مجلة البلاد الإلكترونية

الإمام الخامنئي (دام ظله): "النّظام الأمريكي لن يُعمّر طويلاً إنْ جاء أحدهم إلى السلطة، فسيُعجّل الانهيار، والآخر ربّما يؤخّره قليلاً لكن في جميع الأحوال هذه هي الحقيقة"

العدد رقم 268 التاريخ: 2021-01-22

اقتصاديات الشرق الأوسط: ضوء خافت في آخر النفق

اقتصاديات الشرق الأوسط: ضوء خافت في آخر النفق

حدّثت المؤسستان الماليتان الرئيسيتان، البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، في منتصف تشرين الأول 2020 تقديراتها بشأن انعكاسات أزمة كورونا على اقتصاديات الشرق الأوسط. التقديرات السابقة نشرت في نيسان من هذا العام، وظهر من خلال التحديث صورة متشائمة وترقب لتحسّن مشروط بالطبع بإيجاد حلول طبية لوباء الكورونا.

وعلى الرغم من التحسّن المرتقب، يقدر الخبراء الاقتصاديون في هاتين المؤسستين أنه ستمر عدة سنوات حتى تختفي التأثيرات الاقتصادية للأزمة.. تشير تقديرات حديثة لخبراء البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى انعكاسات خطيرة لوباء كورونا على اقتصاديات الشرق الأوسط، حتى تلك التي تم توقعها عبر هاتين المؤسستين في نيسان من هذا العام.

إنّ التوقع لعام 2021 والتقديرات إزاء فترة الشفاء من الأزمة يخفي في طياته خشية حيال تفاقم تلك المعضلات، التي عانت منها المنطقة قبل الأزمة الحالية، وحيال خطر كبير على الاستقرار الاقتصادي - الاجتماعي في المنطقة.

عدّل خبراء اقتصاديون من البنك الدولي تقديرهم السابق، الذي لم يكن إيجابياً أساساً، حيث يتوقعون الآن انكماشاً كبيراً للاقتصاد الإقليمي، بنسبة 5.2% في العام 2020، ويقدرون بأنّ الانتعاش عام 2021، وفقاً لاكتشاف حلول طبية لوباء كورونا، سيكون جزئياً فحسب. أيضاً عدّل خبراء اقتصاديون من صندوق النقد الدولي تقديراتهم حيث يرتقبون تراجع إجمالي الناتج المحلي الإقليمي عام 2020 بنسبة 4.1% (مقارنة مع 2.8%، حسبما تكهنوا في نيسان من هذا العام). الزيادة السريعة في النفقات الصحية وإيجاد شبكات حماية للطبقات الضعيفة عمّقا العجز في الحسابات الجارية للحكومات في المنطقة، ومعها أيضاً احتياجاتها المالية. ويقدر خبراء اقتصاديون من البنك الدولي بأنّ الدين العام الإقليمي نسبة لإجمالي الناتج المحلي سيزداد من نسبة 45% في العام 2019 إلى 58% في العام 2022 (يبدو أنّ هذه النسبة منخفضة نسبةً لدول ومناطق أخرى في أرجاء العالم، لأنها تتضمن الدول المنتجة للنفط، حيث الدين العام في معظمها ليس كبيرا نسبة لإجمالي الناتج المحلي). معظم الدول الإقليمية اتخذت خطوات مشابهة، للإعفاء من تسديد دفعات معينة، إرجاء تسديد ضرائب ورسوم، تخفيض فوائد، إصدار سندات مالية حكومية، تحويلات للطبقات الفقيرة، زيادة السيولة المصرفية، تقليص احتياطات البنوك والحثّ على إرجاء تسديد القروض. مع ذلك، يشير خبراء اقتصاديون من الصندوق، إلى أنّ نسبة مساعدة طوارئ دول المنطقة لاقتصادياتها هي فقط 2% من إجمالي الناتج المحلي في حين أنّها في بقية أرجاء العالم وصلت إلى 3%.

وفي التقدير المحدّث، كما في سابقه، يشير الاقتصاديون إلى تضرر اقتصاديات الدول المنتجة للنفط والغاز نتيجة تراجع حاد في أسعارهما، حيث بموجب اتفاقيات دول أوبيك إزاء قيود الإنتاج بقيت منخفضة بنسبة 40% عن تلك التي كانت قبل تفشي الوباء. وبسبب الاعتماد الكبير على أسعار النفط وأيضا حقيقة تضرر هذا الفرع أكثر من فروع اقتصادية أخرى، عانت الدول المنتجة من انكماش اقتصادي خطير مقارنة مع المنطقة بأكملها، حيث وصلت إلى 6.6% عام 2020.

