مجلة البلاد الإلكترونية

تجمُّع العلماء المسلمين: الأوضاع الصعبة التي يمر بها الوطن لا تسمح للفرقاء السياسيين بتسجيل النقاط على بعضهم البعض

العدد رقم 267 التاريخ: 2021-01-15

عن جد.. لماذا؟!!... "فشة خلق"

غسان عبد الله

أوّلُ الكلام

عن جد.. لماذا؟!!... "فشة خلق"

ينطلق الفكر الثوري من مجموعه من الإرهاصات الفكرية التي تحاول أن تنتقل بالعقلية الوطنية من التفكير الميثولوجي إلى الأبستمولوجيا المبنية على الواقع الملموس.. الخ..... (فهمتوا شي؟!!).

هذا مقطع من رسالة وردتني على بريدي الالكتروني من أحد الأصدقاء الـ (إنترنتّيّين) الّلدودين وهو متثاقف ثوروي ـ وليس ثورياً بالطبع ـ (من ثور)!! يحاول إغاظتي بمناسبة وبدون مناسبة!. فتراه حيناً يحدّثني عن الثورة البلشفية مروراً بالبروليتارية والتروتسكية وأحياناً الثورة الفرنسية عابراً بها القارات وآلاف الأميال ليصل بها إلى جهازي الصغير أنا المواطن الجنوبي (المعتر) البسيط الذي لا حول له ولا قوة إلا بالله.. ويريد إقناعي بأنها السبيل الأنجع لتحرير المواطن العربي وبالتالي الأرض العربية.. والأسرى وكل المعتقلين(...). طبعاً ليس هذا مضمون فشّة الخلق التي أردتها وإنما هي مقدمه صغيرة لمعرفة المادة التي يتشكل منها المثقف العربي (أو المتثاقف العربي).

يا جماعة الخير أنا حصلت على إجازة في إدارة الأعمال من الجامعة اللبنانية وأعمل في الصحافة منذ ما يناهز الـ(27) عاماً ويصرُّ إلحاحاً بل ويُلحُّ إصراراً (صاحبي المتثاقف) على عدم نعتي بصفة المثقف... طيب ليش؟..

بدأ الأمر منذ زمن بعيد، عندما بدأنا نسمع عن المثقفين العرب (الجدد) على شاشات التلفزة الفضائية والأرضية (وربما البرمائية) وخصوصاً من خلال بعض اللقاءات والمحاورات والرأي.. والرأي الآخر.. والعديد من برامج الـ (Talk Show) المترامية الأطراف على مدى شاشات العرب.. - وما بعرف شو - .. فلاحظت أن المتثاقفين العرب ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: قسم أول يدّعي التحرر والليبرالية ونراه في مسيرته الفكرية أشبه بالسلحفاة التي أصيبت بالإسهال... وقسم أخر نراه يثور ويجعِّر على شاشات التلفزة ـ في "الاتجاه المعاكس" أو "صار الوقت" مثلاً ـ كفرخ النمر المصاب بالإمساك الحاد.. والقسم الثالث وهم الأشد مغصاً لي ولسواي من البسطاء نراهم يظهرون كمعارضين في كل المناسبات وفي كل الأماكن سواءٌ من فرنسا أو حتى من الكونجرس الأمريكي وأعني بهم المتثاقفين المنفيين والذين يبدأون بيانهم بعبارة (نحن المثقفون الفلانيون)!!.. تخيل أن يقوم شخص ما ببدء الحديث معك بعبارة أنا المثقف فلان!!. ما هي ردة فعلك؟؟. ألن تصاب بألم في الخواصر من شدة الضحك عليه وعلى نفسك لمجرد أنك جلست معه؟؟.

ومن ثم نرى المتثاقف العربي إياه يدعو إلى حرية الشعب اللبناني أو السوري أو الإيراني من منبر عمو الإرهاب الذي يجعلنا أمام الأنتلجنسيا الغربية (قرطة زعران) خارجين على القانون مخربين للنظام الكوني الأمريكي الصرف!!.. تخيل؟!!. لا بل وينظّر وينطّ من فضائية إلى أخرى مدافعاً عن مشروع ـ أبناء عمومتنا وأخوالنا وخالاتنا ـ في البيت الأبيض وفي دوائره الاستخباراتية للسلام ومن أجل الحرية والسيادة والاستقلال!.. ومن هؤلاء من يدّعي بكلِّ صلافة أن الفلسطينيين هم الذين احتلوا أرض اليهود في فلسطين!!.. وأن إيران هي العدو الأساسي للعرب والمسلمين..

والأنكى من ذلك كله هو استخفافُ بعض المتثاقفين بالمواطن اللبناني على وجه الخصوص حين يؤكدون له أن أصل مشكلة لبنان في موضوع الفساد، والأزمة الاقتصادية الحادة، والحصار الدولي، وارتفاع سعر الدولار، واختفاء الدواء، وانفجار المرفأ، ووباء الكورونا وخراب البصرة هو "حزب الله" بل محور المقاومة (ما هي خربانة... خربانة).. ويؤكد أن مصير الوطن مرتبطٌ بسلاحه الاستراتيجي الرّادع والمرعب لإسرائيل!!.. ـ ويرى أن الحلَّ يكمن بحكومةٍ فيها جماعة الـ "NGO" ومجموعة من المرتبطين بسفارة البيت الأبيض في عوكر.. وزير لديه اختصاص ومدعوم من جماعة فلان الذي كان وزيراً ونائباً وشارك بكل عمليات النهب وهو فاشل ومجرَّب على مدى أكثر من 13 عاماً وبجدارة ـ..  ثم نراه من موقعه تحت (السحسوح) الأمريكي ينادي بالحرية والسيادة. ونراه يجالس عليِّة القوم من جنسيات غربية ويدعو معهم إلى تطبيِق شرعةِ حقوق الإنسان!.. "حقوق شو؟؟!!!!!.." ـ قال حقوق الإنسان... ومع مين؟؟؟ مع صانعي غوانتنامو وأبو غريب.. ومدمري اليمن وفاتلي شعبه!! ـ تخيّل..

تخيّل.. مجموعة من المتثاقفين والمنظّرين الأيديولوجيين يستنفرون ويتسابقون لتلاقف الخيرات الفضائية ويشمِّرون عن سواعدِ أقلامهم ويشحذون ألسنتهم التي ـ صدئت أثناء المجازر ـ لأن ثمةَ حدثاً عظيماً طرأَ على الأمةِ العربية يتمثّلُ بالخطرِ الدّاهم والهاجم - ليست مجازر الصهاينة بكليتها عبر تاريخنا المجيد سوى نقطة في بحره -.. نعم خطرٌ عظيمٌ.. إدٌّ لم تعرفه أمتنا العربية والإسلامية عبر تاريخها كله.. فالقصة وما فيها أن دولةً عظيمة كانت خلال العدوان على غزة وربما قبل العدوان ـ أي خلال الحصار ـ وخلال العدوان على سوريا، والعدوان على اليمن.. تهرّب العتادَ والذخائرَ والسّلاحَ والقنابل النووية ربما لتدمر إسرائيل المسكينة!!.. نعم.. كيف يُسمح لهذه الدولة أن تخرجُ عن طاعة أسيادِ العرب كيف يُسمحُ لإيران أن تواجهَ مشروعَ دولةٍ عربية.. دولةٍ نظيفة الكفِّ تُحبُّ الشعب وتزجُّه بالسجون خوفاً عليه من الفساد (ربما).. كيف.. وهي التي حرصت على أن تكون دولة السلام السائرة في تطبيعها من تحت الطاولة ومؤخراً من فوق الطاولة!!.. إلخ....

تخيل هذا الحشد الهائل من المتثاقفين الذين يولدون ويتكاثرون كالنمل الأبيض وهم ينظّرون للأمنِ العالمي والسيادةِ والحريةِ.. وق تفتقت قرائحُ البعضِ منهم ليعلنوا أن العدو الأساس هو حزب الله ويأتيكَ بالدلائلِ والقرائنِ والحججِ.. والأنكى من ذلك إعلانه أن هذا الحزب هو المحرّض على الإرهاب.. والناقل للفيروسات المُمانعة والعابر بهِ مدائن النصر.

عودٌ على بدء.. يخاطبني الأخ الثقافوي كل يوم برسالةٍ تحمل المعنى نفسَهُ دائماً والتجديد الوحيدُ هو محاولاتُهُ المستميتة انتقاءَ لفظةٍ أصعبَ من سابِقتها كي يُثبتَ لي المقدار الثقافي الهائل الذي يتمتع به.. الحمد لله الذي جعلني من المطّلعين على بعض مصطلحاته وإلا لكان فضحني بين العربان.. وكانت قصتي جرصة وبهدلة...

السؤال.. هو لماذا اشعر بأن مثقفنا العربي يهلوس دائماً و(يغرّد) خارج السرب؟؟.. لماذا أشعر دائماً بأن مثقفنا العربي مخلوقٌ من ماده شديدة اللزوجة؟؟؟.. لماذا ترتبط كلمة المثقف العربي عندي بمخلوقٍ عرفناه في دراستنا الابتدائية وهو حيوانٌ هدبيٌّ ميكروسكوبيٌّ دقيقٌ يعيش في البرك والمجاري وخزانات المياه المكشوفة على أسطح المباني يسمى بالبلعوط.. (يعني عن جد) لماذا؟؟.

غسان عبد الله

 

 

 

إخترنا لكم من العدد