مجلة البلاد الإلكترونية

الإمام الخامنئي (دام ظله): "النّظام الأمريكي لن يُعمّر طويلاً إنْ جاء أحدهم إلى السلطة، فسيُعجّل الانهيار، والآخر ربّما يؤخّره قليلاً لكن في جميع الأحوال هذه هي الحقيقة"

العدد رقم 268 التاريخ: 2021-01-22

رسَالةُ قُدس2 من اليَمن سَقَطَت في جَدَّة.. وقد قَرأتها فِلَسطينَ المُحتلَّة!

زينب عدنان زراقط

رسَالةُ قُدس2 من اليَمن سَقَطَت في جَدَّة.. وقد قَرأتها فِلَسطينَ المُحتلَّة!

لم يُعطَ ولي العهد السعودي وقتاً كي يلتقط أنفاسه فور عقده الخلوة الصهيونية الأمريكية. إذ سرعان ما فاجأه الإعلام الإسرائيلي والأمريكي بخبر هذا اللقاء الحميم ليتلقّى أولى التهانيّ على عجلٍ، صاروخاً مُجنّحاً من اليمن إلى جدّه، قدس 2 في وسط أرامكو.

لهول الصدمة نفى الأمير الطائش الأمر بدايةً، ليعود وينصاع كالذليل عند رغبة أسياده الأمريكيين وأصدقائه الإسرائيليين بأنه آن للعلاقة أن تخرج إلى العلن وأن لا تبقى طيّ الكتمان!.

لُعبة ثُلاثي الشَّر الأخيرة!

بدأ ترامب لعبته الأخيرة باستدراج السعودية التي ماطلت بإعلان التطبيع مع إسرائيل بالضغط عليها منتهزاً انعقاد قمة العشرين، وتمثّلَ ذلك بتهديد الكونغرس الأمريكي بإسقاط القمة والتنديد بجرائمها في اليمن. وكان الطُعمُ الذي تتمناه السعودية خلاصاً لها من أزمتها قد أُلقيَ به مُسبقاً نُصبَ أعيُنِها، ألا وهو إدراج أنصار الله الحوثيين على قائمة الإرهابيين، ولكن لكلِّ شيء ثمن لدى ترامب!.

تم تمرير هذه القمة الصُّوَرية وسجالتاها الفارغة حول الوباء وتعهّدَ عاهلُ مملكة الرمال بـ "حماية كوكب الأرض!" مبعثراً بعض الأرقام من الهبات والمساعدات، وكان آل سعود بمأمن عن الإتيان بذكر إجرامهم في حرب اليمن. ليأتي بعدها التوضيح: لم يصبروا حتى اليوم التالي كي يتقاضوا الثمن، فكان الاجتماع الشيطاني الفرعوني الصهيوني الذي ضم ثلاثي الشر أمريكا وإسرائيل وآل سعود في ليل يوم انتهاء اجتماع القمّة، هو لم يكن الأول من نظيره، وإنما خرجَ إلى العلن؛ اجتمعوا تحت سقف واحد في قلب الجزيرة العربية في مدينة نيوم على ساحل البحر الأحمر شمال غرب مملكة آل سعود، ولعلّهم وضعوا على الطاولة آخر أوراق حماقتهم ليلاقوا مصرعهم النهائي!.

مما لا شكَّ فيه أنه لا يمكن عزل زيارة نتنياهو السّرّية السّريعة إلى المملكة العربية السعودية عن التوتر القائم حالياً في المنطقة ضدّ محور المقاومة، والذي أججه ترامب على خلفيات عدة، منها تهديده غير الخفي بعمل عسكري ضد إيران، ومنها ما هو مرتبط بانتقام جنوني لخسارته الانتخابات أمام جو بايدن، وذلك عبر خلق مناورة غير مدروسة لإغراق الإدارة الجديدة في مستنقع من التوتر الحسّاس في منطقة الشرق الأوسط إضافةً إلى تخوّف كل من نتنياهو ومحمد بن سلمان على مناصبهم بعد رحيل سيّدهم ترامب!. وقد وصفت الخارجية الأمريكية هذا اللقاء بصريح القول معبّرةً عن نواياها حول هاجسها الدائم المتمثّل بإيران، أن "لقاء بومبيو وابن سلمان كان مثمراً وسنواصل جهود مواجهة النفوذ الإيراني في الخليج!".

أسموه "قدس" تأكيداً على الثَّبات تجاه القضيّة!

