مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين: يتوجه للبنانيين بالتهنئة بالذكرى السنوية للقادة الشهداء مستذكراً جهادهم الذي كان سبباً في تحرير لبنان من رجس الاحتلال الصهيوني

العدد رقم 272 التاريخ: 2021-02-20

إدارة جديدة في واشنطن.. فرص وتحديات لإسرائيل

إدارة جديدة في واشنطن.. فرص وتحديات لإسرائيل

في 20 كانون الثاني سوف يدخل إلى البيت الأبيض الرئيس الديمقراطي المنتخب جو بايدن. من المتوقع أن تؤدي إجراءات تبديل السلطة، بلا شك، إلى تغييرات مهمة في السياسة الخارجية الأمريكية، من حيث الأسلوب والجوهر. في الوقت ذاته، في بعض القضايا ستكون هناك استمرارية معينة بشأن سياسة الإدارة المغادرة.

بالنسبة لإسرائيل، الإدارة الجديدة تشكل سلسلة فرص مهمة لكن أيضا تحديات، في مختلف القضايا على جدول الأعمال. وذلك، حتى وإن كان من المنطقي أن الشرق الأوسط لن يكون على رأس جدول أولوياتها، لاسيما خلال عامها الأول، الذي من المتوقع أن تركز خلاله الإدارة الجديدة، قبل أي شيء آخر، على رتق الصدوع في المجتمع الأمريكي المتصدع، على مكافحة الكورونا وعلى التحديات الاقتصادية، ومكانة الولايات المتحدة الأمريكية في العام – مع التشديد على ترميم العلاقات ألـ "ما وراء الأطلسية" والمنافسة العظمى مقابل الصين وروسيا.

مكانة إسرائيل وصورتها في الولايات المتحدة قيد الاختبار

العلاقات الخاصة والتحالف القيمي والسياسي - الأمني بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية سوف تستمر حتى في عهد بايدن - هاريس، الذين يُعتبران صديقين حقيقيين لإسرائيل. وحتى الآن، بايدن، كنائب رئيس في إدارة أوباما، يحمل معه ترسبات بالشأن الفلسطيني (البناء في المستوطنات) والإيراني (خطاب رئيس الحكومة في الكونغرس). بالإضافة إلى ذلك، خلال السنوات الأخيرة حصل سحق خطير بمكانة إسرائيل كإجماع لدى الحزبين في الولايات المتحدة الأمريكية. فإسرائيل اعتُبرت كدولة محسوبة على حزب وإدارة الجمهوريين، وهكذا تحولت إلى موضوع خلاف سياسي، خصوصا في عصر التقطب العميق في الولايات المتحدة.

إدارة بايدن - هاريس والمجلس الوزاري السياسي - الأمني المصغر الذي سوف يعينه كلاهما، من المتوقع أن يعملوا وفقاً لسلّم قيم ليبرالي، من الحرية، المساواة المدنية والاجتماعية، وحقوق الإنسان، يشير من بين عدة أمور، إلى أساس دعمهم للحزب الديمقراطي المتغير والمتجدد. هذا لا يتم تشخيصه دائماً مع إسرائيل بالشكل الذي اعتدنا عليه، وحتى أن في صفوفه هناك من يرى بها جهة رجعية. بظروف كهذه مكانة إسرائيل كالديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط – ثروة هائلة في علاقاتها مع الإدارات على مر أجيالها ومع الجمهور الأمريكي – قد تواجه اختباراً.

الإدارة الجديدة من المتوقع أن تواصل، وربما أيضا تشدد، سياسة سابقتها في ما يتعلق بالتعاون بين إسرائيل والصين وعلاقاتها مع روسيا، التي وصفها بايدن كتهديد أكثر خطورة من الصين.

في ظروف كهذه، يجب على الحكومة الإسرائيلية السعي بسرعة إلى علاقات مع إدارة بايدن، وبلورة خطة سياسية ودبلوماسية منظمة للتعاطي حيالها، أهدافها التالية:

أ‌. فتح أبواب ووضع أسس حوار متتالي وهادئ إزاء أصحاب الوظائف الجديدة ومراكز التأثير في صفوف الإدارة، بهدف إنتاج تنسيق، لغة مشتركة ومسار تشاور ودي في القضايا التي تقلق إسرائيل.