البحرين هي المتضررة الأولى من بين الدول المنتجة للنفط، سواء بسبب التراجع في الأسعار أو بسبب العجز في القطاع السياحي، حيث استثمرت الدولة فيه مبالغ ضخمة. هذا وسينكمش إجمالي الناتج المحلي بـ 5% هذا العام، لكن المعطى السلبي المفاجئ بالنسبة للبحرين هو الزيادة الكبيرة في الدين العام، والذي يقدر بحسب خبراء اقتصاديين من البنك الدولي بحوالي 130% من إجمالي الناتج المحلي - معطى يذكر بالوضع اللبناني أكثر من وضع دولة منتجة للنفط. في جارتها القريبة، السعودية، سيقلص إجمالي الناتج المحلي للعام 2020 بنحو 5.4%، وذلك على افتراض منطقي بأنّ السعودية ستحافظ على قيود تصدير النفط. النمو في فروع أخرى سوف يتضرر من بين جملة أمور بسبب قرار زيادة نسبة قيمة الضريبة المضافة بشكل كبير، من 5 إلى 15%، في مسعى لتقليص انعكاسات زيادة نفقات الطبابة والرفاهية. وفي الإمارات المتحدة سيستمر التباطؤ في النشاط الاقتصادي، كما في بقية الدول المنتجة للنفط والغاز، وهو مؤكد أيضا بسبب إرجاء معرض 2020، الذي كان من المفترض أن يعطي زخماً للاقتصاد المحلي. هذا توقع بحصول انكماش بنسبة 6.3% في العام 2020 ونمو بنحو 2.5% على افتراض أن المعرض سيقام في دبي في العام المقبل. ويفترض خبراء اقتصاديون من البنك أن اتفاق التطبيع مع إسرائيل سيزيد الفرص الاقتصادية، نتيجة التعاون التجاري والتكنولوجي بين الدول.

الصورة في دول المنطقة التي لا تنتج غاز وطاقة مشابهة، لكن أسبابها مختلفة إلى حد ما. فمصر، التي لا تزال ضمن هذه الفئة رغم كونها منتجة للغاز والنفط، خسرت بسبب أزمة الكورونا 2.7 مليون وظيفة عمل وارتفعت البطالة (بموجب المعطى الرسمي، الذي ربما لا يعكس واقع الحال) إلى نحو 9.6%. وسيزيد الدين الحكومي من 90.2% من إجمالي الناتج المحلي عام 2019 إلى 93.8% في نهاية 2020. اتخذت مصر خطوة استثنائية عندما خفّضت الدين الحكومي لصناديق التأمين وبذلك سوف تُخفض نسبة الدين العام نسبة إلى إجمالي الناتج المحلي. مصر استثنائية أيضا في الصورة الإقليمية، لأنه من المتوقع حصول نمو إيجابي بنسبة 3.5% عام 2020 (حتى أن المسألة تتعلق بتراجع مقارنة مع النمو الذي حصل عام 2019) و2.2% عام 2021. وإذا أخذنا في الحسبان الضرر الكبير في قطاع السياحة في أرجاء المنطقة والتراجع الحاد في تحويل أموال عمال مصريين في الخارج، فإن هذه صورة أقل سلبية مما كان يمكن توقعه.

حظي لبنان بتغطية إعلامية عالمية لأنه نال لقب الدولة الأولى في التاريخ التي تعلن عجزها عن الدفع، وأيضاً بسبب التفجير في مرفأ بيروت الذي تسبب بوفاة مئات الأشخاص ودمار كبير في منطقة المرفأ. وقد يتقلص إجمالي الناتج المحلي اللبناني من 19.2% عام 2020 إلى 13.2% في العام المقبل. هذه المعطيات تبشر بأزمات إشكالية وخيمة - بحسب كلام الخبراء الاقتصاديين في البنك الدولي - حيث سيصبح نصف السكان تحت خط الفقر، وسيُسجل انخفاض سريع في العملة، بطالة مرتفعة وتضخم جامح.

الموجة الثانية لوباء الكورونا تلحق ضرراً أيضاً بالسكان والاقتصاد الفلسطيني. وتفاقم الوضع أيضا نتيجة التأخير المتواصل في نقل الضرائب من إسرائيل إلى السلطة الفلسطينية. وبعد ثلاث سنوات على نمو اقتصادي ضئيل بنسبة 2% في السنة، ستعمق أزمة كورونا التباطؤ الاقتصادي وسينكمش إجمالي الناتج المحلي بنسبة 8%. حيث ما يقارب ثلث السكان الفلسطيني هو تحت خط الفقر الآن.

