مجلة البلاد الإلكترونية

تجمُّع العلماء المسلمين: الأوضاع الصعبة التي يمر بها الوطن لا تسمح للفرقاء السياسيين بتسجيل النقاط على بعضهم البعض

العدد رقم 267 التاريخ: 2021-01-15

العملية العسكرية بالكركرات تعيد نزاع الصحراء إلى الواجهة

توفيق المديني

العملية العسكرية بالكركرات تعيد نزاع الصحراء إلى الواجهة

دأبت جبهة البوليساريو على تحريك ملف الصحراء في شهر أكتوبر/تشرين الأول من كل عام، باعتباره يمثل الموعد السنوي لدى مجلس الأمن، لإصدار قراراته بشأن الصحراء، من جهة تجديد بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (المينورسو)، ثم إقرار الخطة المستقبلية للنزاع في المنطقة.

ففي 19 نيسان/أبريل 1991 صادق مجلس الأمن الدولي في قراره 690 على المقترحات التي قدمها الأمين العام في تقريره (س/21360) ليعلن عن تشكيل بعثة للأمم المتحدة لإجراء الاستفتاء في الصحراء الغربية (بعثة المينورسو) وعن روزنامة لتطبيق المخطط يبدأ بوقف لإطلاق النار في 6 أيلول/سبتمبر 1991 وتنتهي بإعلان نتائج الاستفتاء في أواخر كانون الثاني 1992.

فقد استغلت جبهة "البوليساريو" الذكرى السنوية لتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار في الصحراء في سبتمبر/أيلول الماضي، لتهاجم مرَّة أخرى الأمم المتحدة، متهمة إياها بـ "انتهاك" هذا الاتفاق، بعد تخليها بشكل نهائي عن خيار الاستفتاء لصالح خيار الحل السياسي.

أسباب قادت إلى استهداف إغلاق معبر الكركرات

لهذا السبب بالذات اعتادت منطقة المغرب العربي بقطبيها الإقليميين (المغرب والجزائر)، ولا سيما الصحراء العربية، أن تشهد عمليات تسخين عسكرية للتأثير على قرارات الدول الكبرى وهو ما بدأ يحدُث انطلاقاً من 21 أكتوبر 2020، حين استقدمت "بوليساريو" مجموعة من النساء والشباب، تحت ذريعة المجتمع المدني، محاطين بمجموعة من المسلحين، لإغلاق معبر الكركرات، الواقع على بعد 11 كيلومتراً من الحدود مع موريتانيا وعلى بعد 5 كيلو مترات من المحيط الأطلسي.

غير أنَّ مجلس الأمن الدولي أعتمد يوم الجمعة 30 أكتوبر/تشرين الأول 2020، القرار رقم 2548 بشأن تمديد مهمة بعثة "مينورسو" إلى الصحراء لمدة سنة كاملة، حيث أثنى وزير الخارجية  المغربي، ناصر بوريطة على القرار الأممي، قائلاً: "إنّ القرار رقم 2548 الذي اعتمده مجلس الأمن الدولي بشأن الصحراء، يحتوي على ثلاث رسائل تكشف الوضوح والحزم والثبات، لافتاً إلى أنّ "الوضوح تمثل في تحديد الأطراف الحقيقية في هذا النزاع الإقليمي، بالإشارة تحديداً إلى دور الجزائر، التي تم ذكرها ما لا يقل عن 5 مرات، بينما لم يتم ذكر هذا البلد على الإطلاق في القرارات السابقة لعام 2017".واعتبر بوريطة أنَّ "القرار يطالب الجزائر بلعب دور يعادل حجم انخراطها في هذا النزاع الإقليمي سياسياً ودبلوماسياً، وعسكرياً وإنسانياً"، لافتاً إلى عدم إمكانية قيام مسار سياسي للتسوية بدون الانخراط الفعلي والبناء لهذا البلد. ووفق بوريطة، فإنّ توجه مجلس الأمن يبقى واضحاً بخصوص قضية الصحراء المغربية، ما يعني أنّ أي حل غير سياسي ولا براغماتي، أو مفتقد للواقعية، يبقى مستبعداً من الأساس، مشيراً إلى أنّ "من يحرصون على إثارة خيار الاستفتاء يسيرون بعيداً عن الحلول الأممية، التي تشمل الشرعية الدولية وتعبّر عن إرادة المنتظم الدولي".