ب‌. التشديد على الأساس القيمي المشترك بين الدولتين عبر تعزيز صورة إسرائيل كدولة ديمقراطية تقدس المساواة بالفرص، المبادرة والحداثة؛ وترميم موقعها كمحط إجماع لدى الحزبين في الولايات المتحدة الأمريكية.

ت‌. الفصل بين موضوعَي الصين وروسيا خلال الحوار مع الإدارة. ففي حين ترى الإدارة الأمريكية بالموضوعين تهديداً مشابهاً مرتبطاً بالمنافسة بين قوى عظمى، بالنسبة لإسرائيل يدور الحديث عن مشكلتين مختلفتين: الصين تنتج تهديدا في مجال الاستثمارات والتكنولوجيا ولا تطمح إلى رسم المنطقة، لاسيما عندما تكون مصالحها، خصوصا في مجال الطاقة، محفوظة. في المقابل، روسيا لها تواجد عسكري في المنطقة يؤثر على مصالح إسرائيلية حيوية.

ث‌. منع أزمة بالعلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة في قضية الصين، عبر دراسة آليات الرقابة على استثمارات صينية، بتنسيق وشفافية كاملين مع واشنطن. وذلك، بهدف التأكد من أن إسرائيل تلتزم بالمعيار الأمريكي، والإدارة الأمريكية يمكنها أن تحدد أن نشاط الصين في إسرائيل لا يشكل خطرا على مصالح الولايات المتحدة.

ج‌. فهم إدارة بايدن أن علاقات إسرائيل مع روسيا بالمستوى العسكري - التكتيكي وبمستوى القيادات، حيوية لحفظ حرية العمل في سوريا. وذلك، بهدف إحباط محاولات إيران التمركز فيها عسكريا، ومضاعفة، على أرضها، التهديد التقليدي الخطير الذي بنته ضد إسرائيل في لبنان. إدارة بايدن يجب أن تفهم أن الحديث يدور عن مصلحة إسرائيلية إستراتيجية عليا.

التهديد الإيراني في المجال النووي وفي المنطقة

خلال المعركة الانتخابية عرض بايدن إستراتيجيته حيال إيران، ووفقا لها، في حال ستنصاع إيران مجددا بشكل كامل للاتفاق النووي، فإن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تنضم إليه مجددا، وبناء على ذلك سوف ترفع عنها العقوبات. فقط بعد ذلك سوف تدير إدارته مفاوضات مع إيران حول "تعزيز وتمديد صلاحية" بنود الاتفاق، وفي الموازاة سوف تقف ضد نشاطها المؤذية في مجالات حقوق الإنسان، ودعم الإرهاب وتطوير صواريخ.

الاستراتيجيا التي يصممها بايدن من المحتمل، إذن، أن تعيد إدارته إلى الاتفاق النووي الأصلي، الذي تقترب تواريخ انتهاء بنوده، و"ينهيه" هناك – بعد أن تنازل، جزئياً على الأقل، عن مجال العقوبات – دون إمكانية تصحيح نقاط الخلل الخطير للاتفاق.

من جهة ثانية، بينما تجد إدارة ترامب صعوبة في ترجمة عوامل الضغط التي بناها على إيران إلى إعادتها للمفاوضات وإلى إنجازات إستراتيجية، فإن دخول بايدن إلى البيت الأبيض يزيد فرص تعميق التنسيق بين واشنطن ودول أوروبا واستئناف المفاوضات مع طهران، ضمن تباطؤ محتمل انتهاكاتها للاتفاق النووي.

كعبرة من الحديث الإشكالي خلال ولاية إدارة أوباما، يجب على إسرائيل أن تمتنع عن الإدلاء بتصريحات انتقادية إزاء سياسة بايدن والسعي إلى أقصى حد من التنسيق مع الإدارة الأمريكية، بشكل يتيح لها التأثير على مسار بلورة سياستها حيال التحدي الإيراني.

