مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين: ننوه بسياسة الصمت الاستراتيجي الذي تعتمده المقاومة

العدد رقم 243 التاريخ: 2020-07-31

اتفاقية التعاون الاستراتيجي.. الصين وإيران معاً في مواجهة التحديات

اتفاقية التعاون الاستراتيجي.. الصين وإيران معاً في مواجهة التحديات

لم يكن منتظراً من الجمهورية الإسلامية الإيرانية ان تستسلم امام حملة "الضغوط القصوى" الأمريكية التي تمارسها ادارة ترامب ضدها، ولا ان تقف مكتوفة الايدي امام محاولة خنقها اقتصادياً.

فالجمهورية التي حولت التهديد إلى فرصة على مدى اثنين وأربعين عاماً من عمر انتصار ثورتها، لن تسمح للولايات المتحدة بأن تأخذ بسيف الإرهاب الاقتصادي ما عجزت عن أخذه بحروب الوكالة على امتداد الإقليم، وهي إذ تجاوزت خلال العقود الأربعة الماضية بالاعتماد على استراتيجية الاقتصاد المقاوم العقوبات المفروضة عليها، فإنها عمدت إلى تفعيل آليات الصمود بالاستدارة نحو الصين والشراكة معها وتقديم نموذج جديد في كيفية إدارة المواجهة مع الشيطان الأكبر والانتصار في المعركة معه.

خلفيات الاتفاقية

بتوقيعها مسودة اتفاقية التعاون الاستراتيجي مع الصين تكون الجمهورية الإسلامية في إيران قد رفعت من مستوى مواجهة التحدي الأمريكي المتعاظم ضدها والمتمثل بفرض أشد انواع العقوبات عليها لجرها إلى طاولة مفاوضات جديدة تخضع فيها للشروط الأمريكية بما ينتقص من سيادتها واستقلالية قرارها في إدارة سياساتها الخارجية وفق مبادئها، وبناء قوتها وقدرتها العسكرية.

وعلى الرغم من أن العلاقات الصينية الإيرانية ليست جديدة وتعود إلى قرون غابرة عندما احتلت بلاد فارس مكانة استراتيجية على طريق الحرير القديم، فإن التوقيع على الاتفاقية يعبِّر عن تطور استراتيجي في علاقات بلدين تجمعهما الكثير من المشتركات لعل أبرزها الحرب الأمريكية المفروضة على كليهما والتي توجب بحكم العقل والمنطق الشراكة في المواجهة.

الإعلان عن الاتفاقية المسقوفة زمنياً بربع قرن لم يكن وليد ساعته وإنما تطلب بذل الكثير من الجهود للوصول اليها، وقد بدأ العمل الجدي على الاتفاقية العام الماضي مع زيارة وفد إيراني رفيع المستوى الصين، ضم إلى رئيس البرلمان آنذاك علي لاريجاني، وزراء الخارجية والنفط والاقتصاد والمالية، إضافة إلى رئيس البنك المركزي. ولما كانت الزيارة إيجابية ومنتجة بحسب الوفد الإيراني والأصداء الصينية، فإن المباحثات بين الجانبين استكملت عبر الأطر الرسمية المختلفة للوصول إلى اتفاقية مشجعة تحقق مصالح البلدين.

وعلى الرغم من أن بنود الاتفاقية لم تعلن بشكل رسمي حتى الانتهاء من المصادقة النهائية عليها في كل من بكين وطهران، إلا أن وسائل الإعلام الإيرانية كانت قد كشفت جانباً من التفاهمات والاتفاقات الأولية التي جرى التوصل اليها، ومنها على سبيل المثال ما ذكرته مجلة "بتروليم إيكونومست" في آب الماضي، عن نيّة الصينيين استثمار 280 مليار دولار في قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات الإيرانية، وكشفت أيضاً عن تعهد الصين باستثمار 120 مليار دولار في قطاع النفط والبنى التحتية الصناعية في إيران.

أما وكالة "تسنيم" الإيرانية، فكانت قد تحدثت في أيلول الماضي، عن مشروع لمد خط سكة حديدية بطول 900 كلم بين طهران ومشهد، وإقامة قطار فائق السرعة بين طهران وقم وأصفهان، إلى جانب تطوير شبكة السكك الحديدية في البلاد.

