مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين حول الوفد المفاوض لترسيم الحدود: "نُصرّ على الالتزام بالضوابط التي كانت عليها المفاوضات غير المباشرة في العام 1996 وبتنفيذ القرار 1701"

العدد رقم 254 التاريخ: 2020-10-16

خلف كواليس "اتفاق أبراهام" – الإمارات وإسرائيل

خلف كواليس "اتفاق أبراهام" – الإمارات وإسرائيل

غداة يوم التوقيع على اتفاق السلام وإقامة علاقات طبيعية بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والبحرين، الذي نُظِّم في البيت الأبيض في 15 أيلول بحضور رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب، رئيس الحكومة الإسرائيلية ووزيري خارجية الإمارات العربية المتحدة والبحرين..

أُعدّ في معهد بحوث الأمن القومي مجلس استشاري لباحثين حللوا خلفيات وانعكاسات الاتفاق على إسرائيل والشرق الأوسط. المشاركون بالحوار تطرقوا إلى القضايا التالية: ما هي الأمور المشمولة بالاتفاق وما التي بقيت خارجه؟ ما هي أهداف إدارة ترامب؟ لماذا الأردن متحفظة على الاتفاق، ولماذا الفلسطينيون بقوا على الهامش؟.

تم توجيه المجلس الاستشاري من قِبل العميد (بالاحتياط) أودي ديكل، مدير المعهد. شارك به: المحامي العقيد (بالاحتياط) بانينا شربيط - باروخ – النواحي القانونية للاتفاق وبنيته مقارنة مع اتفاقيات سابقة بين إسرائيل وجيرانها في المنطقة؛ السفير دان شابيرو – أهداف إدارة ترامب مقابل موقف المعسكر الديمقراطي؛ الدكتور مورن زاغا، من معهد "متافيم" – دوافع الإمارات العربية المتحدة؛ السفير الدكتور عودد عيرن – تأثير الاتفاق على الأردن؛ الدكتورة سارة فويير – إمكانية انضمام دول إضافية إلى مسار التطبيع مع إسرائيل؛ الدكتور كوبي ميخائيل – دلالات على الساحة الفلسطينية.

ما الموجود بالاتفاق وماذا خارجه؟

عنوان الاتفاق بين إسرائيل والإمارات:

"Diplomatic Relations, and Full Normalization Treaty of Peace" يشير إلى طموح المشاركين به لرؤيته كإجراء تاريخي، يتخطى السياق الحالي. وقد تم عرضه كاتفاق سلام، على الرغم من أنه لم تكن هناك حروب أو حالات سفك دماء بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والبحرين. الرؤيا هي لتطبيع كامل للعلاقات، وذلك خلافاً للعلاقات بين إسرائيل وبين رائدتي السلام في المنطقة – الأردن ومصر. وفي الواقع، الاتفاق يشمل بنوداً تتعلق بالتعاون في مجالات مدنية متنوعة، من بينها الطبابة، الزراعة، السياحة، الطاقة، جودة البيئة، عصرنة. قوس المجالات هذا مخصص لتأسيس علاقات تتيح علاقات ساخنة بين شعبين، وفي الوقت ذاته التغلب على أزمات سياسية قد تنتج، لا سيما حول إدارة الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني. الاتفاق لم يشمل قضايا خلافية – حل دولتين للمشكلة الفلسطينية؛ تعليق الضم/فرض السيادة الإسرائيلية على المناطق في يهودا والسامرة (وفقاً لتسريبات على مدى أربع سنوات)؛ اتفاقات بين الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة حول تزويدها بمنظومات سلاح هجومية متقدمة، (مثير للاهتمام إن كانت إسرائيل سوف تستخدم اللوبي التابع لها في الكونغرس الأمريكي لمنع بيع سلاح يمس بتفوقها النوعي). من الممكن أن تلقى هذه المواضيع رداً في رسائل جانبية سرية، كما هو مألوف في اتفاقيات دولية، من أجل الالتفاف على حساسيات سياسية. بالإضافة إلى ذلك، لا يحتوي الاتفاق تطرّقاً خاصاً للتحدي الذي تشكله إيران في المنطقة، على الرغم من المصلحة المشتركة بين الأطراف لكبح إجراءاتها لتوسيع تأثيرها الإقليمي ومنعها من حيازة قدرة نووية عسكرية. لكن بالذات حصل تطرق لهذه المسألة بالذات من جانب رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب، عرّاب الاتفاق، عندما وعد بأنه سوف ينجز "صفقة" جيدة أيضاً مع إيران في الموضوع النووي في حال انتخابه لولاية إضافية في الانتخابات الرئاسية التي سوف تُنظم في شهر تشرين الثاني المقبل. ويمكن تخمين، أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي يشكك بإمكانية التوصل مع إيران إلى اتفاقيات تحدّ من قدراتها وطموحاتها، وخصوصاً بفرصة تطبيقها كما هي، لم يكن راضٍ كثيراً عن هذا الإعلان.