هذا وتعدّ توقعات الخبراء الاقتصاديين في المؤسستين لعملية الانتعاش حذرة ومتحفظة. حيث تشير المعطيات إلى انعكاسات تضرر العمل في قطاع السياحة في الأردن، لبنان، المغرب ومصر، وهذه لن تختفي كلياً أيضاً مع العودة إلى النشاط الاقتصادي الطبيعي. ويروي الاقتصاديون أن خطر وصول الشركات إلى حالة تفكك، هو ضعف الخطر الذي كان متوقعا قبل الأزمة - ظاهرة ستصعب على الشركات في فروع معينة تسديد القروض. ويحظى القطاع المالي في دول المنطقة باهتمام خاص كونه أساسياً في قدرة الحكومات على الحفاظ على مستوى استقرار اقتصادي - اجتماعي. ويوجّه الخبراء الاقتصاديون في صندوق النقد الانتباه إلى ضعف المنظومة المصرفية في البحرين، عمان والإمارات المتحدة، بسبب التراجع بالأرباح وبالاستقرار الناجم عن تخفيض نسب الفائدة، تغيير نسب السيولة وتراجع قيمة سندات الدين الحكومية التي تملكها المصارف. وقد توصل الخبراء الاقتصاديون في المصرف، الذين درسوا سلسلة فرضيات، إلى تقدير ضرر محتمل من تراكم نسبة 190 مليار دولار من إجمالي من الثروات المالية الإقليمية. استنتاجهم هو، أن الحكومات ستضطر إلى إيجاد توازن بين الحاجة إلى بسط شبكة أمنية اقتصادية - اجتماعية وبين الحفاظ على الاستقرار المالي. فالدلالة المحتملة لهذا الاستنتاج هي وضع عراقيل فيما يتعلق بمنح إعانات مالية، مساهمات وتسهيلات أخرى للطبقات المتضررة. والدلالة المرافقة هي تباطؤ عملية الخروج من الأزمة وزيادة عدد السكان الذين سيرزحون تحت خط الفقر.

توصيات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي هي مواصلة مسعى الحفاظ على أماكن العمل، ضمان السيولة للأعمال الصغيرة والمتوسطة والتدبير المنزلي، ومواصلة حماية الطبقات الضعيفة. تسببت سياسة "الفتح - الإغلاق"، بحسب كلام الاقتصاديين، بتراجع الإنتاجية، زيادة البطالة وصعوبات متزايدة للأعمال الصغرى والمتوسطة في تمويل فترة النشاط. وبغية الاستجابة للضغوط المالية، كانت التوصيات بتحسين ونجاعة فرض الضرائب، والتحول بمدى محتمل إلى فرض ضرائب عصرية، تقليص تدريجي للإعانات المالية بغية تقليص النفقات غير الضرورية في بنود الموازنة في المدى القصير.

لدى إسرائيل بالطبع اهتمام بإجراء بحث دائم لانعكاسات الوضع الاقتصادي على استقرار دول المنطقة دوما، لاسيما جيرانها المباشرين. وظهر من خلال تقارير المؤسستين الاقتصاديتين الدوليتين أنّ حكومتي مصر والأردن تسيطران على الوضع وتعالجان بشكل معقول الضغوط الصحية والاقتصادية. ويذكر أنّ المعركة الانتخابية وتبديل الحكومة في الأردن لم تثيرا أي اضطراب سياسي.

ومن جهة أخرى، تحليل الوضع في لبنان والسلطة الفلسطينية عبر الخبراء الاقتصاديين في المؤسستين الدوليتين، وأيضاً المتابعة الدائمة للتطورات السياسية فيهما، تشيران إلى احتمال الانفجار - سواء في الساحة الداخلية أو بالعلاقات مع إسرائيل. وفي هاتين الساحتين لدى إسرائيل قدرة تأثير على صورة الاستقرار السياسي- الاقتصادي في المدى الحالي والمتوسط، وعليها التفكير بتشغيل رافعات التأثير هذه وتوقيت تشغيلها. وتسوية نقل أموال الضرائب إلى السلطة الفلسطينية ضرورية لتعزيز الاستقرار فيها، حيث ينبغي أن تشكل جزءا من الاستعداد قبيل الخروج من الأزمة الحالية للاقتصاد الإسرائيلي والفلسطيني فيما يتعلق بالعمل والتجارة. أما الأزمة في لبنان فتعزز من جهة احتمال اندلاع مواجهة أمنية، حتى لو لم يكن مخطط لها، لكن مقابل ذلك تخفي في طياتها فرصة لتسوية سياسية - اقتصادية، بوسعها أن تساعد في تقليص احتمال احتكاك خطر غير ضروري.  

مركز أبحاث الامن القومي - عودد عيران

ترجمة وإعداد: حسن سليمان

 

 

 

إخترنا لكم من العدد