الإنجازات المطلوبة في الحوار مع الإدارة الأمريكية هي:

أ‌. التوافق على ضرورة منع إيران ليس من حيازة سلاح نووي فحسب، بل أيضا من الوصول إلى صفة دولة على عتبة النووي، الأمر الذي يتيح لها أن تعكس قوة في الشرق الأوسط. 

ب‌. التوافق على حدود قطاع (TOR) المفاوضات مع طهران، وتصميم أمريكي على تصحيح نقاط الضعف في الاتفاق النووي: انتهاء صلاحية القيود ("غروب")، بحث وتطوير أجهزة طرد مركزي متقدمة وصلاحيات مراقبة على برنامج السلاح.

ت‌. الحفاظ على عامل العقوبات ريثما يتم تعديل نقاط الخلل الخطيرة في الاتفاق النووي. في حال رغم كل ذلك سيُتخذ قرار بتخفيف العقوبات قبل ذلك من الأفضل اللجوء إلى إجراء غير مباشر على شاكلة قرض أوروبي مصدّق (وفقا لما اقترحه سابقا الرئيس الفرنسي، ماكرون).

ث‌. أولوية للتحدي النووي والتقدم به، لكن ضمن سعي مشترك إلى كبح إيران في المنطقة وفي مجال الصواريخ.

ج‌. إرساء الاعتراف وسط صفوف الإدارة الأمريكية بأن السبيل الأكثر نجاعة لتحريك النظام الإيراني نحو تسويات هي عبر الدمج بين انتشار وتواجد عسكري في المنطقة ضمن وضع تهديد عسكري موثوق وبين عقوبات، خطوات عقابية وضغط اقتصادي ثقيل.

الساحة الفلسطينية كفرصة

بالمدى الفوري إجراءات تبديل الإدارة في واشنطن تشكل فرصة واضحة بالنسبة لإسرائيل على الساحة الفلسطينية. فدخول بايدن إلى البيت الأبيض من المتوقع أن يُنزل بشكل نهائي عن جدول الأعمال خطة الضم، التي شكلت تهديداً حقيقياً على أمن إسرائيل القومي وطبيتها كدولة يهودية وديمقراطية. وفي هذه الظروف، تكبر فرصة كبح مسار الإضعاف المتسارع للسلطة الفلسطينية وإخمادها كمؤسسة حكم، كذلك انجرافها باتجاه حماس والمعسكر الراديكالي على خلفية اتفاقيات التطبيع.

في ظل إمكانية تجديد المساعدة الأمريكية الاقتصادية للفلسطينيين، وإعادة فتح مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن والقنصلية في القدس، والأكثر أهمية تجديد الأفق لحل الدولتين – من المحتمل أن تزيل السلطة الفلسطينية معارضتها لقبول أموال المقاصة من إسرائيل واستئناف التنسيق المدني والأمني معها تدريجياً، ضمن كبح حماس في يهودا والسامرة.

استقواء السلطة وفتح أفق لمسار سياسي، من المتوقع أن يكبحا وجهة انجراف الجيش الإسرائيلي والإدارة المدنية إلى فراغ تركته السلطة في مجال إدارة حياة السكان الفلسطينيين؛ وتحسين علاقات إسرائيل مع الأردن ومصر.

إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط

نهج بايدن، وفقاً لما انعكس بشكل جيد من خلال مقاله البراغماتي في "فورين أفايرس" تعطي وزناً كبيراً لقضايا ديمقراطية، حقوق إنسان وحرية التعبير. هذا النهج يخلق حالة قلق حقيقية وسط حكام الشرق الأوسط، في دول الخليج وفي مصر على سبيل المثال، الذين يديرون مواجهات مع معارضة داخلية ويخشون العودة إلى "سيناريو أوباما"، الذي عبّد من وجهة نظرهم الطريق إلى "الربيع العربي".

في النهاية، بايدن كرئيس، كما أوباما وترامب قبله، من المتوقع أن يواصل تركيز جوهر الاهتمام في آسيا في ظل التحديات المتفاقمة من جانب الصين وشمال كوريا. وذلك، من بين عدة أمور، على حساب الشرق الأوسط، حيث لإسرائيل مصلحة عميقة باستمرار تواجد وهيمنة أمريكية، لا سيما في العصر الحالي الذي تسيطر عليه حالة عدم التأكد وعدم الاستقرار.

بايدن يسعى إلى تقليص حجم القوات الأمريكية في الشرق الأوسط، وإجراء تغييرات بالانتشار تقلل الموارد (مال وعناصر) التي تستثمرها الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة إلى مستوى يمكن تحمله من ناحيتها. ضرورة الشفاء من الضربة التي تلقاها الاقتصاد الأمريكي خلال أزمة الكورونا سوف تحد من قدرات الولايا المتحدة الأمريكية، بقيادة بايدن، في كل ما يتعلق بتواجد وخيارات ما وراء البحر، بما في ذلك في منطقتنا.

يجب على إسرائيل الدخول في حوار عميق مع إدارة بايدن في قضية الشرق الأوسط، أهدافه هي:

أ‌. صقل معرفة وحساسية الإدارة الأمريكية حيال التوتر العميق بين قضايا الديمقراطية والاستقرار في الشرق الأوسط، وضرورة إجراء توازن بينهما من أجل منع زعزعات خطيرة في منطقة غير مستقرة أصلاً (كما أثبتت الأحداث في مصر قبل أقل من عقد).

ب‌. تحليل دلالات الانعكاسات والتحديات المرتبطة بتقليص التواجد العسكري للولايات المتحدة في المنطقة وتنفيذ استعدادات مشتركة له.

ت‌. ضمان استمرارية الأداء والالتزام الأمريكي بتعميق العلاقات بين إسرائيل والدول العربية، وخصوصا السعودية، وتوسيع دائرة التطبيع.

ث‌. حرص وتشديد خاص من جانب إدارة بايدن على حفظ التفوق النوعي العسكري لإسرائيل، على خلفية الصفقات الضخمة لمنظومات سلاح وذخائر متقدمة إلى دول الخليج. من المهم التوضيح للإدارة الجديدة أن خلال الفترة الحالية من وضع اللا-التأكد وقابلية الانفجار في الشرق الأوسط وفي المجتمع الدولي، يجب على إسرائيل أن تمنع مخاطر، وأكثر من أي وقت مضى يجب عليها أن تحفظ تفوقها العسكري وصورة الردع والقوة التي تعكسها في المنطقة. وفي هذا الإطار، يجب على إسرائيل أن تستعد لـأن تقدم لإدارة بايدن، التي من المتوقع أن تخضع في مرحلة مبكرة لاختبار المساعدة الخارجية الأمريكية، طلباً بشراء شامل لعتاد للجيش الإسرائيلي ومعاظمة قوته خلال السنوات المقبلة، ضمن استنفاذ المساعدة الأمريكية.

ج‌. رفع تغيير السياسة المتوقع في البيت الأبيض حيال تركيا، من أجل كبح خطواتها الإشكالية في المنطقة، ولا سيما في الحوض الشرقي للبحر المتوسط.

بالنتيجة النهائية، مقابل التحديات الكثيرة التي تواجهها إسرائيل في الداخل والخارج، لا بديل عن الدعم والسند الإستراتيجي الذي تقدمه لها الولايات المتحدة الأمريكية. يجب على الحكومة الإسرائيلية أن تسعى، كهدف أعلى، إلى بناء علاقات ثقة وأطر حوار فعالة، مع مسؤولي الإدارة الأمريكية ومختلف مراكز التأثير في صفوفها. في هذا المجال يجب عليها أن تعتمد حذرا خاصا بعلاقاتها مع إدارة ترامب خلال شهور ولايته الأخيرة. وذلك، كيلا تبدو بنظر بايدن كمن تعمل "لسرقة أحصنة" ومعانقته مسبقا، قبل دخوله إلى البيت الأبيض.

مركز متعدد المجالات هرتسيليا

ترجمة وإعداد: حسن سليمان

 

 

إخترنا لكم من العدد