ومعبر الكركرات هو منطقة منزوعة السلاح بموجب اتفاق وقف إطلاق النار في 6سبتمبر /أيلول 1991 الذي ترعاه الأمم المتحدة، ويُعَدُّ الجدار الذي شيده المغرب في منتصف الثمانينيات من القرن العشرين خطّاً لوقف إطلاق النار، حيث تنتشر القوات الأممية "المينورسو" لمراقبة تنفيذه.

وتحوّل معبر الكركرات الحدودي إلى نقطة توتّر منذ صيف عام 2016، حينما بادر المغرب إلى إطلاق حملة تمشيط للمعبر الحدودي الرابط بينه وبين موريتانيا، مستهدفاً شبكات التهريب والاتجار غير المشروع، حيث حجزت السلطات المغربية حينها ما يربو على 600 عربة غير قانونية، وهو ما ردّت عليه جبهة "البوليساريو" بإيفاد مجموعة من مسلحيها إلى المعبر، مسبّبة حالة من التوتّر الإقليمي والدولي.

لكنَّ جبهة البوليساريو عادت من جديد إلى الاعتصام في منطقة الكركرات في شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، إذ تعتبر هذه النقطة الحدودية المنفذ البري الوحيد للمغرب مع موريتانيا، ما تسبّب في إغلاقها، الأمر الذي قاد إلى تأزيم منطقة الكركرات وتوتير الأجواء العسكرية فيها. علماً أنَّ جبهة "البوليساريو" قامت بالشيء نفسه، في سنوات (2016-2017-2018) عندما كان المغرب يسعى إلى العودة إلى الاتحاد الأفريقي، وكانت الجزائر تناهض ذلك، أو عند تنظيم القمة الأفريقية حول المناخ.

يأتي إغلاق معبر الكركرات من جانبي مسلحي البوليساريو ردًّا على القرار 2548 الذي لم يتحدّث عن شيء اسمه الاستفتاء، فسقطت قاعدة أساسية في المنظومة التي دافعت عنها "بوليساريو"، ورعتها الجزائر قرابة 45 سنة. وجاء قرار الإغلاق أيضاً في مسعى الصحراويين من جبهة البوليساريو تفنيد تقرير الأمين العام، وقرار مجلس الأمن بخصوص سيادة الهدوء في المنطقة، وإثبات أنَّ الـ "قضية" لم تُدفن، وأنَّ التوتر العسكري سيد الواقع، والتأكيد أنَّ النزاع هو بين المغرب و"بوليساريو"، وأنَّه ثنائي، وحلَّه ليس رباعياً، وشلِّ حركة نقل البضائع وقف التنقل بين المغرب وجنوبه الأفريقي، كون المعبر الحدودي الكركرات يستقبل يومياً حوالي 350 شاحنة لنقل البضائع، حسب الاتحاد العام لمقاولات المغرب.

وأفضت عرقلة حركة الشاحنات على تلك الطريق التي تستعمل من أجل تزويد السوق الموريتانية بالخضر والفواكه، خصوصاً غرب أفريقيا حتى ساحل العاج مروراً بمالي والسنغال وكل البلدان المجاورة، إلى التأثير سلباً على النشاط التجاري المغربي، وهو ما دفع بعض المصدّرين إلى استعمال الخطوط البحرية عبر ميناءي أغادير وطنجة المتوسط. غير أنَّ الطريق البرية الممتدة بين المغرب وموريتانيا عبر الكركرات تبقى استراتيجية في النشاط التجاري.

فمن خلال معبر الكركرات الحدودي، يريد المغرب تعزيز العلاقات التجارية بين المملكة والقارة السمراء، التي تواجه فيها منافسة كبيرة من بلدان أخرى، غير أنَّ قربه من بلدان القارة يعطيه امتيازًا كبيرًا، خاصة في حالة تعزيز البنيات اللوجستية، التي تساعد على تزويد القارة بالسلع الغذائية، خاصة الخضر والفواكه .ويشكل إغلاق المعبر الحدودي من جانب البوليساريو عرقلة في وجه المغرب رسملة فوائد عودته إلى أفريقيا وترصيد هذه الفوائد، وبالتالي حرمانه من الاستفادة من العمل الذي قامت به دبلوماسيته، سواء في الاتحاد الأفريقي أو من خلال فتح دول أفريقية عديدة.

