مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين: يستنكر الخطاب التحريضي لمرجعية دينية.. ويربأ بالرئيس المكلف أن يكون أداةً لتنفيذ إرادات الغير

العدد رقم 251 التاريخ: 2020-09-26

مولى الجهات.. أنتَ مدايَ أنتَ الموزّعُ في دماي

غسان عبد الله

آخر الكلام

مولى الجهات.. أنتَ مدايَ أنتَ الموزّعُ في دماي

إلى سماحة السيد حسن نصر الله (حفظه الله)

كم أنتَ في هذي الخلايا مثلُ دمعِ العينِ أو زَغَبِ القطاةِ!، والليلُ أدرى بالتوحّدِ واشتعالِ الروح، كأنَّ نبضَكَ خافقٌ للتَّوِّ بي فأمرُّ من بستانِ عمري، والخريفُ يُهلُّ من ورَقٍ ويكتبني على طرُقِ الندى والذكرياتِ.. أملي معي/ ومعي الفجيعةُ.. والفجيعةُ حيثُ نُولدُ.. والولادةُ لا تكونُ بغير هواكَ.. والهوى إذْ ألتقيكَ ملهِماً للصبرِ وللحياة، أو زهرةً، أو فكرةً... يُعطي امتداداتِ المكانِ إلى الزمانْ.‏

آتٍ إليكَ مولى الجهاتِ.. كأنّني حجَلٌ تشعشعُهُ الأغاني في السّفوحْ. آتٍ إليكَ كأنني حجَرٌ يُطيِّرُ قبّراتِ السّهلِ، أو مطَرٌ يذرذرُ ما تبقى من لهاثِ الغيمِ في هذي الجروحْ.. فالوَهَجُ في ليل الجُمعاتِ وفي صفوفِ الجماعَةْ.. ويداكَ مبتدأٌ لملحمةِ الندى، والكونُ وسَّعَهُ مداكَ، وأنتَ أفراحُ المدى، والحلمُ جاءَ إلى القصائدِ فارداً أشرعتي، ويمدُّ للدّنيا شراعَهْ.‏

كم أنتَ بي عينانِ من دمْعٍ لقهْرٍ أو لوهْجٍ في الخلايا واليدينْ! هيّا تسابِقُنا الرياحُ وأنتَ كوكبُ رحلتي في المقلتينْ: نارٌ وثلجٌ.. أمنياتٌ.. بسمةٌ، مُهَجٌ.. ورؤيا.. والضراعةُ نيزكٌ للروحِ نحملها معاً بينَ الضلوعْ.. لغةُ النجاوى ترسُمُ الدنيا ويرهُجُ ضوؤها في العالَمينْ.. ها أنتَ بي وطنٌ يضيءُ دماءَه في الحالتينْ.

نرثُ البلادَ، كأنّنا نرثُ البلادْ! وكأنّنا لسنا نهاياتِ انفجارٍ أو بداياتِ انحسارْ.. والأرضُ تكمِل دورةً في كلِّ يومْ، فيكونُ أنْ نرثَ النهارَ وقد تشبّثَ بالظلامْ.‏. والأرضُ تكمِلُ جولةً في كلِّ عامْ، فيكونُ أنْ نرثَ الفصولْ.‏. والقلبُ يكملُ دورتينِ مع التبدُّلِ في المسارْ.‏. نرثُ الهوى، وكأننا نرثُ الهوى! فننهلُّ من فرحٍ يلوّنُ كلَّ شيءْ. تتكوّنُ‏ الدنيا ازدهاراً في الجبالِ وفي السهولِ؛ وعلى مدى الأيّامِ نولدُ مرّتينْ. ‏

أيقظتَني أيقظتَ قلبي فاشتعلتُ مع المطرْ‏..

عوَّدتني أن ألتقيكَ بكلِّ خافقةٍ وأُزهرُ في الوترْ..

وأنا فؤادُكَ إذ يهلُّ، أنا المدائنُ والحياة‏ أنا المُكَوْكَبُ بالثّمرْ..

روحي‏ مكاني حيثُ تحلمُ أن تحطَّ بعدَ زلزلةِ الخطرْ.‏.

ما السّرُّ في هذا الدعاءْ؟‏ ما السّرُّ في هذا الصوتْ؟‏ مطَرٌ على الشراعِ يأخذني إلى صمتٍ سكوبِ.. والثلجُ يهمي والرياحُ تئزُّ والأطفالُ يبتهجونَ فوقَ سطوحهمْ.. نهمي معاً، والكونُ يهمي، والعواصفُ مثلَ جمْرِ الحبِّ تهمي، والأماني في الدروبِ:‏ شايٌ وفاكهةٌ‏ وسحرٌ من هُبوبِ...‏ اللّيلُ يُطلقُ - آخرَ اللحظاتِ - أزهارَ الفرحْ.. نرمي يباسَ الجهلِ من أغصاننا، ونظلُّ نبحرُ في اشتهاءاتِ الصلاةِ.‏. كانَ اشتعالُ الروحِ يأخذُني إليكَ.. دفئاً وأغنيةً، وشوقاً عابقاً بالحبِّ يشرقُ في يديكَ.. كم كانَ يأخذُنا الكلامُ إلى فضاءاتِ الغفيلةِ ونجوم كميلْ.. كم كانَ يسكُنُنا الدعاءُ!‏.

