مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين: يستنكر الخطاب التحريضي لمرجعية دينية.. ويربأ بالرئيس المكلف أن يكون أداةً لتنفيذ إرادات الغير

العدد رقم 251 التاريخ: 2020-09-26

مطلوب تنوفا لسلاح البر

مطلوب تنوفا لسلاح البر

في الخطاب الذي ألقاه مؤخراً رئيس هيئة الأركان، أفيف كوخافي، قال إنّه خلال أزمة الكورونا "الجيش الإسرائيلي واصل منع وإبطال تهديدات"، ووفّر أمناً واستقراراً لدولة إسرائيل.

هذه الأعمال، كما أشار، قد تعتبر مفهومة بحد ذاتها بسبب "تناقض الأمن: كلما كان هناك هدوء واستقرار أمنيّ نميل لننسى كم كان تحقيقهما معقداً"، ويتطوّر شعور مضلّل أنه يمكن تقليص متطلبات الأمن. رئيس هيئة الأركان حذّر من أنّ هذا خطأ فادح دفعت حياله دول عديدة، وبينها إسرائيل، ثمناً باهظاً.

الكلام يأتي، هذا ما يبدو، على خلفية الأزمة الاقتصادية التي تتكشّف وأزمة الكورونا. إزاء الضائقة الاقتصادية والمالية يمكن التقدير أنّه مطلوب من عموم وزارات السلطة أن تكتفي بميزانية مقلّصة جداً، والدفاع ضمناً. في المقابل، ميزانية أمنية صغيرة جداً قد تضر بكفاءة الجيش، بالتشديد على جيش البرّ، لتوفّر أمناً بفعالية في الروتين والطوارئ، وبشكل خاص في الحرب.

يُطرح السؤال، ما هي المعركة الأساسية؟ هل هي المعركة المتواصلة بين الحروب، التي تهدف من بين جملة لتفادي الحرب، أو الحرب هي المعركة الأساسية وعلى الجيش الإسرائيلي مواصلة بناء القوة والجهوزية قبيل حدوثها؟ في الواقع الإقليمي الحالي، غالباً ستفضّل أطراف متخاصمة العمل تحت سقف الحرب. وفي المقابل، هناك حالات تتميّز بسلسلة ردود متبادلة، لها تداعيات غير مقصودة، قد تؤدي إلى تصعيد وحتى إلى معركة. بالتالي، على الجيش الإسرائيلي الحفاظ على جهوزية سواء لمعركة بين الحروب أو لحرب.

في الفترة التي سبقت حرب لبنان الثانية، على سبيل المثال، تضرَّرت كفاءة جيش البرّ بشكل خطير نتيجة الاقتطاع في الموازنات في 2003. بالإضافة إلى ذلك تطوّر مفهوم، انبثق عن القتال المتواصل الفلسطيني وبحسبه روتين النشاط العملاني المكثّف سيحفظ الجهوزية العملانية للجيش، لكن بدون فهم أنّ الأمر يتعلق بمخطّط قتال مختلف عن المخطط الذي ربما يحدث في معركة مشابهة كالتي دارت في لبنان. الشكل "الأقل من كافي" مثلما وصّف ذلك ضابط رفيع في الجيش الإسرائيلي، الذي عملت به قوات البر في حرب لبنان الثانية، أثبت أنّ إهمال كفاءة البر له أثمان كبيرة. الاستنتاج هو أنّ التدريبات في جيش البرّ لحفظ كفاءة للطوارئ توجب استثمار موارد متواصل ومتعاقب. هذا الاستنتاج مدعوم، من خلال عِبر عملية "الجرف الصلب" في قطاع غزة في 2014، التي أثبتت خلالها تلك الورطة، ولو بدرجة أقل خطورة. حقيقة أن كل الجيش النظامي المناور قاتل تقريبا في هذه العملية نابعة أيضا من كفاءة متدنية لتشكيل الاحتياط، الذي لم يتدرب ومطلوب وقت طويل ليصل إلى كفاءة الحرب.

في الحالتين كان للاقتطاعات تفسيرات جيدة. الانتفاضة الثانية وأزمة اقتصادية من جهة، وكذلك الاحتجاج الاجتماعي الذي اندلع في 2011، كل هذا أوصل إلى قرار الاقتطاع في الميزانية الأمنية. والجيش الإسرائيلي، الذي معظم ميزانيته "صارمة" ومرهونة لدفع رواتب ورواتب تقاعد، صيانة جارية، مشاريع شراء وتعاظم، يقلّص أينما يمكن ذلك، على الأغلب في التدريبات، على أساس تقدير وضع مخاطر لحرب.

في حين طرأ تخفيض في موقع مسعى المناورة البرية، التي يوجب تفعيلها مسعى لوجستي ملحوظ ومرافق بشكل شبه متواصل بإصابات، زادت أهمية مسعى النيران (دقيقة في أساسها، لكن ليس فقط). أسباب ذلك واضحة: القوة الجوية، على سبيل المثال، متوافرة لعمل فوريّ ومحدود، ينفَّذ ما بعد الحدود، ونشاطها ينفَّذ تحت سقف الحرب. من خلال تفعيلها تواصل إسرائيل تفوقها التكنولوجي والعسكري وتفعّل سلاحاً موجهاً دقيقاً، يقلّص المخاطر لقوات الجيش الإسرائيلي ومدنيين غير متورّطين.

