مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين: ننوه بسياسة الصمت الاستراتيجي الذي تعتمده المقاومة

العدد رقم 243 التاريخ: 2020-07-31

لبنان وفلسطين وسوريا والعراق واليمن..

لبنان وفلسطين وسوريا والعراق واليمن..

الجمهورية الإسلامية الإيرانية خشبةُ الخلاص

لا شيء يبقى على حاله ما بين اللحظة والدقيقة التي تليها. الأحداث متسارعة جداً. المنطقة مشحونة ما بين الاستفزازات وترقّب ردود الفعل والتّخوّف من تصعيد يودي الى الهلاك. كلمة مقاومة، تعني التصدي للعدو.

والمحور، هو مدارُ بُنيان الجبهة. إنه الملعب العالمي، خطّ الوسط، محطُّ الاحتدام، ساحة النزال ما بين الطواغيت وجبهة الأحرار، إنه محور المُقاومة.

القضية الفلسطينية

البوصلة التي عيوننا ترحل إليها كل يومٍ، هي القُدس. فقد نشأ الصراع الفلسطيني الصهيوني منذ اغتصابهم لمعظم الأراضي الفلسطينية بعد انتزاعها من الانتداب البريطاني إثر النزاع الذي نشب حول مطلب تقسيم فلسطين والذي أيدته دول الاتحاد السوفياتي سابقاً والولايات المتحدة الأمريكية بينما رفضها العرب على مضض أمام هيئة الأمم المتحدة سنة 1947.

وبطلبٍ صهيوني الى النظير الأمريكي للإيفاء بوعده، أعلن الأخير عن قيام دولة إسرائيل في تل أبيب وأصبح ساري المفعول من الخامس عشر من شهر أيار. عُقب السنوات المُتتالية استطاعت إسرائيل التوسع جُغرافياً بالمنطقة بالمجازر والدم والحروب. فقامت باجتياح لُبنان، إلا أن المقاومة كسرت هيبتها حين شرخت بيتها العنكبوتي بتحرير عام 2000. وفي عام 2006 شلَّ حزب اللَّه ما تبقى من قدرتها الحسّية بالحركة من خلال النصر المؤزّر بتموز، حرب الـ 33 يوماً.

آخر محاولاتها العقيمة، بقرارٍ أمريكي الصنع، واسرائيلي التنفيذ، مُخطط ضمٍّ لأراضي باقية من غربي فلسطين وغور الأردن. انكبّوا بالتهويل منذ بداية العام، إلا أنهم مع اقتراب موعد البدء بالتنفيذ، أصدروا بياناً بالتأجيل لأسابيع أو أشهر إثر خلافات نشأت فيما بينهم. والمؤسف المُخزي، أن دولة فلسطين حتى يومنا هذا غير معترف بها من قِبَلِ العديد من الدول وهي مُمثَّلة بهيئة الأمم المتحدة "كدولة غير عضو".

الاتجاه شرقاً

لنتّجه الآن شرقاً.. فتحت ذريعة التخوّف من وجود أسلحة دمار شامل وكيميائي، وكذلك دعم نظام الإرهاب الدولي والسعي إلى صنع أسلحة نووية، مَثُلَ وزير الخارجية في مطلع عام 2003 أمام مجلس الأمن الدولي، وشدّد على ضرورة شنّ حربٍ على العراق، لإعطاء الشعب العراقي صوتهم، صُدِّق على القرار وأُعطِيَت أمريكا الشرعية باحتلال العراق. بعد هذه التلفيقات الكاذبة، أسابيع قليلة وتعرّض العراق لغزوٍ أمريكي بمساعدة الحلفاء، غزوٍ استُبيحَت به دماء العراقيين ما أدى إلى سقوط عشرات آلاف القتلى من المواطنين. لكن العدوَّ لم يحتمل تكبّد الخسائر العسكرية والمادية الفادحة ما أدى إلى اتخاذ قرار في العام 2011 يقضي بسحب الجيش الأمريكي، وإنما كان شكلياً فقط. إذ أنهم خلّفوا وراءَهم جماعات تكفيرية إرهابية وآلاف الانتحاريين الذين فجّروا أنفسهم في المساجد والكنائس والمدارس والأسواق والأماكن الدينية وقتلوا خيرة القيادات والشخصيات العراقية وكان يقف خلف هذه الجماعات الارهابية ضباط الاحتلال الأمريكي. حتى الآونة الأخيرة حاولوا أن يزرعوا الفتنة بين أفراد الشعب العراقي، وحاولوا أن يدفعوا بالعراقيين إلى الحرب الأهلية، إلا أن الموقف الواعي والحكيم للمرجعيات الدينية، والقيادات والعشائر العراقية وفصائل المقاومة حالت دون ذلك.

محور اليمن العزيز

عام 2011 ابتدأت شعلة الأحداث بعد ثورة شعبية على الحكم الفاسد. جيء بعده برئيس يرمي الى إبرام اتفاقية خليجية تحت عنوان الحوار الوطني بموافقة مجلس الأمن الدولي والتي رفضها اليمنيون عامةً والحوثيون على وجه الخصوص ما حدا بالشباب اليمني لأن يثور حيث اندلعت ثورة الشباب اليمنية في 2013. عقدت "الجلسة الختامية للحوار" عام 2014، وتم خلالها إعلان وثيقة الحوار الوطني الشامل، وسط حضور دولي وعربي كبير. عَقِبَ ذلك صاغ أمين عام مؤتمر الحوار مسودة دستور جديدة في بداية 2015 إلا أن اليمنيين سارعوا لإيقاف هذا المشروع الذي يعمل على إرضاء الخارج ضمن مشروع يهدف إلى تفكيك البلاد إلى كينونات متقاتلة. ومن خلال تقييد اليمنيين لتلك النوايا الخبيثة المنطوية تحت أقنعةٍ بيضاء، انكشف الغطاء. ثم قام تحالف من عدة دول بقيادة السعودية والإمارات العربية المتحدة، بالتدخل ضد الحوثيين وأغاروا بالقصف على المدنيين والعُزّل تحت عنوان نزع السلاح من الحوثيين.

ما انفكَّت دول التحالف المضاد عن القيام بتدريب وتمويل وتسليح جماعات مسلحة مختلفة. الرغبة الصهيو - أمريكية تضرب باليد السعودية.. أعوام من القصف والقتل والدمار، لم تفرّق بين هدف مدني وآخر عسكري، والتي تعدّ في أصغر اعتداءاتها جرائم حرب، حسب القانون الدولي الذي اعتمدته الأمم المتحدة ومجلس الأمن، تستهدف كل شيء بصواريخها وقنابلها المتعددة، ومنها المحرمة دولياً. وقد أسفر العدوان عن مقتل الآلاف من المدنيين من الرضّع والأطفال والنساء. واليوم هناكَ الآلاف من الجرحى والمرضى يموتون تحت وطأة الجوع وانعدام الغذاء. على الرغم من ذلك كله، فقد عجز ترامب عن تحقيق أي إنجاز عسكري في اليمن.

في الوضع السوري

لقد امتدّت شبكة العصابات المسلحة من الحدود العراقية السورية لتتسرّب إلى الداخل وفي أواخر عام 2011 حيثُ تم الإعلان عن تشكيل جبهة النصرة لأهل الشام، وهي فرع تنظيم القاعدة في سوريا امتداداً من العراق. تمكّن هؤلاء المرتزقة المتعطشون للدماء من ترهيب الشعب السوري ودفعه إلى النزوح للدول المجاورة والهجرة إلى الخارج.

لقد مارسوا أشدّ أساليب الانحطاط الأخلاقي والإنساني، من الذبح والتنكيل وسبي النساء ونهب الأموال والمسِّ بالمُقدّسات. عندها تدخَّل حزب الله بشكل رسمي لمؤازرة الجيش السوري بإعلانٍ رسمي في معركة القصير مُعلناً سماحة الأمين العام للمقاومة "أن النظام في سوريا لن يسقط"، استباقاً لمنع انتشار هذا الوباء التكفيري نحو الحدود اللبنانية والتغلغل فيه.

لقد شكّلت أزمة التكفيريين في أوجّها توتراً عاماً إلا أن هذه العصابات المسلحة التي تُدعم من الصهاينة وأمريكا وبعض دول الخليج، تم تفكيكها وتطهير الأرض منها بدماء المقاومين الشهداء. ولم تنجلِ الصورة كاملةً حتى اليوم عن سوريا. وعلى الرغم من دحر التكفيريين لا يزال العدوان الأمريكي والإسرائيلي يقصف ويغتال غير آبه لا بمواثيق دولية ولا بمجلس أمنٍ. آخر الأوراق الأمريكية المستجدة في الساحة هي مؤامرة قانون قيصر، التي ما هي الا مُرادف لعقوبات مالية وتقييد لحريات الدولة في التعامل مع دول الجوار وحرمانها من العملة الأجنبية.