الجيش المغربي يعيد الوضع معبر الكركرات إلى أصله

آنذاك قام الجيش المغربي بعملية عسكرية محدودة منذ أسبوعين لإنهاء إغلاق معبر الكركرات، إذ تشير المعطيات المتوفرة، إلى أنَّ الرباط غير راغبة، سواء من خلال بلاغات الجيش الرسمية، أوما تنقله وسائل الإعلام الرسمية، في منع رفع التوتر بالمنطقة أو توسيع العملية العسكرية مع ما يعنيه ذلك من نسف لاتفاق وقف النار.

وتضع البوليساريو نفسها في وضعية الهروب إلى الأمام من خلال قرارها العودة إلى حمل السلاح والقيام باستفزاز القوات المسلحة الملكية على الجدار الأمني، ما قد يجر إلى حرب مفتوحة تكون لها عواقب وخيمة على المنطقة ككل.

ويرى الخبراء العسكريون المغاربة، أنَّ تدمير الجيش الملكي المغربي لآلية عسكرية صحراوية يمثل رسالة واضحة إلى من يهمه الأمر بأنَّ المغرب سيواجه بكل صرامة وقوة استفزازات "البوليساريو" للجيش المغربي على طول الجدار الأمني. ويأتي إعلان الجيش المغربي عن تدمير آلية حمل الأسلحة في منطقة المحبس، بعد 24 ساعة من إعلان "البوليساريو"، "نهاية الالتزام بوقف إطلاق النار"، واستئناف العمل القتالي ضد المغرب، رداً على العملية التي نفذها الجيش المغربي لإعادة فتح معبر الكركرات الذي كانت تعرقل حركته عناصر محسوبة عليها. وأعلنت الجبهة تكليف ما تسمّيه "الهيئة الوطنية للأمن"، باتخاذ الإجراءات والتدابير المتعلقة بتنفيذ مقتضيات حالة الحرب، فيما يخص تسيير وإدارة المؤسسات والهيئات الوطنية وضمانِ انتظام الخدمات، وذلك في خطوة من شأنها تأزيم الوضع في المنطقة.

على الصعيد الديبلوماسي، بدا هذا الموقف أكثر وضوحًا من خلال إعلان الخارجية المغربية، في بيان أصدرته يوم الجمعة الماضي، أنَّ المغرب "يظل متشبثاً بقوة بالحفاظ على وقف إطلاق النار، معتبرة أنَّ العملية التي قامت بها القوات المسلحة الملكية تروم، على وجه التحديد، تعزيز وقف إطلاق النار من خلال الحيلولة دون تكرار مثل هذه الأعمال الخطيرة وغير المقبولة التي تنتهك الاتفاق العسكري وتهدد الأمن والاستقرار الإقليميين".

الجزائر والبوليساريو والصراع في الصحراء على خارطة التقسيم الكولونيالي

إنَّ مشروعية الدول العربية التي تشكلت على أرضية إرث الولايات العثمانية، قامت بخلق مؤسسات الهوية القطرية، التي ليست سوى النتيجة والتعبير الضروريين لقيامها على خارطة التقسيم الكولونيالي، نراها اليوم بوضوح تام، كيف أنها ممزقة داخليا ومهددة في أشكال الكيانات السياسية التي بنتها الطبقات والفئات الحــاكمة، وفي ظروف وجودها، بسبب من حركة الاستنزاف الداخلية، والصراعات الطائفـــــية والإقليمية وتداخل كل أشكال الصراعات فيما بينها (العراق، سورية، اليمن، السودان، ليبيا). وهي عاجزة عن حماية أمنها الداخلي، وحدودها القطرية، وتطورها، وخاضعة لأشكال التبعية المباشرة، ومستسلمة في الوقت عينه، لشروط وأهداف المخطط الإمبريالي – الصهيوني.