ما هي أهداف إدارة ترامب؟

إدارة ترامب، بالإضافة إلى المصلحة الكامنة بإنجاز سياسي بارز قبيل الانتخابات الرئاسية القريبة، لديها اهتمام بتوريث مفهوم إستراتيجي لإعادة تنظيم ميزان القوى في الشرق الأوسط. الإدارة تسعى إلى تشكيل ائتلاف إقليمي يضم الدول العربية السنية البراغماتية، المقربة من الولايات المتحدة الأمريكية، هدفه كبح طموحات إيران وأيضا تثبيت تأثير الصين وروسيا في المنطقة. عرض مخطط جديد لحل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني يهدف إلى دفع الائتلاف الإقليمي قدما ضمن إعفاء دول عربية من التزامات أخلاقية إزاء المسألة الفلسطينية، التي ثبُت حتى الآن أنها بلا فائدة، وسحب حق الفيتو من الفلسطينيين على تطبيع العلاقات بين إسرائيل ودول عربية.

في مراسم التوقيع وعد الرئيس ترامب أن خمس دول إضافية قريبة جدا من إقامة علاقات مع إسرائيل. عدة شروط من المفترض إملاؤها من أجل تحقق هذا الوعد: مصالح مشتركة مع إسرائيل خصوصا لكبح المحور الإيراني؛ تقدم في حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، على الرغم من أنه على رأس جدول الأولويات الإقليمي؛ أرباح اقتصادية وعسكرية من الاتفاق مع إسرائيل؛ غياب التزام قيادي أو ديني إزاء تلك الدول في العالم العربي والإسلامي. ووفقاً لهذه الشروط، تصعب الإشارة إلى الدولة التالية من حيث الدور. عُمان تقيم علاقات مقربة، وإن ليست رسمية، مع إسرائيل ويبدو أنها سوف تفضل في هذه المرحلة تأجيل القرار والحفاظ على موقعها كوسيط بين الولايات المتحدة ودول الخليج من جهة وإيران من جهة ثانية. كذلك المغرب من المتوقع أن تؤجل قرارها كيلا تخاطر بموقعها كرئيسة للجنة القدس في منظمة الدول الإسلامية. نجاح الاتفاقيات سوف يؤثر على قرار دول إضافية للانضمام إلى دائرة التطبيع وهي سوف تدرس المقابل الذي سوف تحصل عليه الإمارات والبحرين من الولايات المتحدة. مع ذلك، ثمة معقولية عالية بأنها سوف تتخذ خطوات تطبيع أيضاً دون إقامة علاقات رسمية، مثل فتح المجال الجوي السعودي من أجل رحلات إسرائيلية إلى الإمارات العربية المتحدة.

دون بايدن، المرشح الديمقراطي للرئاسة وخصم ترامب، لا يعتقد بأن خطة ترامب سوف تدفع قدماً بواقع دولتين على الساحة الإسرائيلية - الفلسطينية، لكن من المنطقي أنه سوف يستغل اتفاقيات التطبيع من أجل كبح خطوات إسرائيل على الساحة الفلسطينية – خصوصا في مجال البناء في المستوطنات وإبعاد الفلسطينيين عن المنطقة C – ولاستئناف العملية السياسية عبر ممارسة ضغط عربي مباشر على الفلسطينيين لتليين شروطهم بالعودة إلى المفاوضات، إلى جانب ضغط مقابل من جانب الإدارة على إسرائيل.

