مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين: يستنكر الخطاب التحريضي لمرجعية دينية.. ويربأ بالرئيس المكلف أن يكون أداةً لتنفيذ إرادات الغير

العدد رقم 251 التاريخ: 2020-09-26

همسُ الليلِ.. وصوتُ الموجِ.. وصدى التمتمات

غسان عبد الله

أولُ الكلام

همسُ الليلِ.. وصوتُ الموجِ.. وصدى التمتمات

يجتاحني فَجْرٌ،‏ زوارق لوعتي جنَحَتْ إليكَ

أصابع النِّسيانِ فكَّتْ عن ضفافِ الوقتِ أشجارَ الخريفِ‏ فتظاهَرْ ضدَّ الحجارةِ في خطاكْ

وطالبِ الأقمارَ أن تلْقي وصايا النّورِ‏ في أمَم النَّزيفِ‏

وتقمَّصْ مطراً وعدْ وعلاً‏ أو عشبةً، أو وردةً بيضاءَ تحضن أختَها الحمراءَ‏

واشتعلْ أمامي‏

مَنْ أنتَ؟ حتَّى أستفيضَ أمامكَ كالبحرِ؟ لا تتساءل‏ وتجاهلْ هذا الجنونَ،‏

فتلك أرض بصيرتي اكتشفَتْ نوافذَ فضّةٍ‏ يتسرَّب الإيقاع منها...‏

أنتَ مائدة الحوارِ،‏ يداكَ مفتاح الكلامِ‏.. وأنا بيوتٌ أقْفِلَتْ بالحزن، فافتتحْ

أضئ كوكبي الأقصى.. تدلَّى من ثريّاتِ الهيامِ‏..

وتجوَّلْ في تيه أعماقي، ارفعْ حجر الظَّلامِ‏

تجد المغنّي داخلي جسراً تمرّ عليه قافلة الوجود الرَّاحلِ‏...

وإذا عثرتَ على الطَّبيعة داخلي‏ فتقاسمها كلَّها ودَعْ لروحي فطرةً أولى،‏

وقلباً ضلَّ عن خفقاتهِ الجذلى.. وألَّفَ فيَّ غيماً للجنونْ‏

ما زال يبحث عن تراب فوقَه يرمي تحيَّتَه،‏ ليقدر أن يكونْ‏

حرّاً كما ذكرى تفاجئ حارس الظّلماتِ‏ تدخل أيَّ نافذة،‏

تعيد قراءة الأشياء، تكسر لي المرايا‏.. وتشدّني نحوي فأمْسِكْ بي،‏

كأني من جديد أكْتَشَفْ‏ فإذا أنا فخّار أحزانٍ على جدرانِهِ‏ سال البكاء المريميّ،‏

ومنه ينطلق الدعاء، ومنه تبْتَكَر التّحَفْ‏

لا تغلق باب الصَّباح عليّ، أنتَ صباح بابي‏..

منه سأدخل نحو أصدائي القديمةِ،‏ منه أبتدئ التجوّل في ضبابي‏

لألمَّ ذاكرةً تشظَّتْ في الهواء‏ أديرها في الرّيح أطلقها طيوراً‏ نحو عائلة القبابِ‏

أنتَ الّذي لا أدّعي ذهباً لحضرته...‏

ولكن أدَّعي غَيْبي به لأغيبَ بضع مواسم عنّي، وأسهو عن خرابي...‏

فأراكَ عصفوراً بريشِ بنفسجٍ‏..

ويدين من زهرٍ خجول طازجٍ‏ وسريرَ أفكارٍ تحطّ عليه أسراب الحمامِ‏

هذا أنا: صيَّاد أشواقٍ، وصيْدٌ للصَّدى‏.. فخذْ جميعَ فرائسي الزّرقاء والخضراء والحمراء‏