حول الوضع اللبناني

الواقع في لبنان ليس بمختلف عن بقية دول الجوار. الاعتداء الصهيو/أمريكي لم يمتنع عن التطاولِ والخرق العلني للسيادة لغاية اليوم. إلا أن العدو الصهيوني لا يقوى إلا على القيام بحركات بهلوانية استعراضية ولا يتجرأ على العدوان المباشر خوفاً من تهديد سيّد المُقاومة بأن أيَّ ضربةٍ وأيَّ مسٍّ بأرض لبنان سيتمّ الرد عليها.

هذه هي المقاومة اللبنانية التي فرضت معادلة القوة والهيبة وحالت دون تمكّن الخارج من افتعال حرب خارجية على أراضيه. ولكن المساعي الماكرة تلعب من تحت الطاولة لإثارة الضغوط نحو إشعال الفتن والفلتان الأمني وانقلاب الشعب على المقاومة ومواجهة القوى الأمنية والجيش بأعمال الشغب والإخلال بالنظام العام. الأزمة الحالية اشتعلت مع ثوره شعبية انتفضت على الهيئة الحاكمة نحو الإصلاح في أواخر السنة الماضية. إلا أنها ما استمرت سوى ثلاثة أيام تُحاكي مطالب الشعب والطبقات الفقيرة بالطليعة، إلى أن تصدّرت الواجهة تقسيمات وألوان سياسية ومجموعات لهيئات دولية تندّد بإسقاط الحُكم وسحب سلاح المُقاومة. سُرعان ما انفضحت الروائح الكريهة المُبطنة المساعي تحت عنوان السلام وحق الشعب الذي تستخدمه أمريكا ذريعةً لتخترق به الأوطان العربية تحت سقف القانون الدولي مُنصِّبةً نفسها دولة الأمن لدى "مجلس الأمن" الذي لا يقرّ قوانينه إلا بموجب رضاها.

إنها المُعادلة العقيمة وسُخرية التاريخ التي انتهجتها أمريكا للتلاعب بالدول وكبّ غطرستها الاستعمارية وفق قوانين دولية تعمل وفق مصالحها الخاصة. يجدر بالذكر هنا كلمة الشهيد السيد عباس الموسوي حين يميّز معنى السلام الحقيقي عن ما ترمي اليه أمريكا: "السلام لا يجوز استجداؤه من أمريكا، وإنما الذي يصنع السلام نحن، نحن نؤمن من جملة معتقداتنا أن أحد أسماء اللَّه هو السلام، أحد أهدافنا الأساسية هو نشر السلام في العالم، ولكن السلام عادةً لا يؤخذ، لا يؤخذ من الآخرين، لا يُستجدى من الآخرين، وإنما السلام تستطيع أنت كأُمة أن تؤمنه لنفسك وأن تؤمّنه لبقيّة الأُمم، أُمّة رسول اللَّه بنت السلام للعالم، ونحن كأُمّة قادرون على بناء السلام للعالم، وكلُّ ما يُصوّر من سلامٍ أمريكي هو مُجرّد استسلام أمام الإرادة الأمريكية، هذه هي الحقيقة".

الواقع متأزّم ومشحون.. والعملة الوطنية اللبنانية تتآكل مقابل الدولار. إنها القُنبلة الموقوتة التي تشحنها أمريكا لتفجيرها بالشعب. فالدولار قد أحكم ربطات العُنق لغالبية السياسيين الفاسدين. فما عاد باستطاعة هؤلاء التّخلّي عن بدلاتهم الأمريكية التي تدرّ عليهم بالنقد الذليل مُقابل كشف "رقبة البلد" لأنياب الغطرسة الأمريكية. إنهم عبيد الداخل، خلعوا مواطنتهم ويسعون جهدهم دون القيام بأي مشروع نهضوي ينتشل البلاد.

الجمهورية الإسلامية الإيرانية خشبةُ الخلاص

أخيراً، نصل إلى صرحِ المُقاومة الصلب الذي تستند كلُّ الفصائل إليه، إنها إيران. الأمريكيون وجدوا الجمهورية الإسلامية حاضرةً في كل تفصيل من تفاصيل المقاومة والممانعة. فهي تدعم المقاومة الفلسطينية بالسلاح والتدريب والامكانات التكنولوجية، وتوجيه البوصلة باتجاه فلسطين. تقف إلى جانب الجيش والقيادة والشعب في سوريا ضدّ الإرهابييّن التكفيرييّن. تقوم بجمعِ العراقيين وتبديد خلافاتهم ليلتقوا على شعار واحدٍ يخلِّصهم من الهيمنة الأمريكية والحؤول دون وقع الشرخ بينهم.. وتدعم صمود اليمنيين. ومن ثَمَّ فإن المقاومة الإسلامية في لبنان وتعاظُم قوّتها في المنطقة وقدراتها الصاروخيّة والنوعيّة والصواريخ الدقيقة وثباتها وصلابتها، كل ذلك من خلال الدعم الإيراني الكامل.