لماذا تم تعجيل أمر الإمارات العربية للتوقيع الآن بالذات على الاتفاق؟

على ضوء اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية، فإن الإمارات العربية المتحدة وربما أيضاً البحرين لديهما مصلحة بتحقيق إنجازات إستراتيجية مقابل إدارة ترامب، خصوصاً عقود تزود بسلاح متقدم واتفاقيات اقتصادية، لن تكون بالضرورة قابلة للتطبيق في حال ستكون الإدارة الأمريكية المقبلة ديمقراطية. في المجال الإستراتيجي إمارتا الخليج قلقتان من استقواء محورين منافسين لهما في الشرق الأوسط: الأول، المحور الإيراني - الشيعي، الذي لا يخشى تحديهما اقتصادياً وأمنياً في الخليج العربي/الفارسي، تحدي يتفاقم إثر رفع حظر السلاح عن إيران وإثر التقارب الذي حصل مؤخراً بين إيران والصين؛ الثاني، محور تركيا - قطر، الذي يعمل على تثبيت تأثير من الخليج العربي إلى شمال العراق، مروراً بشمال سوريا، الحوض الشرقي للبحر المتوسط باتجاه ليبيا (هناك قوات الإمارات العربية المتحدة وتركيا على عتبة مواجهة عسكرية). مقابل هذين المحورين الراديكاليين وعلى ضوء وجهة تقليص التواجد العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، الإمارات العربية المتحدة تطمح إلى تشكيل محور متوازن من دول سنّية براغماتية ومسؤولة، تسعى إلى استقرار إقليمي، يشمل إسرائيل أيضاً. تعزيز العلاقة مع إسرائيل يوسع مدى فرص وتأثير الإمارات العربية، التي تعتقد قيادتها أن عليها تثبيت موقعها الإقليمي، حتى عبر تفعيل جيش بعيداً عن البيت والعمل كوسيط في صراعات إقليمية. إقامة العلاقات مع إسرائيل يتيح لها موطئ قدم في الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، فرصة لإبعاد قطر عن قطاع غزة، كذلك تركيا عن جبل الهيكل، وخلال ذلك أيضاً الالتفاف على السعودية، التي موقعها الإقليمي والدولي ضعف خلال السنتين الأخيرتين.

لماذا الأردن تتحفظ على الاتفاق؟

"اتفاق أبراهام" يضع مأزقاً أمام المملكة الهاشمية – من جهة، الأردن من المفترض أن تدعم انضمام دول عربية إضافية إلى دائرة السلام مع إسرائيل – خيار هي نفسها جرّبته قبل 26 عاما. لكن من جهة ثانية، في الأردن تفاقمت الخشية من أن التطبيع بين إسرائيل ودولة عربية إضافية، دون اشتراطها بمسار سياسي بين إسرائيل والفلسطينيين، يعرقل التقدم نحو تطبيق رؤيا الدولتين ويعزز في إسرائيل رؤية الأردن نفسها كالدولة الفلسطينية. أضف إلى ذلك، أن المملكة الهاشمية تخشى من تمرد وسط سكان الأردن الفلسطينيين، الذين يشكلون غالبية في المملكة، يزعزع الاستقرار الداخلي. كذلك تخشى الأردن من انزلاق حالة اللاستقرار الأمني في الضفة الغربية إلى أراضيها. تاريخياً، الأردن اعتبرت نفسها كجهة وسيطة رائدة بين إسرائيل والفلسطينيين، لكنها دُفعت إلى الهامش عندما حازت الإمارات والبحرين على بطاقة ائتمان بشأن تأجيل نية الضم، في حين أن مبادئ المبادرة العربية – انسحاب إسرائيل إلى خطوط 67 – غابت عن الاتفاقات الجديدة. بالإضافة إلى ذلك، أكّد الرئيس ترامب على أن التطبيع بين إسرائيل ودول في الخليج يفتح بابا لصلاة مؤمنين من كل أرجاء العالم الإسلامي في المسجد الأقصى، وهكذا على ما يبدو مس بموقع الأردن كحامية الأماكن المقدسة في القدس. مع ذلك، فإن الأردن مرتبطة بمساعدة دول الخليج ولذلك ممنوع عليها إظهار معارضة حاسمة للاتفاق.

لماذا بقي الفلسطينيون على الهامش؟

الجانب الفلسطيني هو الأكثر تضرراً من وجهة التطبيع بين إسرائيل ودول الخليج. قيادتهم لم تنجح بأن تمرر في الجامعة العربية بيان شجب لـ "اتفاق أبراهام"، ولا حتى بإثارة الجمهور الفلسطيني في الضفة الغربية وفي قطاع غزة للقيام باحتجاج شعبي. التطور الإيجابي بين إسرائيل ودول في الخليج يؤكد الأزمة الإستراتيجية التي تواجهها السلطة الفلسطينية، الضعيفة والمنحطة، وكذلك يمكن تفسيره كإثبات على فشل الأسلوب السياسي لرئيس السلطة محمود عباس. حماس شخّصت بالأحداث فرصة لتعزيز موقعها السياسي والاندماج بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، مع التشديد على صلة سياستها – المقاومة العنيفة كوسيلة لدفع الطموحات القومية الفلسطينية قُدُماً. هزيمة عباس تم إبرازها خلال حملة نفذها إسماعيل هنية، زعيم حماس، في مخيمات اللاجئين في لبنان. صور هنية محمولا على أكتاف الجماهير الهاتفة في المخيمات، التي تعتبر معقل فتح، هي تحدي على سيطرة فتح في منظمة التحرير الفلسطينية وفي السلطة الفلسطينية. 

