مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين: يستنكر الخطاب التحريضي لمرجعية دينية.. ويربأ بالرئيس المكلف أن يكون أداةً لتنفيذ إرادات الغير

العدد رقم 251 التاريخ: 2020-09-26

تمديد اتفاقية التعاون الروسي الإيراني: طهران تندفع شرقاً

ابتسام الشامي

تمديد اتفاقية التعاون الروسي الإيراني: طهران تندفع شرقاً

بإعلانه انسحاب بلاده من الاتفاقية الدولية النووية مع إيران، يكون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد دفع طهران إلى سلوك طريق الشرق لكسر حلقة العقوبات التي أحاطها بها، وإيجاد بدائل من الآليات التجارية والتبادلية التي وعدت بها الدول الأوروبية الجمهورية الإسلامية قبل أن تراوغ في تنفيذ وإفراغها من مضمونها.

وإذا كانت الحرارة قد ارتفعت في مسارات التعاون الاستراتيجي مع الصين على ضوء الاتفاقية التي يدرسها مجلس الشورى الاسلامي تمهيداً لإقرارها، فإن القرار الإيراني بتمديد اتفاقية التعاون مع روسيا أعطى هو الآخر مؤشراً على قوة الاتجاه نحو الشرق بما يمثِّله من تطور استراتيجي في مقاربة إيران لعلاقاتها الدولية والتحرّر من الحصار الأمريكي الخانق ضدها.

اتفاقية 2001

شهد العالم مع مطلع الألفية الثانية أحداثاً كبرى كانت منطقة غرب آسيا بأهميتها الجيو/استراتيجية مسرحها، بدءاً من الحرب الأمريكية على أفغانستان، ثم على العراق وما تلاها من محاولات أمريكية اسرائيلية لإضعاف إيران وتطويقها وإيجاد حواجز مانعة بينها وبين الدول الصديقة لها والقوى المتحالفة معها، وصولاً إلى تغيير الخريطة السياسية للمنطقة برمتها بما يخدم هدف القضاء على أي تهديد للأمن الإسرائيلي والمصالح الأمريكية في المنطقة.

وبما أن إيران التي نجحت ثورتها عام 1979 بقيادة الإمام الخميني(قده) قد اقتلعت أحد أهم الأعمدة الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة ممثلة بنظام الشاه، فإنها أدركت باكراً حجم الاستهداف الأمريكي لها، فبنت منظومة سياسية داخلية متماسة واستراتيجية خارجية صلبة في مواجهة التحديات، من أبرز معالمها الانفتاح على دول الجوار والتعاون معها، وتعزيز الشراكات الاستراتيجية مع الدول الكبرى الموجودة على خط صدام مع الولايات المتحدة والتي تتيح لها التحرّر من العقوبات الأمريكية المفروضة عليها، وتحصين وضعها الدولي لاسيما في مجلس الأمن. وعلى هذه الخلفية جاءت اتفاقية التعاون مع روسيا عام 2001 ، التي وقعها الروسي فلاديمير بوتين، مع نظيره الإيراني آنذاك محمد خاتمي، خلال زيارته لموسكو في 12 آذار من العام نفسه.

وقد تضمّنت الاتفاقية التي اعتُبِرت "فتحاً استراتيجياً" كبيراً في علاقات البلدين، رؤية مشتركة لمبادئ التعاون على اساس التزام الطرفين بعدم استخدام القوة أو التهديد باستخدامها إزاء بعضهم البعض، وعدم إتاحة أراضيهما لأي أعمال عدوانية أو إرهابية تمس أمن البلدين، فضلاً عن عدم تقديم مساعدات لأي جهة تفكر في الاعتداء على أي منهما. وتناول الإعلان أيضاً التوافق على تبادل المعلومات والخبرات وتيسير الحصول على التأشيرات، وتوسيع التعاون الثقافي والأكاديمي، بما يتضمن تعليم الفارسية والروسية في البلدين، وتنمية العلاقات البرلمانية والأنشطة البيئية المناسبة ومكافحة أشكال العنصرية المختلفة. وقد تعهدت روسيا، كما جاء في نص الاتفاق، تأمين حاجات إيران من السلاح، بقيمة 300 مليون دولار سنوياً. كما توافق الجانبان على "المساعدة في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، وبناء محطات الطاقة النووية، والتعاون في مجالات الصناعة، والعلوم والتكنولوجيا، والزراعة، والصحة العامة".

تمديد الاتفاقية

الاتفاقية التي حُدِّد عمرها بعشر سنوات، قابلة للتجديد بشكل تلقائي لمدة خمس سنوات ما لم يطلب أحد الأطراف تعديلها أو الغاءها، عادت بقوة إلى الأضواء مع اعلان وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف في زيارته الأخيرة إلى موسكو أن تمديدها مدرج على جدول أعمال الجهاز الدبلوماسي الذي يترأسه. وقال إنه "نتيجة للمفاوضات التي جرت مع الجانب الروسي، قررت طهران تمديد اتفاقية التعاون - تنتهي مدتها في شهر آذار القادم - وجعلها طويلة الأمد "مشيراً إلى أن طواقم متخصصة من كلا البلدين ستقوم بتحديث الاتفاق "ليكون اتفاقاً لتعاون استراتيجي شامل طويل الأمد" بعد موافقة البرلمان عليه.