الجيش الإسرائيلي يمتلك اليوم قدرة نيران واستخبارات قوية وناجعة جدا، تعمل بشكل مندمج، وسلاح الجو أصبح جسما يعرف مهاجمة آلاف الأهداف في اليوم. تلك القدرات كانت مؤثرة بالنسبة للتهديد الذي وضعته حماس وحزب الله، في 2006 و2014. لكن حينها أيضاً، النيران الدقيقة، التي رُبطت باستخبارات محدّثة ودقيقة، لم تكفِ. العدو تكيّف وتعلّم التملّص منها، وإضافة إطلاق صواريخ وقذائف صاروخية نحو الجبهة الداخلية المدنية الإسرائيلية. في الواقع المناورة والنيران لن توقفا (على الرغم من أنهما ستشوشان وتخفضان) إطلاق النار نحو الجبهة الداخلية الإسرائيلية، لكن بدمج فعال بينهما تكمن القدرة على إنهاء المعركة بوضع تتمكن فيه إسرائيل من فرض شروطها على أعدائها، وضع ستطمح فيه إسرائيل للبقاء لفترة طويلة قدر المستطاع.

مسعى النيران حيوي، لأنّه يضرّ ويعيق القدرات العملانية للعدو، ينزع منه ممتلكاته الإستراتيجية، يلحق به ضرراً فادحاً وتدميرياً سيردعه من معركة إضافية لسنين عديدة ويفرض عليه استثمار موارده في ترميم الأضرار. في المقابل، لا تمتلك إسرائيل كماليات على شاكلة منظومات متواصلة، بسبب التهديد الذي يضعه العدو على الجبهة الداخلية المدنية لها. على الرغم من أنه لا يمكن توقيف القتال قبل استنزاف مسعى النيران واستهداف كل ما مخطط استهدافه، يجدر السعيّ لتقصير قدر الإمكان مدة المعركة. إحدى الأدوات بحوزة الجيش الإسرائيلي لتقصير المعركة هي المناورة البرية، لأنها تضع تهديدا حقيقيا لصمود العدو وقدرته الهجومية، الذي من شأنه أن يتسبب له بوقف المعركة.

معنى الكلام هو، أنّه مطلوب للجيش قدرة برية كاملة، تشمل قوات نظامية واحتياط سيمكنها تجنيد وتفعيل ضربات قاسية في مناورة سريعة، ستمتد وتضرّ بالقوة العسكرية لحزب الله وحماس. مطلوب قوة برية لطواقم حربية مندمجة، أصغر بأحجامها من البنية التقليدية والخرقاء التي عمل بها الجيش الإسرائيلي في الماضي، المعتمدة في أساسها على طواقم حربية لوائية وليس على فرق. قوات تعرف التحرّك والانتقال سريعا من ساحة إلى أخرى، لتنفيذ عمليات غزو سريعة، بمرونة واندماجية وثيقة ومتعددة الأذرع مع مكونات نيران واستخبارات، كذلك لضرب نشطاء العدو بشكل فعال عبر اشتباك مباشر. تلك القوات، التي سترتكز على قدرة تحليل استخبارات سريعة، يمكنها أن تتصيد "العدو المتخفي"، الذي تفادى قدر المستطاع مواجهة مباشرة مع الجيش ويتحصّن في الأنفاق والخنادق.

في المرات الأخيرة التي ناور فيها الجيش الإسرائيلي بنجاح كان رئيس هيئة الأركان أفيف كوخافي قائد لواء المظليين في عملية "السور الواقي" ورئيس وحدة عمليات في عملية "الجرف الصلب". يبدو أنّ العبرة التي حملها معه بعيداً هي أن المناورة يجب أن تكون موجّهة لتدمير ممتلكات العدو وقوته العسكرية. بحسب كلامه، "إذا تقدمتَ ووصلت إلى خط محدد، وفي الطريق إلى هناك دمّرت القذائف الصاروخية، صواريخ مضادة للدروع والقيادات، العدو المنتشر والمتخفي في المجال المدني سيواصل العمل كما لو أنّ المناورة أو العملية في المقابل لم تؤثّر عليه".

تجدر الإشارة إلى أن في المعركة التي بدأها الجيش الإسرائيلي مبادرةً منه، ونفّذ في بدايتها ضربة نار مؤثرة وقوية، يلحظ بعد فترة قصيرة "هبوط أهداف" بينما العدو متخفيّ عن ساحة المعركة. بغية تحديد مكان العدو، ضربه، وتعويمه لصالح مساعي النيران من الوسط، مطلوب عملية برية واحتكاك مباشر مع نقاط تمركز ومواقع اختباء العدو.

مطلوب من الجيش الإسرائيلي في الوقت الحالي أن يجري عمليات بناء قوة في حين في المحيط سيناريوهات تحوي إمكانية ضمّ الضفة الغربية، موجة ثانية من وباء كورونا، ركود اقتصادي سيجلب معه اقتطاع حاد في الميزانية الأمنية، وكالعادة، احتمال اشتعال تحريض في الضفة الغربية أو مواجهة في ساحة قطاع غزة والساحة الشمالية (وليس مضمونا أبداً أن تكون كل واحدة على حدا). الخطة متعددة السنوات التي ستتبلور ستتطلب تكوين جهوزية مثلى للجيش للسيناريوهات المختلفة، خلال تحريك عمليات بناء قوة للمستقبل، وتقليص جزء من مكونات الميزانية. بهذه المعطيات، سيحصل خطأ إذا توجّه أساس الاستثمار لبناء قدرات الاستخبارات والنيران، خلال مسّ بجهوزية وبناء القوة في البرّ.

الخطة متعددة السنوات السابقة، "غدعون"، التي طبّقت في عهد رئيس هيئة الأركان غادي أيزنكوت، أكّدت على جهوزية البرّ، "قدمنا العرجاء"، مثلما وصّفها حينها اللواء أهرون حليفا. في عهده تعززت تدريبات قوات البر، جرى إصلاح حقيقي في ذراع البر، تسرّح في إطاره من تشكيل الاحتياط عشرات آلاف الجنود غير الضروريين، جرى تمايز في كفاءة الوحدات وتفضيل تدريب الألوية المناورة للتشكيل، على حساب تعاظم وشراء. بالإضافة إلى ذلك تحسّنت قدرة الجيش الإسرائيلي للعمل في عمق العدو، عبر إقامة لواء الكوماندو. لكن، المأزق السياسي في العام الأخير، الذي حال دون بلورة إطار موازنات منظّم وأدّى إلى تقليص في التدريبات (الذي تفاقم نتيجة أزمة الكورونا)، أوصل إلى عدم ترميم القدم الضعيفة بعد.

جيوش هي منظمات تقليدية في طبيعتها. الخشية قبيل استكمال التغيير أن يتطلب من الجيش قتال يوجب إجراءات تغيير بطيئة نسبياً. لكن عليها أن تكون متواصلة. متغيّر آخر يجب أخذه بالحسبان هو التوتر المفهوم في عمليات بناء القوة بين الرغبة لسدّ ثغرات والرغبة لتعزيز عوامل التفوّق النسبي. الصعوبة في تعزيز البرّ تنبع من حجم الذراع بالقوة البشرية، بمنصات قتال وعتاد. الكلفة المرتبطة بتأسيس أثر نوعيّ كبير جوهري بالنسبة لتلك المطلوبة للتجهز بسلاح دقيق. من هنا على الأغلب سيفضل الجيش تعزيز التفوق النوعي. مع ذلك، حقيقة أنّ جيش البر، في الخدمة النظامية والاحتياط، يتقلص مع السنين، تمكن من تعزيز قواته الأساسية، مثلما جرى في الخطة متعددة السنوات "غدعون".

بسبب الاقتطاع المتوقّع في الميزانية الأمنية، على الخطة متعددة السنوات المقبلة، "تنوفا" (زخم)، أن تبني الجيش المناسب جداً لإسرائيل وللتحديات أمامها، وفي الواقع المواصلة في اتجاه الخطة متعددة السنوات السابقة. التهديد سواء من غزة أو في الجبهة الشمالية، الذي يشمل إلى جانب وضع تهديد خطير على الجبهة الداخلية عبر تشكيل قذائف صاروخية وصواريخ كذلك قوات غزو هدفها الاختراق والعمل في ميدان إسرائيل، يوجب إلى جانب التحسين في قدرات تفعيل النيران والفتاكة التي يقودها رئيس هيئة الأركان، تحويل قوات البر إلى قوات مرنة وسريعة جدا، قادرة على العمل في الدفاع كما في الهجوم.

جزء من الخطوات اتُّبع فعلا في العام الفائت. في قيادة المنطقة الجنوبية والشمالية سوف يبادر الضباط برتبة ألوية هرتسي لفي وأمير برعام، ضابطان من المظليين، لسلسة مناورات و"فحص معيار"، سيخضع في إطارها كلّ كتائب الخدمة النظامية وجزء من كتائب الاحتياط في الجيش الإسرائيلي لتدريب يحاكي معركة في الجنوب والشمال. تلك التدريبات مهمة، كما قال رئيس هيئة الأركان، "إن كان هناك أمرٌ مهم للمقاتلين يقطعون معه الحدود فهو شعور بالكفاءة وشعور بالأمن". على الرغم من أن الفحص لرفع الكفاءة هو خطوة في الاتجاه الصحيح، لا يزال مطلوب استثمار ملحوظ في ذراع البرّ. لأنّ في الدمج بين مسعى النيران لمناورة برية فعالة وقوية، تكمن القدرة على تقصير مدة المعركة المقبلة وحسمها أيضاً.

               مركز أبحاث الأمن القومي - غال فينكل 

ترجمة وإعداد: حسن سليمان

إخترنا لكم من العدد