مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين: ننوه بسياسة الصمت الاستراتيجي الذي تعتمده المقاومة

العدد رقم 243 التاريخ: 2020-07-31

العُنفُ بَيْنَ الغَرب ِوالشَّرق

العُنفُ بَيْنَ الغَرب ِوالشَّرق

أيُّ دَوْرٍ تَلعبُهُ القُوّة فِي مُعَادَلاتِ المَصَالح؟!.. وأينَ هِي مِنْ ثَوَابتِ الأَخْلَاق؟!

لا يوجدُ مجتمعٌ بشري منذ فجر التاريخ ترفّع عن القوة، أو امتنع عن تبنّيها أو الأخذ بأساليبها الحادة أو الناعمة في حركة الواقع تحقيقاً لمصالحه وسعياً لضمان حاجاته وتأمين وجوده وحضوره في الواقع والمحيط الذي يعيش فيه..

والقوة تعني الضّغط العضوي من خلال التّوسل باستخدام أدوات الإيذاء المعروفة (التي تطورت عبر التاريخ) إلى الحد الذي قد يشكل خطراً على الآخر (الخصم والعدو)، بهدف إجباره على فعل ما، أو دفعه لتبني خيار أو موقف ما بهدف تحقيق مصلحة أو منفعة جزئية أو كلية للقائم بها..

إذاً، لم تنوجدْ حضارةٌ في التّاريخ إلا وسلكت طريق القوة الواصلة –في أحايين كثيرة- حدود العنف المحدد أو الأعمى (اللا مقيّد) ضد حضارات وأمم وبلدان أخرى بهدف التوسع والسيطرة أو بهدف الحصول على الموارد والثروات، أو فتح أسواق وممرات وتأمين طاقات وغيرها.. حتى الغرب نفسه –الذي يدّعي القيمومة الحقوقية والمبادئية الإنسانية- آمن بمبدأ القوة واتَّبَعَ مختلف أساليبها العنفية..

نعم الغربُ نفسه – حتى بأشكاله الدولتية السياسية المختلفة، خاصةً شكله الليبرالي الحديث، والذي حقق بلا أدنى شك فتوحات علمية واقتصادية وعملية كبرى لا مثيل لها- قامَ على العنف واستعمال وسائله الحربية المدمرة من أجل نَهْب خيرات الشعوب "العالم/ثالثية" تحت مسمى وذريعة تحديثها وتمدين ناسها ومجتمعاتها المتخلفة، ونقْلهم إلى مواقع الحضارة الجديدة، حضارة الآلة، والبارود، والطباعة (آنذاك طبعاً)... بينما هو - في واقع أمره - كان ينشدُ ممرات وطرقاً تجارية ويتطلع للهيمنة على أسواق واسعة وممتدة، قادرة على استيعاب فوائضه الإنتاجية الهائلة، باحثاً – في الوقت ذاته - عن مواد خام جديدة تدير آلات مصانعه الكبيرة خدمةً للإنسان الغربي بالدرجة الأولى.. يعني نحن كنا (كعالم ثالثي مفقر ومستضعف) مجرد "فرق عملة".. ومجرد أدوات صغيرة في آلته الجهنمية الكبيرة.

ولا يَخْفَى أنَّ سلاحَ القوة والعسكرة الذي استباح الغرب من خلاله كثيراً من البلدان، لم يعمل لوحده، فقد قام الغرب - في سبيل تحقيق ذلك الهدف - باستخدام سلاح نفسي وعنف فكري رمزي هو الاستشراق المعرفي القائم على دراسات علمية تفكيكية ميدانية، سعى القائمون عليها – من علماء النفس والتاريخ والأدب والإناسة البشرية والاجتماع البشري والسياسة وغيرهم - سعوا وبقوة المعرفة العقلية والتجارب العملية الميدانية، إلى فهم طبيعة ونفسية وتركيبة تلك الشعوب المهملة والمتخلفة التي كانت ما تزال ترتدي العباءة الدينية والتاريخية الرثة.

لقد نجحَ الغربُ نجاحاً باهراً في استثمار السلاحين الاثنين معاً (سلاح الفكر الاستشراقي الرمزي وسلاح العسكرة العضوي).. فمن جهةٍ استشرقَنَا الغربُ فكرياً وبنيوياً، وعَرِفَنا على حقيقتنا كما هي (أكثر بكثير ربما مما نعرف عن أنفسنا وذاتنا الحضارية "المتورمة والمتضخمة")، ومن جهةٍ ثانية عنّفَنَا وأرهبَنَا في الآن معاً... وأما قضية تحديثنا (كغطاء خارجي) فكانت مسألة شكليةً ثانوية، حيث عملَ الغربُ على تحديث نخب محددة من طبقات مدينية، أي من أبناء مدننا واجتماعنا العربي والإسلامي، ممن توفّرت فيهم "معاييره" و"شروطه" الذاتية والموضوعية في الولاء والذيلية والتبعية المطلقة.. وهذه النخب أصبحت كما أرادها الغرب مرتبطةً معه وبه في الصميم، خاصة بعدما أعطاها وقدم لها الأموال والأراضي، فبات أفرادها لاحقاً من كبار الملاكين والتجار والأعيان وأعضاء مجالس البرلمانات وغيرها في زمن ما قبل نهاية مرحلة الاستعمار والانتداب.. وزمن ما قبل نجاح ثورات التحرر من هذا الاستعمار الانتدابي الحديث.

نعم، كانَ العنفُ والإرهابُ ديدن الغرب منذ زمن الثورة الفرنسية، ولا نريد العودة تاريخياً إلى ما قبل ذلك، لتقشعر الأبدان أكثر... وهذا العنف الدموي الصارخ لاحظناه مثلاً في فترة الثورة الفرنسية وحقبة "اليعاقبة" منها بالذات، حيث كان (الإقصاء الدموي والعنف البدائي الهمجي) سبيلاً لهم لتحقُّقِ غايات وأهداف الدولة الحديثة، ولاحقاً لاحظناه وعايّناه خلال حقبتي النازية والفاشية، ثم خلال مرحلة الشيوعية في روسيا والدّول التي وصلت إليها الفكرة الشيوعية بالقسر والضغط والعنف وجحافل الدبابات.. وهذه الحقب خلّفت أكبر عدد ضحايا في تاريخ البشرية الحديث.

طبعاً، لا يجبُ أنْ نبرّئ أنفسَنا - نحن العرب - بطبيعة الحال، من استخدام القوة، ومن وجود أفكار وسلوكيات عنفية، ومن مناخ وفكر وسلوك الإقصاء والقتل والعنف الدموي الديني وغير الديني الذي مارسته جماعات وتيارات وأحزاب وتنظيمات دينية وعلمانية على السواء، فعندنا منه – ما شاء الله- فائض كبير، ولكن حديثنا هو أنّ تاريخ العالم البشري، ومنذ زمن طويل هو تاريخ الاضطهاد والعنف والدم والإرهاب، تاريخ القوة ومنطق العنف العدمي؛ ونادراً، نادراً ما كانت تشهد حياة البشرية فترات سلام ووئام ومحبة وهدوء إنساني وتفاعل بشري خلاق ومنتج.. ولكم أن تتخيّلوا مثلاً، أنه ومنذ عام 1978 وحتى اليوم، شهدت منطقتنا العربية فقط هنا (في المشرق العربي) وفي هذه المنطقة بالذات الممتدة من: اليمن – الكويت – العراق – سوريا – لبنان - فلسطين، شهدت حوالي سبعة حروب كلاسيكية وحديثة، فضلاً عن الحروب الصغيرة الداخلية في كل بلد.. وهو رقم مخيف ومرعب، والمفزع الأكثر والأكبر هو عدد الضحايا الأبرياء من كل الأطراف المتصارعة الذين سقطوا فيها، والخسائر المادية الهائلة التي نتجت ونجمت عنها ضياعات ضخمة من ثرواتنا ومقدراتنا ومواردنا الطبيعية والبشرية التي لا تقدر بثمن..!!.