على ما يبدو أنهم استخفّوا بما لدى أنصار الله الحوثيين، فجاءهم الرد من قبل أن يُشاع حتى خبر الزيارة النكراء تلك، ردّاً استبق جميع التصريحات، وقلب موازين القوّى!. من اليمن إلى جدة صاروخٌ مجنّح، إصابةٌ تامَّةٌ في قلب المُنشأة النفطية. حاولت الرياض إخفاء حقيقة أن الهجوم قد حقق هدفه بدقة عالية حيث قالت، "إن انفجاراً وقع في الساعة الـ 3:50 من صباح الاثنين، تسبّب في نشوب حريق بخزان للوقود في محطة توزيع المنتجات البترولية بشمالي جدة، نتيجة اعتداء إرهابي بمقذوف". إلا أن موقع Tanker Trackers المختص بتتبع ناقلات النفط والمصافي النفطية حول العالم أكّد أن الصاروخ قدس2 استهدف خزاناً بسعة 400 ألف برميل في موقع تابع لشركة أرامكو شمالي جدة. إلى أن أعطت شركة ارامكو بعدها بعضاً من التفاصيل، وذلك بأن الصاروخ قد أصاب صهريج التخزين من أعلى وهو يمثل 10% من كل الوقود المخزّن في محطة التوزيع في جدة وأنها واحدة من 3 محطات لتوزيع منتجات النفط في جدة ومكة وأبها. وتبيّن أنه لم يسجّل أية إصابة في صفوف العمال ما يعكس احترافية العمل العسكري في أصول الحرب.

كما أفاد المتحدّث باسم قوات صنعاء العميد سريع في تصريحات سابقة أن المنظومة الصاروخية الجديدة عبارة عن صواريخ مجنّحة من نوع "كروز" وهي من صناعة يمنية، وهناك عدّة أجيال منها، وهي تخضع لعملية تطوير. وأكّد أن هذه المنظومة تمتلك قدرات كبيرة في مجال تحقيق الهدف بدقة، وأثبتت قدرتها الكبيرة أيضاً على تجاوز المنظومات الاعتراضية للعدو، موضحاً أن تسميتها بـ "قدس"، "تعكس تأكيداً على الموقف الثابت تجاه القضية الفلسطينية وتجاه الأقصى والقدس الشريف، في وقت هرولت فيه الأنظمة العميلة نحو التطبيع والتآمر الفاضح على فلسطين".

إسرائيل في مرمى قُدس2!

وفي ظلِّ الحديث عن عمليةٍ عسكريةٍ ما ضد إيران وحلفائها في المنطقة في الأيام المقبلة، تأتي عملية قصف أرامكو جدة حاملةً رسائل ردعية من محور المقاومة للأمريكيين والإسرائيليين والسعوديين. وللعدو أن يتخيل - قَدْرَ ما تستطيع مخيلتُه - ما لدى قوى المحور من قدرات. فإذا كان لدى الحوثيين قدس2 وقد قصفوا أرامكو في جدة، وأصابوا هدفاً دقيقاً كما تُظهر صور الأقمار الاصطناعية حيثُ أن المسافة من حدود اليمن إلى محطة أرامكو في جدة في السعودية، تبلغ حوالي 665 كم ويُقدَّر المدى النهائي لصاروخ قدس2 بحسب المعلومات المتوفرة 1400 كلم، فماذا عن إيران؟!. فبهذا المدى، وبهذه الدقة في الإصابة، يُعتبر صاروخ قدس2 صاروخاً استراتيجياً يغطي بمداه رمايات صاروخية من كل لبنان وكل سوريا وأكثر من نصف العراق إلى أبعد نقطة في فلسطين المحتلة مروراً بإيلات جنوباً على خليج العقبة!!.

اللافت أيضاً في هذا الاستهداف الناجح من الناحية التقنية العسكرية، أن صاروخ قدس 2 تجاوز عدّة طبقات من منظومات الدفاع الجوي الصاروخية المتطورة، مثل باتريوت باك 3 الحديثة أو منظومات ثاد الأمريكية الأكثر تطوراً، والتي استحصلت عليها السعودية مؤخراً. ومن الطبيعي أنها نشَرَتها لحمايةِ المنشآت الحيوية، مثل أرامكو في جدة على البحر الأحمر، كما أنه من المفترض أن تكون هذه المنظومات الدفاعية جاهزة ومتأهبة لملاحقة الصواريخ اليمنية، التي كان واضحاً ومؤكّداً أنها سوف تتابع معركتها الاستراتيجية الصاروخية ضدّ المملكة التي تقود تحالف العدوان على اليمن ما دام هذا العدوان مستمراً.

بيد أنه لا يمكن بعد اليوم، وبالنسبة إلى اليمنيين، فصل إسرائيل عن السعودية في الاشتراك بالعدوان على اليمن، وبالتالي، لا يمكن تحييد إسرائيل من المواجهة ضدّ هذا العدوان. وحيث إنَّ الانخراط الإسرائيلي في هذا العدوان ليس جديداً، استناداً إلى معطيات كثيرة تناولت المساعدة الصهيونية لوحدات التحالف في الحرب على اليمن، وخصوصاً الاستعلامية والإلكترونية والجوية. فهل يكون صاروخ قدس 2 المجنّح باكورة الصواريخ اليمنيّة التي سوف يكون هدفها بعد اليوم أبعد من جدة ببعض مئاتٍ من الكيلومترات، وتماماً في المسار نفسه للهدف السعودي بالاتجاه الشمالي الغربي، وذلك صولاً إلى أراضي فلسطين المحتلة؟!.

إن البعد الاستراتيجي الأهم لاستهداف اليمنيين أرامكو جدة، هو إمكانية وصول صاروخ قدس2 إلى الحدود الجنوبية الشرقية لفلسطين المحتلة، والرسالة اليمنية العسكرية المباشرة مفادُها أن مسار الردع الصّاروخي الاستراتيجي متواصل ضد دول العدوان على اليمن، وفي مقدمتها السعودية. وتطور هذا المسار واضح وثابت، من ناحية القدرات الصاروخية التي تثبت نفسها عند كل استهداف بعيد المدى في المميزات التقنية والفنية والتدميرية، ومن ناحية اختيار أهداف حساسة وحيوية، كما تتصاعد أهميتها العسكرية والاقتصادية والاستراتيجية بين كل استهداف وآخر بشكل واضح أيضاً.

اليمن إلى الهجوم وقَلب المُعادلات

إضافةً إلى كل ما سبق، يتزامن الاستهداف مع حركة ميدانية لافتة في الداخل اليمني، تمثّلت بسيطرة وحدات الجيش واللجان الشعبية اليمنية وأنصار الله مؤخراً، على معسكر ماس الاستراتيجي، المتاخم لمدينة مأرب في الوسط الشرقي لليمن. فقد جاء هذا التحرك الميداني الأخير للجيش واللجان الشعبية وأنصار الله في شمال غرب مدينة مأرب، ليمثل نقطةً مفصلية مهمة جداً في تغيير مسار الحرب على اليمن، كما أن معسكر ماس يمثّل أهم نقطة دفاعية عن مدينة مأرب، ويشكل قاعدة تجمع كبيرة لوحدات المرتزقة والعدوان لتنفيذ العمليات الهجومية، وعليه بعد سقوطه خسر بذلك التحالف أية فرصة مستقبلية ممكنة للتفكير بعملية هجومية من جديد نحو الغرب باتجاه صنعاء أو محيطها وها هي مأرب تتحضّر للتحرير.

وبالتالي فإننا أصبحنا نتكلم عن وصول الجيش واللجان الشعبية وأنصار الله إلى مستوى متقدم جداً على صعيد المعركة الاستراتيجية، تخطى الموقف الدفاعي، ليكون وبكامل الإمكانيات المختلفة تكتيكياً ونوعياً واستراتيجياً، موقفاً هجومياً، قادراً على قلب المعادلات في الخليج بشكل واضح.

مُقدسات العالم الإسلامي لها حسابات أُخرى!

أحبطت استراتيجية ضربة اليمنيين لمحطة أرامكو آمال ثلاثي الشرّ عن القيام بعملية عسكرية إذا ما كانوا يظنون أن باستطاعتهم القيام ذلك!. إلا أن التمدد الإسرائيلي سواءٌ كان مُعلناً بالتطبيع أو من تحت الستار فهو أخطر من العمل العسكري!. فما بين طمعٍ بمُلك، وخوفٍ من انقلاب دمويٍ قبل الممات، لعلّها هي أولى المُقاربات من تأخر إبرام العلاقة السعودية الإسرائيلية.