لكن الجمهورية الإسلامية لم تسلم من حرب الأمريكان الاقتصادية. فالعقوبات ضيّقت سبل التجارة والمنطقة الحيوية. حتى أنها ضيّقت عليها سُبُل تأمين مستلزمات الأدوية لمعالجة مرضى وباء كورونا. هذا الوباء الذي يرجّح بأنه أمريكي الصنع في حرب فيروسية أمريكية في المنطقة. أضف إلى ذلك الملف النووي الذي أخلّت به أمريكا وغادرته وغرّمت إيران مقابله بعقوباتٍ اقتصادية شديدة من ضمنها السلع الحياتية ذات الطابع الإنساني.

على الرغم من ذلك كله لم تزل هذه الدولة العظمى صلبةً في دعمها للمحور. ولم تتوانَ عن إرسال المساعدات الطبية وإبرام اتفاقيات الطاقة والكهرباء والتبادل التجاري مع العراق مثلاً لأن ذلك لا يكون بمعزل عن موافقة الحكومة.

وإن تساءلنا عن لبنان، تخيّلوا أن إيران تقف عند بابنا تنتظر منا الإذن كي تساعدنا. ونحن بكل خجلٍ نرُدُّها: "اعذرونا لم يحن الوقت بعد"!. جرّاء الخنق الأمريكي للبنان من قِبَلِ أزلام أمريكا عديمي الإنسانية. فإيران قدّمت كل المشاريع الحيوية لإحياء البلاد ولكنهم عندنا في لبنان يرفضون إرضاءً لأمريكا ولو على حساب الشعب اللبناني!.

مؤخراً صدرت مذكرات اعتقال بحق 36 مسؤولاً سياسياً وعسكرياً أمريكياً ومن دول أخرى ضالعين بجريمة اغتيال الشهيد سليماني من ضمنهم الرئيس الأمريكي ترامب، عبر شرطة الانتربول. ترامب الذي جاهر باغتيال قائد فيلق القدس، ويقول أنا شخصياً من أعطيت الأمر بقتله. ربما هذه سابقة العصر، أي أن الرئيس الأمريكي مجرم حرب ومطلوب فار من العدالة. هذه إيران، القوة والصمود، الأخلاق والدين.

يقول سماحة السيد حسن نصرالله في هذا الصّدد من عاشوراء السنة الماضية في إيران: "في يوم الحُسين في يوم عاشوراء نحن نُكرّر موقفنا كجُزءٍ من محور المُقاومة نحن لسنا على الحياد ولن نكون على الحياد في معركة الحقّ والباطل وفي معركة الحُسين ويزيد والذين يظُنّون أن الحرب المُفترضة إن حصلت ستُشكّلُ نهاية محور المُقاومة أقول لهم بقوّتي وثباتي وصدقي وإخلاصي وعزمي وتضحيات هذا المحور هذه الحرب المُفترضة ستُشكّلُ نهاية إسرائيل وستُشكّلُ نهاية الهيمنة والوجود الأمريكي في منطقتنا هذا المحور هذا المعسكر الذي يقف على رأسه سماحة القائد الخامنئي دام ظله الشريف نحن هُنا من لُبنان نقول للعالم كلّه أن إمامنا وقائدنا وسيّدنا وعزيزنا وحُسيننا في هذا الزمان هو سماحة آية اللَّه العُظمى الإمام السّيد عليّ الحُسيني الخامنئي دام ظُله وأن الجُمهورية الإسلامية في ايران هي قلب المحور وهي مركزه الأساسي وهي داعمُه الأقوى وهي عنوانه وعنفوانه وقوّته وحقيقته وجوهره".

خلاصةُ القول هي أن أمريكا هي الشيطان الأكبر. وكل ما يريده الأحمق ترامب هو الأموال، وخيرات البلاد من نفط وغاز وماء وأرض. وهذا التصعيد الذي لا يزال ربما لم يبلغ ذروته ويتأجج بنفس المجرم ترامب الذي يعدّ أيامه المتبقية قبل أن يخسر بالانتخابات المقبلة. إذاً المسألة مسألة صبر وصمود في ظل المقاومة، إلى حين موعد قطع الرأس الأمريكي عديم الإنسانية ومعه ستخرس الألسن التابعة له فيها منطقتنا.

زينب عدنان زراقط

إخترنا لكم من العدد