مجلة البلاد الإلكترونية

تجمُّع العلماء المسلمين: الأوضاع الصعبة التي يمر بها الوطن لا تسمح للفرقاء السياسيين بتسجيل النقاط على بعضهم البعض

العدد رقم 267 التاريخ: 2021-01-15

تَفَقَّدْ ضُلُوعَكَ..  وأَغمضْ عيونَكَ الآنَ فاليومَ دمعٌ، وجمرٌ

غسان عبد الله

آخر الكلام

تَفَقَّدْ ضُلُوعَكَ..  وأَغمضْ عيونَكَ الآنَ فاليومَ دمعٌ، وجمرٌ

"أدِيرا عليَّ الرَّاحَ مَهْلاً على مَهْلِ..‏ وَصِرْفاً أَديرا، إنَّه أَهْوَنُ القَتْلِ"‏

ويا خنجرَ الشّعرِ أَوْغِلْ بأوجاعِ رُوحي قَليلاً قَليلا‏.. لَعَلِّي يُغَادِرُني المَسُّ، آوي إلى عالمِ الكائناتِ الحجارةِ‏.. أَدْخُلُ في غابةِ الطّينِ نَايا ذَليلا‏.. أَدِرْ بارِقَ النَّصْلِ،‏ إنّي سئمتُ التضرُّعَ في حانَةِ الرُّوحِ،‏ هذا الخشوعَ أمام المحاريب، هذا الذهولَ،‏ وما كنتُ أَرْجُو،‏ وما ليسَ يَأتي‏.. وما.. وما.. 

وهَلْ دوَّنَ "اللَّوْحُ" أنّي إلى آخرِ العُمرِ،‏ أَغْدُو صامتاً قَتيلا.. وهل دَوَّنَ "اللّوحُ " أنّي سأحملُّ وِزْرَ الجميعِ على كاهِلَيَّ‏.. ومَنْ مُسْعِفي آنَ يَنْفَضُّ صَحبي،‏ وتَنْسَلُّ رُوحي خَليلاً خليلا‏.. ومَنْ مُسْعِفي آنَ يبكي الجميعُ أَحبَّاءَهُمْ،‏ وَوَحْدِي يُشّيِّعُ وَحْدي، إلى الشّعرِ لَحْدي‏.. ولا دمعَ يُنْدِي ترابَ القصيدةِ‏.. لا أمَّ تمسحُ خَوفي وسُهْدِي‏.. ويَسْلُكُني اللَّيلُ رُعْباً طَويلا.‏. ومَنْ مُسْعِفِي آنَ يَسَّاقَطُ الحُلْمُ، يَغْدُو جُذَاما‏.. وتَغْدو الشِّعاراتُ حِبْراً حَراما‏ وتَغْدو "رويدَكَ" قَبْراً يقودهُ إلى القبرِ لحدٌ نصب خِياما،‏ يضيقُ بأولادِهِ الهالكينَ‏.. وتغدو الحساسينُ عَصْفاً أكُولا؟!‏.

في "السكوتِ" ضَيَّعْتُ بَعْضي‏.. وبَعْضي يُكدِّي بأسواقِ "المدينة" سِرّاً‏ ينوحُ بشعرٍ لِبَعْضي الذي فاضَ في نوافذ العشق،‏ يبكي على الطّينِ، ما بينَ صُوفٍ وبينَ اعتزالٍ‏ تَشَظَّى مَرايا‏.. وفي ردهة الانعتاق، والأسى المقيت، تركتُ الصحابَ يذِيبُهُمُ الحزنُ دمعاً فدمعاً، وتَجْرِي الدُّروبُ بأقدامهِمْ والمتاعب، وتجري على واعدِ الحلم ِتفاصيلُ الحكايا.‏

تَطَاولَ، في السرِّ، بعضُ الصّحابِ‏.. ليقطفَ تُفَّاحَةً أَرْهَقَتْهُ‏.. وأرهقهُ السُّكْرُ، أَقْعَى على السَّيفِ يبكي بقايا السّيوفِ،‏ وبعضاً مِنَ الوجدِ ما زالَ يطفُو‏ وغابَ بعطر نارِنْجَةٍ تأخذُ لبَّ قلبه‏.. فهلْ تُنْعِشُ القلبَ بعضُ الخطايا؟!‏ "والضراعةُ" على الصدرِ تَغْفُو،‏ تُنَشِّرُ لَيلاً يفوحُ بضَوْعِ النَّخيلِ،‏ وتُشْرِعُ في السِّرِّ طيْرينِ لا يهدآن.. وقلباً تآكلَ على العصفِ والريحانِ بانتظارِ الأملِ الوافدِ على صهوة الأسى.. تَرَجَّلْ يا ذا الأسى واهدأْ قليلاً،‏ لَعَلي أشمُّ الحديدَ المطيَّبَ، رائحةَ الدّرعِ،‏ عَلّي أُمَسِّحُ وَجْهَاً تَعَفَّرَ بالتُّربِ والغارِ‏.. عَلّي أُلَمْلِمُ بُقْيَا غُبارِ المعاركِ عن جَبْهَةِ الفاتحينَ،‏ أضمُّ إلى الصدرِ ذاكَ الحلم البعيد، أو أشد الحلم إلى شغاف القلب العليل.‏