والتحفْ بأجفاني،‏ ونمْ...‏ نمْ، ولي صحوٌ فضائيٌّ ولي أرق الأنامِ‏

هبطتْ مخيِّلةٌ معطَّرةٌ،‏ أضاءَ السوسن البريّ في شغفِ الحقولْ‏

وشممت طيبَ الأرض من بعدِ الهطولْ..‏

وسمعت بوح العاشقين من الآياتِ البيّناتِ‏

وجوههمْ كدموعِ أخيلةٍ.. ونهدتهمْ وجيب الأمهاتِ‏

ورأيت نفسي بينهم أتلو عليهم ما حفظت،‏ فقيل: صمتاً يا فتى...‏ فهنا نقول بلا كلامِ...‏

دعَ عنك لوعاتِ اليقينْ..‏ اسلك متاهَ الشاردينْ‏

واتبَعْ دعاءَكَ‏ وانفصل لتنالَ من فصلٍ وصالَكْ‏

وارجع إلينا يا حفيدَ الوجدِ،‏

يا بْنَ الوجدِ خلاّقاً‏ كأنَّكَ لم تكن ذكرى على جَمْرِ الغضا‏ ترخي ظلالَكْ‏

كم مرّةٍ نوديتَ: أنتَ على شغاف القلبِ‏ تمشي غافلاً، فاخلع نعالَكْ‏

واقبَلْ مزيجَ الوقت في إبريق ساعاتٍ‏ تعانق زفرةً معصورةً بيدِ الدّهورِ‏

والرّوح بين يديكَ طيِّعةٌ ومطلَقَة السّرورِ‏

فاكتبْ على الآفاقِ،‏ أين تألّقتْ عيناكَ، فالآفاق من نارٍ ونورِ...‏

صمتاً إذاً... ما للكلام المستحيل؟ ومَنْ أحالَكْ؟‏

قلنا وقيَّدَنا الكلام، فلا أبا لكْ‏... اسفَحْ دعاءَكَ كلَّه ليصدِّق السوسن دعاءَكْ...‏

***

نمْ... ولي كبد القصيدةِ، مجمَع الأشواقِ فيه:‏ أنتَ واللّغة العتيقَةْ‏

نمْ... هنا أوراق أحلامي تطير من الأغاني‏ كلَّما حركت أوتاري،

سمعت صدى حريقي‏ ثمَّ انحنيت على دماري‏ نوَّرت بيتَ الرّوحِ..

ألقيت العتابَ على أصابعه‏ أفاقَتْ من مغارتها القصائد...‏

كلّ خفقٍ ظلّه شِعرٌ‏ وتحتَ لسانكَ نبعٌ من السّحر القديمِ‏ يضيء وعد الياسمينْ‏

يسقي نباتَ العارفينْ‏

ورأيت صوتك منذراً ومبشّراً‏ مغزولةٌ كلماته بنسيج زينِ العابدينْ‏

نمْ مرّةً أخرى، لأصحو مرّةً أخرى،‏ أعلّمكَ السَّهَرْ؟؟؟‏

ضمَّ يديكَ على القَمَرْ‏.. ولتسمحْ للغيم أن يجلو الفضاء.. أصْغِ لإيقاع الكواكبِ في السَّحَرْ‏

الكون في عينيكَ أصغَر من حنيني‏ إلاّ قليلاً، فاستعنْ بالدَّاخل الناري،

أضئ محرابَ قلبكَ بالصّلاة مع الشّجرْ‏.. لا تقرأ كتباً، وطفْ حول عطر مستتِرْ‏

خلف الضَّمير، فكلّ وردٍ مستمرْ‏ بعبيرِهِ...

استمعْ إلى النّسيان حتّى تذكرَ وكُلْ من الشَّجرِ المباركِ واكبُرْ فجرَيْنِ...

وارتدَّ إلى حجرٍ يذوِّبه حَجَرْ‏

هذي هي الجدران راكعةً وراءكَ تصلي،‏ والدّجى شيخٌ جليلٌ ينتظرْ‏ أنْ تأمرَه بالرَّحيلْ‏

هل تبصر الآن لونَ العشقِ والصلواتْ.. ومضَ الوجدِ والذكريات... 

فاسمعِ الآنَ همسَ الليلِ وصوتَ الموجِ.. وصدى التمتمات.

غسان عبد الله

 

 

إخترنا لكم من العدد