أضف إلى ذلك، على خلفية قرب محمد دحلان، الذي أبعده محمود عباس عن صفوف فتح، من قيادة الإمارات العربية المتحدة، هناك أزمة ثقة عنيفة بين الإمارات العربية وبين قيادة السلطة الفلسطينية. الإمارات العربية المتحدة حاولت تليين معارضة السلطة لاتفاق التطبيع مع إسرائيل عبر وعد منها بتقديم مساعدة اقتصادية وبنى تحتية سخيّة، لكن عباس رفض قبولها. ولذلك من المتوقع توجّه الإمارات العربية المتحدة مباشرة إلى الجمهور الفلسطيني، متخطيةً السلطة، مثل عرض وظائف على أكاديميين ومهندسين فلسطينيين شبان.

في ظل الضعف الفلسطيني في الوقت الحالي، إسرائيل من جهتها يجب أن تكون حذرة من الحقد. وذلك لأن الأزمة بالذات وضعف الفلسطينيين قد يشجعان توحيد الصفوف بين السلطة وحماس، لخلق حالة من عدم الاستقرار على ساحة الصراع وتصعيد بالعنف والإرهاب.

ملخص وتوصيات

"اتفاق أبراهام" – اختراق حاجز العلاقات الرسمية بين إسرائيل ودول عربية براغماتية – يشكل بالنسبة لإسرائيل إنجازاً سياسياً بارزاً. من ناحية رئيس الحكومة نتنياهو يدور الحديث عن إنجاز شخصي ثقيل، عكس علاقاته الخاصة مع الرئيس الأمريكي ترامب. إنجاز نتنياهو سياسي أيضا مع إزالة مصطلح "حلّ دولتين" للمشكلة الفلسطينية من النص الكلامي للاتفاقات. لكن يجب على إسرائيل أن تأخذ بالحسبان أن الإشارات من العالم العربي بشأن إنهاء التزامه بإيجاد حل للمشكلة الفلسطينية، وربما أيضا تقديم مساعدة للسلطة الفلسطينية، تعني أن المشكلة الفلسطينية سوف تبقى على عاتق إسرائيل فقط، بما لها من تداعيات إيجابية وبشكل خاص سلبية. ولذلك، على الرغم من تدني قيمة الحصّة الفلسطينية على الساحة الإقليمية، يجب على إسرائيل تجنّب إضعاف إضافي للسلطة الفلسطينية وإبراز ضعفها. أضف إلى ذلك، حسناً تفعل إسرائيل في حال ستقدم من أجل السلطة، كمقابل، مساعدات في مجال الاقتصاد - البنية التحتية، تأتي نتيجة الاتفاق.

الاتفاق من المفترض أن يشكل مصدر إيحاء لاتفاقيات سلام وتطبيع بين إسرائيل ودول إضافية، وكذلك منصة لإقامة تحالف متعد الأطراف إقليمي. المصالح المشتركة بين إسرائيل، الإمارات والبحرين في مواضيع أمن، اقتصاد، طبابة، زراعة، سياحة، نقل وغيرها، تتطابق مع مصالح دول إضافية في المنطقة. وفي إطار إقليمي واسع، يعتمد على احترام متبادل بين شعوب وقيادات، يمكن للدول الأعضاء رفع نقاط تفوقهم المنصهرة. تعاون إقليمي سوف يساهم في ازدهار اقتصادي وكذلك سوف يعزز الأمن والاستقرار ويعطل تأثيرا سلبيا لإيران وتركيا في المنطقة.

مطلوب من إسرائيل أيضاً بحث انعكاسات قد تتطور إثر الاتفاق. هل سيتم تقليص حرية عملها على الساحة الفلسطينية؟ هل عملية عسكرية واسعة في قطاع غزة سوف تؤدي إلى تجميد التطبيع مع دول عربية؟ وما هي طرق العمل التي ستكون لدى إسرائيل ردًا على قرار إيراني بتنفيذ هجوم عسكري على الدول التي وقّعت معها إسرائيل اتفاقيات سلام، أو تفعيل وكلاء إرهابيين ضد هذه الدول، يمسون بأراضيها وبأهداف إسرائيلية؟.

معهد بحوث الأمن القومي - أودي ديكل ونوعا شوسترمان

ترجمة وإعداد: حسن سليمان

 

إخترنا لكم من العدد