خطوة لتطوير التعاون الثنائي

وثيقة التعاون الاستراتيجي، التي صادقت الحكومة الإيرانية على مسودتها وأرسلتها إلى الحكومة الصينية، تتعامل معها طهران بوصفها محطة أساسية في رسم آفاق مستقبل التعاون الثنائي. وبحسب رئيس غرفة التجارة الإيرانية الصينية المشتركة مجيد رضا حريري فإن "الاتفاقية تشمل مختلف الأصعدة السياسية والأمنية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية مشيراً إلى أن وزارة الخارجية تتابع منذ العام الماضي صياغة ومتابعة مسودة الاتفاقية وبناء عليه فقد درست وصادقت إيران على المسودة في إطار التعاون طويل الأمد ومن ثم قدمتها للجانب الصيني.

وإذ أكد حريري بأن الوصول إلى التفاهم يجب أن يضمن مصالح كلا الطرفين، توقف عند التوقعات التي تشير إلى أن اقتصاد الصين سيصبح الأول عالمياً في غضون الأعوام الخمسة والعشرين القادمة، وبالتالي فإن التعاون معها يحظى بالأهمية في مختلف القطاعات.

وعكس المسؤول الإيراني رهان بلاده على التعاون المشترك خصوصاً وأن "الصين ليست تابعةً لسياسات أمريكا فبإمكانها التعاون مع إيران لذا علينا نحن أيضاً الاستفادة من هذه الفرصة".

وخلص حريري إلى الإضاءة على الغضب الأمريكي من هذه الاتفاقية، مشيراً إلى أن معسكر الغرب لا يستسيغ علاقات الصين مع أي دولة لذا فإنه حينما تعتزم الصين إنجاز أعمال اقتصادية وسياسية وتجارية كبرى مع دولة أخرى تنطلق سلسلة هجمات من قبل وسائل الإعلام الغربية ضدها".

الأبعاد السياسية للاتفاقية

وإلى مواجهة التحدي الأمريكي فإن مصدراً مطّلعاً على ملف العلاقات الصينية الإيرانية، تحدث لصحيفة الأخبار اللبنانية عن أبعاد غير تجارية لاتفاقية التعاون، مشيراً إلى أن الهدف منها هو "تطمين الصينيين أن إيران ستستمر بالتعاون معهم حتى لو حلّت خلافاتها مع الدول الغربية، وأنها تستطيع أن تحسب الصين حليفة لها". موضحاً بأن "أقل ثمار هذه الاتفاقية هو أنه بمجرد أن يبدأ تنفيذها ستقوم الصين بشراء كميات أكبر من النفط الإيراني، ويتم الدفع على نحو: ثلثي الثمن نقداً والثلث الآخر بشكل سلع وبضائع وخدمات" ويضيف أن الصين ستبدأ بتنفيذ مشاريع اقتصادية أو الاستثمار بمشاريع بنى تحتية من شأنها فتح مجال لعمل الملايين من الإيرانيين، وستصبح إيران مركزاً لمصانع صينية كبرى توزّع بضائعها في الشرق الأوسط وغرب وشمال غرب آسيا، بدلاً من أن يجري إرسال البضائع من الصين".

وبحسب المصدر نفسه يكمن البعد الاستراتيجي للاتفاقية، في أن إيران "ستصبح محطة أساسية لطريق الحرير الجديد الصيني"

خاتمة

بالاستناد إلى بيانات غرفة طهران للتجارة والصناعات والمعادن والزراعة، فإن الصين احتلت المرتبة الأولى في قائمة الدول التي صدرت إليها واستوردت منها إيران منتجات غير نفطية خلال العام الإيراني المنصرم فبلغت حصة الصين 9.5 مليارات دولار أي بنسبة 23% من مجمل صادرات البلاد غير النفطية، في حين بلغت قيمة الواردات من الصين خلال الفترة نفسها 11.2 مليار دولار، بنسبة قاربت 26% من مجمل واردات البلاد، وبلغة الأرقام هذه فإن العلاقات التجارية تبدو ناشطة بين البلدين ومع اتفاقية التعاون الجديدة فإن العلاقات ستكون أكثر استراتيجية وأكثر استجابة للتحديات المشتركة وفي مقدمها الولايات المتحدة الأمريكية وحروبها التجارية والاقتصادية.

ابتسام الشامي

إخترنا لكم من العدد