لقد استوطنَ الظّلمُ والإرهابُ في أراضي العرب، وعشّشَ الخراب في أوطانهم ومجتمعاتهم نتيجة إهمال نخبهم الحاكمة للتنمية وتركيزها فقط على السلطة والملك والسيطرة، وتوسعها الكبير في استخدام لغة القوة والعنف فيما بينها.. فغالبية أحزابنا العربية (الدينية والعلمانية على السواء) تنتمي للفكر الشمولي الانقلابي الذي هو (بالضرورة والماهية والبنية) فكر إقصائي إلغائي، لا يرى غير ذاته العَليّة، ولا ينظر سوى إلى رهاناته وقناعاته ومصالحه الحتمية.. ويؤمن بالقوة العمياء كطريق أوحد للوصول والعمل.. وهو لا يعتقد بشيء اسمه "حوار" أو "مشاركة" أو "تفاعل خلاق" أو مرونة أو آخر، إلا على الورق، هذا إن اعترف.. من يخالفه الرأي، خائن عميل أو كافر مرتد وجب قتله وتصفيته.. وهذا النمط من الفكر الإقصائي والتفكير الخلاصي الأحادي مولِّدٌ دائم للأزمات ودافع دوماً للحروب والصراعات، وهو لا يعيش ولا ينتعش إلا في أجواء التوتر والتناقض والاستقطاب والتنابذ.

أمّا عن العلاج، فإنّ تكوين الدولة الديمقراطية ذات البنية المؤسساتية القانونية الراسخة والقوية بحكم العراقة والضمانات الدستورية والوعي العقلي الشعبي، هي الوحيدة القادرة على إضفاء طابع الشرعية القانونية على مناخ العنف السائد في مجتمعاتنا وبلداننا عبر التحكم بمختلف آليات ووسائل الضبط والردع لطرق استخدام القوة ومختلف أدوات العنف، مع حصر احتكار سلطة إصدار الأمر بها بيد أقلية سياسية منتخبة إرادياً من الناس، وهي التي تتحمل مسؤوليات العمل السياسي وغير السياسي، وبناء مناخ عام لها مناسب لذلك.

إننا نعتقدُ أنّ إشادةَ هيكل المدنية الراسخ والمتين من خلال بناء قواعد الديمقراطية وتحقيق القيم العملية للتنظيم المؤسساتي الديمقراطي المدني، المرتكز بدوره على تحقيق التوازن المجتمعي الذي يجعل الإنسان مركز وجوهر وقاعدة عملية التنمية، يبقى هو أفضل مناخ مناسب للتعايش السلمي المتين بين مختلف المكونات المجتمعية في بلداننا، خاصّة أنّ أحد أهم دوافع وأسباب نشوء واندلاع العنف قد يكون نتيجة وجود فوارق وتمايزات فيما بين تلك المكونات، بما يجعلها تشعر بالظلم والحيف والعسف العملي، عبر عدم مراعاة أوضاعها وحقوقها واحترام لثقافاتها... لهذا في ظلّ النظام المدني الديمقراطي، يمكن لتلك المكونات أن تشعر عملياً بوجود ضمانات قانونية دستورية مصانة لحقوقها العملية، وتنخرط بعد ذلك للمساهمة الإيجابية في بناء وتطوير الحياة المجتمعية المشتركة.

إنَّ بناءَ الحياةَ على مقومات الحقوق وأسس العدل والكرامة الإنسانية ليست مسألة صعبة أو غير مقدور عليها، إذا ما توفر الوعي والقناعة والتشاركية، وشاعت قيم الإخاء الإنساني والتضامن الإنساني، وهذا لا يتناقض في العمق مع ما أراه كمعنى وغاية في الأديان كلها (وعلى رأسها ديننا الإسلام العظيم)، في الهداية للخير وإحقاق للحقوق وتأصيل لمعاني التسامح والمحبة، ولا أراه يتناقض مع أهداف المعابد والكنائس والجوامع والأديرة وغيرها.. فلكلٍّ منها ثقافات وعادات وتأصيلات حقوقية إنسانية مشتركة، وهي محض تقاليد وثقافات ترنو للخير والإنسانية، بعيداً عن لغة القوة والعنف، إذا ما توفرت الإرادة والوعي والاتفاق على المشتركات الحضارية الإنسانية.

وأنا لا أجدُ ثمةَ تناقضات عميقة بين غاية الدّين في بناء الإنسان وصناعته على قيم المحبة والتسامح والانضباط الأخلاقي والرصانة الأدبية العملية، وبين رؤية المدنية الإنسانية التي توصل إليها العقل الإنساني من احتكام لقيم العقلانية الواقعية.

نبيل علي صالح

 

إخترنا لكم من العدد