فابن سلمان كان شرطه الوحيد عند ترامب كرسيّ المَلِك، وفي الجهة المقابلة فإن حساسية هذه الخطوة عند الملك سلمان نفسه وفي أواخر أيام حياته ستشكّل صدمة لا يمكن تصوّر ردود فعلها المضادة تجاهه في العالم الإسلامي لكون جغرافية وجود المعالم الإسلامية المقدسة في أرض المملكة العربية السعودية، من بيت الله المتمثّل بالكعبة الشريفة وهي رمز وحدة المسلمين أضافة للمقام الشريف للرسول (ص) وكذلك مقامات أئمة البقيع (ع). من جهةٍ أخرى سوف لن يكتفي العالم الإسلامي بالتنديد والاستنكار والمقاطعة، بل لن يسمح لها بأن تقوم أبداً!. لأن بضعة إماراتٍ أو جزيرة صغيرة كالبحرين تفلّتوا بتسويات قديمة مع المملكة وبعض الشتات المتجزّئ من السودان المنقسم قد لا يعوّل على الردود عليهم قياساً بمقدار الخضّة العالمية التي سوف تحصل إذا ما تجرّأت السعودية حذو حذوهم!. فحذارِ.. حذارِ.. فإنَّ فيها المدينة المُنوّرة!.. وبيت الله المعمور.. ولكن هل فعلاً هذه هي العقبات التي شكّلت العائق الأساسي أمام الإسراع في التطبيع السعودي؟.

مَدينة بن سلمان مُستوطنة إسرائيلية!

ربما نتنياهو لم يكن ضيفاً لدى بن سلمان وقد أتى بجولة استطلاعية على إحدى مُستوطناته السّرّية!. فقد اشتغل بن سلمان منذ اليوم الأول لولاية العهد على فصل منطقة نيوم عن السعودية، وأعلن أنها ذات طبيعة خاصة ولا تخضع لقوانين المملكة وأعلن أن السعوديين لن يدخلوها وأمر بإخلاء المنطقة على جانبي خليج العقبة من السكان بمزاعم السياحة والاستثمار. ولم يُتَّخَذ الموقعُ الجغرافي عن عبث، كونه يشكّل الامتداد البحري وصولاً إلى إيلات، ثم براً باتجاه ميناء حيفا، بالترافق مع مشاريع سكك الحديد مع الأردن ودول الخليج، مضافاً إليها خطوط الغاز. إنها باختصار المعادلة الأمريكية الأساسية هيمنة "إسرائيل الجديدة"، جغرافيا متصلة واقعة تحت هيمنة أنظمة تكنولوجية وبنية تحتية إسرائيلية، واستثمارات بالتشارك مع الخليج. مشروع نيوم، تجمع تكنولوجي ضخم تقدم فيه إسرائيل الأبحاث والمختبرات والأنظمة والموارد البشرية، وتنسّق في سياق ذلك مع الشركات العالمية الكبرى، ومع الخليج كواحد من أكبر الزبائن والممولين في الوقت نفسه، وأيضاً بوابة التسويق إلى الأسواق العربية، للهيمنة على بنيتها التحتية من خلال أنظمة الحماية الإلكترونية.

وقد وجد بن سلمان فيها مصلحة مشتركة، وفرصة ليهرب من الرياض ويبتعد عن أبناء عمومته الذين اعتقلهم وحدّد إقامتهم واستولى على أموالهم، وصُوِّر له بأنه سيحكم السعوديين من مستوطنة نيوم المسوّرة والمحصّنة والمحمية إسرائيلياً!. حيث يبني بها خمسة قصور ملكية، له ولأبيه ولإخوته، مع مطار خاص، ويبدو أن هذه الثقة الزائدة في الدعم الصهيوني العالمي هي التي جعلته يُقْدِم على قتل جمال خاشقجي بهذه الطريقة المروِّعة غير مبال بردود الأفعال. فهل اكتمل مشروع إمارة نيوم الإسرائيلية في أرض السعودية وآن للتطبيع أن يُبرم ليدخلوا إليها؟!.

سيمرّغ أنف آل سعود في الوحل!

ختاماً، مهما كانت السيناريوهات المفتوحة أمام العدو، فهي ناجمة إما عن ضعف خوفاً من مذلة الخسران أو حماقة طائشة تشي بأنهم قد استهلكوا كل ما بحوزتهم من وسائل ردع بعد التسليم بالانهزام.

لقد أكّد الأمين العام للمقاومة الإسلامية في لبنان يوم عاشوراء 2016 أن شعب اليمني سينتصر، "ليسمع العالم أن في اليمن مئات الآلاف من المقاتلين الشجعان، الصابرين، الصامدين، الذين لا تخيفهم لا الجبال ولا الصحاري... وهؤلاء بشجاعتهم وبصيرتهم وإيمانهم ودفاعهم عن كرامتهم وشعبهم وأعراضهم صنعوا الانتصارات وسيصنعون الانتصار".. وكما قال الامام الخامنئي (حفظه الله) "في هذه الحرب سيمرّغ أنف آل سعود في الوحل". إذاً هل بتنا على مشارف بلوغ هذا الفتح.

زينب عدنان زراقط

إخترنا لكم من العدد