أشعلتني بضياءِ روحِكَ، وانتشرتَ على فمي، شعراً وفتّحتَ الزّهورْ...‏ كم كنتَ ترتهجُ مجمراً معي! فأضيء شمعَ الأضْلُعِ!‏ أنجزْتُ قلبي، واصطفيتُكَ ذاتَ بحرٍ، وارتحلْتُ إلى ابتداءاتِ القصيدة. هَلْ كنتُ أُدركُ أنّ لونَكَ النورانيَّ سوفَ يأخذني إلى لهَبِ الصلاةْ.. أنجزتُ روحي واشتعلتُ مع المطرْ، فظللْتَ أشرعةً لإبحاراتٍ فريدة.‏. فامنحْ يَديْ غصْنَ الفرحْ‏.. وامنحْ فمي شدوَ الكلامْ‏.. الروحُ باردةٌ وفوقَ ربيعها يطفو الظلامْ‏.. وامنحْ عصافيرَ الدماءِ فضاءَها‏.. وامنحْ سهولَكَ - يا نديَّ الحبِّ - نورَكَ‏ أيَّ شيءٍ قد يخفّفُ غربتيْ..

مولى الجهاتِ الجليلةِ والنصرِ والفتحِ المبين.. كم كنتُ خَجِلاً، حينَ كنتُ أجيءُ إليكَ محمَّلاً بقصائدي الأولى هائماً!‏ كم كنتُ طفلا!‏ حوّلتَني قمراً وحوّلتَ الكواكبَ والنّهى مطراً وأشعلتَ الفضاءْ. وجعلْتَ هذا العُمْرَ قنديلاً وأهلا.. كم كنتُ طفلا!‏ أعلنتُ أزهارَ التُّقى، فغدا احتفالي واشتعالُكَ - طولَ هذا القلبِ - حالةَ عاصفٍ، فالأرضُ بيتي، والكواكبُ قريتي، وطفولتي ترثُ الزمانَ مع المكانْ.. وأنا أطوِّفُ مقلتيَّ على المدى.. كم صِرْتَ أسلافي وأجدادي! وكم تأتي البحارُ إلى دمي! ودمي الرؤى.‏.

من الوجد حديثُ القلمِ يبثُّ قصائدي فيكَ.. أعلنتُ قلبي شُعْلَةً، فرِحاً بقبّرةِ الحياةِ. أعلنتُهُ، وركضتُ في كلِّ الجهاتِ.. أبداً سيبقى توقُنا الأبديُّ يأخذنا إلى حالاتنا كالكائناتِ..‏ نحنُ اشتعالاتُ الغصونِ.. نحنُ البدايةُ في الدعاءْ..

هيّا ازرَعْ روعاتكَ في كلِّ جيلِ.. اللّوزُ يزهرُ بانتظاركَ، والعصافيرُ الجليلةُ تستفيقُ بزهوها صبحاً وتشدو للأحبّة والصهيلِ.. وأنا صداكَ، أنتَ مدايَ أنتَ الموزّعُ في دماي.. سأتقمّصْ نبضَ القصيدةِ وأبدأ في الليلِ دعاء السِّماتْ.. كم لذَّ صوتُكَ!‏ حين أعلَنتَ هيهات.. كم تقطّرَ بي نِداكَ مع الندى! والرجاءْ..‏ كم شاعَ طيبُكَ في فضاءاتي فأفردتُ الأشرعةْ على البحارْ.

عذراً مولى الجهات واللغات.. هو القلبُ يعصفُ بالوجد وبالذكرياتْ.. هو كوكبٌ في القلبِ هذا الحبُّ يولدُ من قصائدي.. هو حالتي في الأنسِ أو فرحِ التجلي والسعادة.. هو كلُّ هذا النبضِ يبدأُ بالمجيءِ مع الإرادة.. هو كوكبٌ في الروحِ فانتشر معي.. إني ها هنا أُدمِنُ الكتابةَ على ورق الأمنياتِ.. لأنتَ مولى هذا القلبِ مولى الجهات.. لأنت اشتعالي في الوجيبِ حين الدعاءِ ولحظةَ الصلاةْ.

غسان عبد الله

 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد