مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين حول الوفد المفاوض لترسيم الحدود: "نُصرّ على الالتزام بالضوابط التي كانت عليها المفاوضات غير المباشرة في العام 1996 وبتنفيذ القرار 1701"

العدد رقم 254 التاريخ: 2020-10-16

حديث القلم.. نافذةٌ أولى

غسان عبد الله

أوّلُ الكلام

حديث القلم.. نافذةٌ أولى

لمن تكتبْ وقد رحلَ حتى العشَّاقُ والكتَّابُ والساهرون والسُّمَّارُ في إثر الشعراءِ من متردِّمِ.. لمن كلُّ هذا الهطولُ في أرضٍ أدمَنتِ البوارَ نكايةً بالمطر، لمن يا صديقي تكتبُ وقد انطوتِ الأحرفُ خلفَ جحفلِ الأرقامِ وتوارت خلف صندوق الإنترنت العجيب..

لمن تكتب ولم يعد للشعر من مكان، ولا حتى للخربشات على الورق التي مسَختها الحضارةُ واستبدلتها بالأقراص المرنة، هل يا ترى للحرفِ قضيةٌ تتمسَّكُ بها حتى تُجاهدَ نفسكَ هكذا؟! ما رأيُكَ لو تمزِّقُ أعلامكَ وتُغلِقُ نوافذَكَ وترتاحُ معي هنا على مسافةٍ من الإبداع بعيداً عن الحرف.. الكلمة.. الجملة.. ولينضمَّ كلُّ أصحابُ الكلِم إلينا ونمتنع جميعاً عن الكلام، ونستمتعَ بهم يتعذَّبون بحثاً عن مفردةٍ وليتذوقوا طعم الحياةِ بلا قصيدة؟! صدِّقني.. نحن متعبون، ونحتاجُ إلى إجازة.

إذن.. لمن أكتبْ؟‏.. ولماذا؟؟... الكلُّ منشغلون بالحديث على الإنترنت.. مشرفون على الكون من كوةٍ صغيرةٍ تضيءُ لكنها لا تنير ليلهم.. يتلهّون ويرون أن الكون لم يعد يتسع لأي شيء سوى مواقعِ المحادثة القهرية.. وأنا وحدي أزاول طقس جنوني.. طقس الكتابة.. والحديث أول الكلامِ وآخره عبر البلاد!.

لمن أكتب؟؟.. سفينةُ أحرفي تَعِبَتْ فمن يُرسي مراسيها ولا برٌّ ولا شطآنْ؟‏.. عصافيرُ الحروفِ البيضْ‏ فراشاتُ الحروفِ الحمرِ.. كيف تحطُّ في الصحراءْ‏.. وما في الرملِ أزهارٌ ولا أغصانْ؟‏ وحين تهاجِرُ الكلماتُ من صدري مُبَارَكةً كوجه الشمسْ‏.. لتدخل في جحيم الليل تدفعها الأعاصيرُ‏.. تحاول خلف صخر السورِ أن تمتدَّ أغنيةً كبوحِ العِطرِ في نيسانْ.. تصفعها الدياجيرُ‏.. فترجِعُ كانكسارِ الحلمِ تحمِلُها يدُ الأحزانْ‏.

لمن أكتبْ؟‏.. وهل كلماتي انقلبت عصا موسى؟‏ لتَلقَفَ كلَّ ما صنعوا وتفتحَ برزخاً في البحرْ‏.. وهل هي حبلُ من أدلوا.. ويوسُفُ صارخٌ في البئرْ؟.. وهل هي بوق إسرافيلَ تُحيي سَمْعَ من ماتوا‏ فلو كانت سحاباً يسكِبُ المطرَ‏.. ولو كانت عقوداً من نجومِ الليلِ زانتْ أرضنا دُررا‏.. ولو كانت براكيناً تثور وتقذف الشررَ‏.. ولو كانت... ولو كانت‏.. لما وَجَدَ السحابُ الأرضَ حقلاً يُنبت الزهرَ‏.. وما وَجَدَتْ عقودُ النجم تحت سمائها صدرا‏. 

إذن.. لمن أكتبْ؟‏.. ولم يَسْمَعْ صدى الكلماتِ هذا العالمُ المخمورْ‏.. وأين تسافِرُ الأقمارُ والأبوابُ موصدةٌ بوجهِ النورْ؟‏.. ألا يا أيها الإنسانُ.. أنت القاهرُ المقهورْ‏.. وحتى قادِرُ الزِّنْدَيْنِ مصفوعٌ بما صَفَعْ‏.. وحتى صانعُ السكين مقتولٌ بما صنعْ.. فيا حرفي وهل تُسمِعْ، إذا ما جَلْجَلَ المدفعْ‏ سلاماً يا صلاة الحرفِ‏ حين يمد حبلَ الموت إنسانٌ إلى إنسانْ‏. 

فيا حرفي‏.. وأنتَ رسالتي الأولى التي من أجلها أحيا‏..؟ ويا كلماتي النشوى‏.. وما ألقيتُ أعلامي، ولا مزقتُ أحلامي‏.. إذا ما شئتِ أن أشدوَ.. وأنثرَ في الأنامِ العطرْ‏.. إذا أحببتِ أن أنسابَ ينبوعاً يشقُّ طريقَهُ في الصخرْ‏.. فثوري في فمي غضَبا‏.. وصبي من يدي لهباً على قلمي‏.. لأحرق حقدَ من حقدوا‏.. وتشرقَ بسمةُ الدنيا بما أكتبْ‏.. سأمسي بعدها... أكتبْ‏.. سأكتُبُ وأكتبُ.. فذا حبرُ النوافذِ بحرٌ من المفردات لا ينضبْ.. سأكتُبْ.. لا لأحدٍ.. لكن كيما أتعبَ من الصمتِ.. أو ينتابَني الصَّمتُ فأتعبْ.. سأكتُب.. سأكتُب.

غسان عبد الله

 

 

إخترنا لكم من العدد