بدوره وصف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف المعاهدة بالمهمة في مجال التعاون الثنائي، مشيرا إلى انها تشكل الاساس في التعامل بين البلدين في جميع المجالات الرئيسية. وقال لافروف، في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الإيراني "إن عشرين عاماً مرّت على توقيع هذه الاتفاقية وهي فترة طويلة شهدت تطورات واسعة على الصعيد العالمي وكذلك التهديدات والتحديات ومنها الإرهاب وتغييرات المناخ وتفشي الفيروسات.. لذلك فإنه تقرر التخطيط لإعداد وثيقة جديدة تتضمن مواضيع أخرى".

الأبعاد السياسية لتمديد الاتفاقية

تمديد إيران اتفاقية التعاون مع روسيا، سبقه اعلانها توقيع اتفاقية تعاون استراتيجي مع الصين، ما يعزز المؤشرات الدالة على التوجه الإيراني نحو الشرق، حيث تلتقي مع دوله الكبرى على مواجهة التحديات المشتركة، وهو ما لفت اليه المتحدث باسم الحكومة الإيرانية "علي ربيعي" بقوله إن إيران وروسيا لديهما مصالح وهواجس مشتركة، بما يلزم التركيز عليها عبر مواصلة اللقاءات المستدامة بين كبار مسؤولي البلدين.

وأضاف، أنه "في ضوء العداء غير المسبوق الذي نصبته الولايات المتحدة الامريكية ضد الشعبين الإيراني والروسي، فإن تبادل الأفكار والرؤى بين رئيسي البلدين يشكل أمراً معهوداً من اجل التسريع في متابعة القضايا ذات الاهتمام المشترك". موضحاً، أن زيارة ظريف إلى موسكو جاءت لتحقيق هدفين رئيسيين، الأول يعود إلى الجهود الأمريكية الرامية لتمديد القيود التسليحية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية وضرورة التفاوض مع كبار المسؤولين الروس في هذا الخصوص، والثاني هو تمديد الاتفاقية الشاملة الموقعة منذ عشرين عاماً بين طهران وموسكو.

رسائل تمديد الاتفاقية

على أن الرسالة الأهم في المشهد كله تكمن في أن قرار تمديد الاتفاقية يحمل رسالة مباشرة للولايات المتحدة الأمريكية والدول التي تدور في فلكها مفادها أن لدى إيران خيارات للتعامل مع الحصار والعقوبات المفروضة عليها، وتعويض خسائرها من خلال أحداث تحول استراتيجي في علاقاتها الخارجية، وهذا ما قرأته صحيفة "إيران" الحكومية، مشيرة إلى أن "طهران تعتقد أن هناك فرصة مواتية لها من خلال الاعتماد على قدرة جيرانها القريبين والبعيدين في آسيا والشرق الأوسط" مضيفة أن "التحرك في خضم هذه التطورات نحو صياغة وتوقيع وثيقتين استراتيجيتين مع الصين وروسيا يظهر أن العلاقات بين إيران والدول الآسيوية اتخذت جانباً استراتيجياً في حكومة روحاني".

وإلى جانب هذا البعد المهم في توثيق إيران علاقاتها الاستراتيجية مع الدول الآسيوية، يعكس تمديد الاتفاقية مع روسيا وتوقيع اتفاقية مماثلة مع الصين تعاظم "أهمية" إيران في عيون الدول الأخرى على ما يقوله الدبلوماسي الإيراني السابق محسن باك آئين في مقالة له في الصحيفة نفسها، مشيراً إلى أن موافقة روسيا والصين على اتفاقية طويلة الأمد مع إيران، ما هي إلا دليل على "زيادة الثقة المتبادلة بين الجانبين.. فهذه الأطراف الدولية باتت بموافقتها مقتنعة بأن إيران يمكن أن تكون شريكا موثوقا ومستقرا لهم". ووفقاً لرأي باك آئين، فإن هذا التطور في علاقات إيران من شأنه أن يشكل "توازناً سياسياً أكثر منطقية بين شركاء طهران الاقتصاديين فضلاً عن أنه سيزيل آثار العقوبات التي طالت الاقتصاد الإيراني".

خاتمة

إذاً، في الوقت الذي تمضي فيه الولايات المتحدة الأمريكية في تصعيد حدة حربها الاقتصادية ضد إيران، فإن الأخيرة "تمعن" في اختبار خيارات جديدة للرد على العقوبات والتحديات، على أن ما يجري بين الدول التي ترى في الولايات المتحدة تهديداً مشتركاً من شأنه أن يكون لَبِنةً في نظام عالمي جديد آخذ في التبلور لا مكان فيه للأحادية الأمريكية.

ابتسام الشامي

 

 

إخترنا لكم من العدد