فكيف الحال بالنسبة للدولة الصحراوية الجديدة؟ مع العلم أن الصحراء الغربية لم تشهد لا قيام كيان سياسي على أرضها، ولا حضارة مدنية، ولا أحداث حرب، ولا لعبت في مرحلة ما أدواراً تاريخية كما هي الحالة المعروفة بالنسبة لبعض الدول كمصر والعراق ومراكش.

بديهي أنَّ موقف القادة الصحراويين في إقامة دولة جديدة، لهو موقف مبني على أعمق الانفعالات القطرية وأكثرها ألماً ويأساً. لأنَّهم تذوقوا طعم السلطة في القيادة، لذا باتوا يبحثون، عن مصالحهم الذاتية الضيقة، وامتيازات الدولة، وإغراءات السلطة، منتهجين في ذلك سياسة رسمية قطرية، لا يقابلها نتيجة تعوضها، غير السير في الطريقة نفسها التي انتهجتها معظم الأنظمة العربية وحركات التحرر الوطني. أي سياسة بناء الأقطار وإقامة شرائعها السياسية والقانونية والإيديولوجية، وتثبيت، وتحديد حدودها، معمقين بذلك واقع التجزئة السياسية والجغرافية والسكانية، بصورة واعية.

ولكنَّ العوامل الرئيسة التي شجعت وساعدت على بلورة فكرة الدولة الصحراوية، يجب بحثها في الإطار الطبيعي الذي تجسدت فيه قضية الصحراء الغربية، ونعني به جذور الخلاف والصراع الإقليمي على الهيمنة في منطقة المغرب العربي، وبشكل أدق بين النظامين الجزائري والمغربي، وبدرجة أقل النظام الموريتاني باعتباره الحلقة الضعيفة الملحقة في سياسة المحاور المتغيرة وموازين القوى الإقليمية التي تفرزها.

ويأتي قرار مجلس الأمن الأخير رقم 2548 ليسقط أطروحة الاستفتاء التي تنادي بها الجزائر وجبهة البوليساريو مزكّياً بذلك قرار السنة الماضية والتي قبلها، إضافة إلى ذلك وضع مكان أطروحة الاستفتاء إجراء مفاوضات مباشرة بين المغرب والجزائر.

خاتمة

على نقيض الأطروحة التي تنادي بها كلٍّ من جبهة البوليساريو والجزائر قيام دويلة في الفاصل الترابي بين المغرب وموريتانيا، تحوّلت الأطروحة المركزية لدى مجلس الأمن والأمم المتحدة إلى حلٍّ سياسيٍّ سلميٍّ براغماتيٍّ متوافقٍ عليه من جميع الأطراف، وهو ما ينسجم مع الطرح المغربي حاليَا، الذي أعدَّ مشروعاً "للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية" منذ سنوات، وطرحته الرباط على الأمم المتحدة، باعتباره الحل الذي يراه المغرب مناسباً لأزمة سياسة مستعصية، كما في وضع نزاع الصحراء، والإقرار بنموذج الحكم الذي يعكس مكونات الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي المغربي المتنوع في إطار الوحدة، على الرغم من أنَّ الصحراويين، موزعون بين الخرائط والولاءات.

بيد أنَّ حل قضية الصحراء الغربية بالطريقة الراديكالية يتمثل في إقامة التطبيع الكامل بين الجزائر والمغرب، وبالتالي تحقيق بناء الصرح الوحدوي المغاربي، الذي يحتاج بدوره إلى ثورة حقيقية: قوامها تحول الأنظمة المغاربية القائمة الآن إلى أنظمة ديمقراطية فعلياً، وبالتالي تخليها عن احتكار الوطنية والقبول بنقاشٍ حرٍّ وعلنيٍّ حول القضايا التي تعوق بناء الاتحاد المغاربي هذا داخل الهيئات الوطنية المنتخبة بصورة ديموقراطية. فهل إنَّ الجزائر والمغرب مستعدان لإقامة سلام بينهما، وحلِّ هذا النزاع الإقليمي وفق رؤية مغاربية وحدوية شاملة؟.

توفيق المديني

 

 

إخترنا لكم من العدد