجل إصلاح النظام السياسي في تونس.. والحديث عن أي إصلاح سياسي أو اقتصادي لن يأخذ طريقه إلى التنفيذ ما لم يتمّ إنهاء دولة الفساد العميقة وإعادة بناء مؤسسات الدولة وفق مبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب الذي كان معمولاً به في تونس، وفي بلدان العالم المتقدّم..

في تونس هناك أفكار وتصورات مطروحة بشأن إصلاح النظام السياسي التونسي هي للتداول والبحث والحوار بين أصحاب الاختصاص والاهتمام من أساتذة الأنظمة السياسية والقانون الدستوري، ومن قبل رئيس الجهورية نفسه.. فالنظام السياسي شبه البرلماني الذي أفرزته العملية السياسية بعد العام 2011 وكرّسه دستور العام 2014، مليء بالثغرات القانونية والخلل النُظمي، وبمسارب الشلل والفساد والفشل. وما الديمقراطية التوافقية والمحاصصة الحزبية، والفساد، إلّا نتاجاً طبيعياً لهذا النظام السياسي المشوّه والشاذ.

ويعطي الدستور الجديد، صلاحيات واسعة لرئيس الحكومة، مقابل صلاحيات محدودة لرئيس الدولة، وهو ما يقود إلى تهديد العلاقة بين السلطات، ويجعل رئيس الدولة تحت مظلة رئيس الحكومة، وهذا إعلان واضح عن نوايا مُبَيِّتَةٍ عملت حركة النهضة على تمريرها لجهة تفضيلها النظام البرلماني، حتى تبقى هي القوة السياسية المهيمنة على المشهد السياسي التونسي.

ولذلك، فإنَّ الخطوة الأولى باتجاه التغيير الحقيقي في تونس، تتمثل في تعديل الدستور بما يحقق سدِّ جميع الثغرات، وإنشاء نظام سياسي جديد، أكثر فاعلية ونجاحاً. ويمكن اعتبار النظام شبه الرئاسي (الرئاسي ـــ البرلماني المختلط) الذي يطبقه عدد مماثل من الدول، ونموذجه الناجح النظام السياسي الفرنسي، هو الأكثر ملائمة لواقع تونس، فهو الكفيل بالقضاء على أغلب أنماط المحاصصة السياسية والحزبية، واجتثاث أغلب جذور الفساد والفشل والخلل والشلل، وإلغاء آلية الديمقراطية التوافقية، وتطبيق آلية ديمقراطية الأغلبية السياسية.

وفي تونس التي عانت طويلاً من النظام الرئاسي، ينبغي تكثيف عملية التوعية بالفرق الشاسع بين النظام الرئاسي الديمقراطي المقترح، والنظام الرئاسي الدكتاتوري الفردي الذي حكم تونس لمدة أكثر من خمسة عقود. كما يمكن وضع كوابح دستورية وقانونية تَحُولُ دون حصول أيَّ لونٍ من ألوان التفرُّدِ من جانب الرئيس، ولا سيما القوانين التي تفعل الرقابة والمحاسبة من السلطتين التشريعية والقضائية.

توفيق المديني

 

 

إخترنا لكم من العدد