وهَلْ دَوَّنَ "اللَّوْحُ" أنَّ النَّشِيجَ يُدّوِّمُ في قُبَّةِ الرُّوحِ‏.. مِنْ أَوَّلِ الخَلْقِ حتى هفهفة الوجدِ والذكرياتِ ونشيجِ الخلايا والورقِ بالخربشات؟؟ هَلِ التَّاجُ قَبْرٌ؟!‏ بَلى.... والمَجَازُ إليهِ أشلاءُ روحي، وآخرُ زيتونةٍ في قريتي‏.. ومَرْكَبُ صَيْدٍ يجوبُ البحارَ‏ مَضَى في الصّباحِ، ولَمَّا يَعُدْ.‏

لِدَاليةِ الرّوحِ بَوْحٌ شَجِيٌّ‏.. ينوحُ كنايٍ عَجُوزٍ أضاعَ الرَّشَدْ.. وهذا الدَّليلُ العجوزُ يلوبُ على الدربِ حَيْرانَ، يَهْذِي:‏ بأيِّ البلادِ أراكَ يا هدوء البال، وطمأنينة الروح؟؟ وأيُّ المنافِي سيجمعُ شملَ المُحِبيّنَ،‏ مَنْفَى يدافِعُ مَنْفَى،‏ وآخَرُ يبْدُو، لِيَخْفَى؟؟.

تفقَّدْ ضُلوعَكَ إنَّ الهَوى مُتْلِفٌ‏.. تُرَى.. هَلْ تَفِي النوافذُ المشرعات على العشق فيما تَعِدْ‏؟؟! وهل يَبْرَأُ الصَّبُّ مِمَّا يَجِدْ؟‏ هذي ضفافُكَ التي أبحرتَ إليها عمراً، هذي الضفاف على بؤبؤُ العينِ‏.. لكنَّ مَنْفاكَ أبعدُ مِمَّا تظنُّ‏! أتحسبُ أنَّ الوِصالَ قريبٌ؟!!‏ بَلَى.. دونَهُ السَّيْفُ،‏ أَمْسِكْ ضلوعَكَ إنَّ الهَوى مُتْلِفٌ‏.. وإنَّ المساءاتِ تُغوِي‏.. وإنَّ أريجَ البنفسجِ يُغْوِي‏.. ولكنْ.. أَتَرْقَى القلوب التي لا تلينُ، إلى بعضِ سُهْدِكَ،‏ أَوْ ما تجدْ؟!‏.. والوجدُ الذي ما بارح الذكرياتِ.. يخاتِلُ عُشّاقَه الهالكينَ.. وينْسَّلُ في نفْحةِ الياسمينِ‏.. وتُدْفِئُ في الليلِ حضنَ الغريبِ‏.. فَمِنْ أينَ ذا الدُّودُ باخلٌ فيكَ؟‏ أَمِنْكَ... إلَيْكَ؟!‏ أَمِ الدُّودُ في صُلْبِنا والوَلَدْ!!‏

لماذا تلوِّحُ يا مشرع النوافذ على الروح، فإنَّ الوداعَ مُرِيبٌ‏..  وإنَّ اللقاءَ البعيدَ قريبٌ‏.. وإنّي على صفحةِ الوجدِ والذكرياتِ أكتبُ: أنَّ المُحِبَّ سَيَشْفَى، وتَشْفَى الكَبِدْ‏.. أَغمضْ عيونَكَ الآنَ فاليومَ دمعٌ، وجمرٌ.. وإنَّ اللَّيالي حُبالَى.. وإنَّ الحساسينَ ضاقَتْ‏ بهيكلِ طينٍ بَرَاهُ الكَمَدْ‏..

تَمَهَّلْ قليلاً..‏ تَفَقَّدْ ضُلُوعَكَ‏ في هجِرَةِ الرُّوحِ‏، مِنْ أوَّلِ البَحْرِ، حَتَّى ارتعاشات الجسدْ.. وها أنت الآن تبكي ولا شيء.. لا شيء.. سوى الدمعات المذروفة على مقبض النافذة في الليل.. وأنت.. أنت ما عدت كما أنتَ أو كما كنت، وَمَا عُدْتَ تُزْهِرُ فيهمْ خَلِيلاَ.. أنتَ في أولِ الكلامِ أو آخرِهِ لا يزالُ يعصفُ هابيلُ في روحِكَ قتيلا.

غسان عبد الله

 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد