مجلة البلاد الإلكترونية

الإمام الخامنئي (دام ظله): "النّظام الأمريكي لن يُعمّر طويلاً إنْ جاء أحدهم إلى السلطة، فسيُعجّل الانهيار، والآخر ربّما يؤخّره قليلاً لكن في جميع الأحوال هذه هي الحقيقة"

العدد رقم 268 التاريخ: 2021-01-22

أخْـلاقُ العَــرَبِ والمسلمين.. بَيْنَ الوَعْـظِ والحُقـوق

نبيل علي صالح

أخْـلاقُ العَــرَبِ والمسلمين.. بَيْنَ الوَعْـظِ والحُقـوق

الأخلاقُ هي السّجايا الروحية والنفسية التي يؤمن بها الناس ويعتقدون بأنها جالبة للخير والسعادة، وهي التي يفترضُ أنْ يتمتّعَ بها الإنسانُ في سياق تعامله العملي مع محيطه البشري، سواء في علاقاته الخاصّة والعامة.. ولا يمكن للأخلاق أنْ تكونَ فعالة إلا باستنادها على قواعد قوية من الإيمان الديني والقيم الحقوقية.. هي تتقوى بإلزامات الدين وتجسُّدات الحقوق..

وعُرف عن العرب قديماً، قبل أن تنزل رسالة الإسلام، اتصافهم بصفات ومكارم أخلاقية عملية كالنخوة والشجاعة والكرم والمروءة وإغاثة والملهوف وغيرها، وقد قال عنها الرسول الكريم أنه جاء ليرسخها ويدعمها ويتمّها من خلال قيم الدين ذاته كقيمة العدل، وهي أعلى وأعظم القيم التي جاء الدين كله من أجل تثبيتها في حركة المجتمعات البشرية.. بما يعني أن الدين هو مصدر جوهري للأخلاق والقيم الأخلاقية، بل هو منبعها الأساسي.. يقول تعالى: ﴿لقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾(الحديد/25)... ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون﴾(المائدة/8).. والأخلاق هي بذاتها خيّرة لأنها الله مصدرها، ولأنه هو وَصَفها بهذا الوصف، ولم تأتِ فقط نتيجة استحسان العقل أو تقرير العرف والعادة البشرية، أو أن تكون الحكمة مصدرها كما كان يرى سقراط.. ولذلك فهي محكومة بالدين لا حاكمة عليه.. وهذا عكس ما تقرره الوضعية الفكرية والسياسية العلمانية من حيث أن الأخلاق عرفية ظرفية ذات طبيعة بشرية اجتماعية لا خلفية دينية لها، اكتشفها الإنسان وقررها بتجاربه وفعله وفعاليته التاريخية.. وهذه النظرة الوضعية للأخلاق هي نفسها نظرتها للدين ذاته من حيث أنه منتوج فكري وطقوسي بشري ليس إلا..!!. ونحن هنا لسنا في صدد نقد هذه الفكرة التي أشبعت تحليلاً وردوداً.

لكن ما نشهده اليوم نحن كأجيال متعاقبة نشأت وتربت على تلك القيم، هو تغير كامل في معنى (وواقع عمل وهدف) تلك الخصال، وسيادة قيم جديدة تسيطر عليها الألفة مع التقليد والعادة حتى لو لم تكن أخلاقية دينية، حيث تكاد تجمعها صفة واحدة أو مناخ واحد هو مناخ التدليس والكذب على الذات وعلى الآخر.. حتى بتنا نقول إننا نقبع في قلب هزيمة نفسية، ونعايش اليوم أزمة أخلاقية بكل معنى الكلمة، انهارتْ من خلالها الحدود والفواصل بين القيم والمبادئ والفضائل الأخلاقية وبين السلوكيات والقيم اللاأخلاقية.. فعلى مستوى الأسر مثلاً، نرى في كثير منها كيف أن الولد يكذب على أبيه، والأم تكذب على زوجها، والوالد يكذب على الأم، وهكذا، كلهم في بحر الكذب يسبحون ويغرقون..!!. الابن الذي لم يبلغ بعد سن الـــ 14 سنة تراه يدخن ويدخن النارجيلة حتى أمام أهله بلا خوف أو احترام أو شعور بهيبة الكبار، بل ربما نجد بعض الأهل يساعدونه ويساندونه ويشجعونه على هذا الفعل اللاأخلاقي المشين.. وهكذا فحتى الصغير لم يعد يحترم الكبير بأبسط الأمور... والمشاهدات كثيرة وكبيرة.

كذلك، أفعال وحوادث ووقائع العنف – الرمزي منه والعضوي - تتكرر كثيراً وبشكل يومي في معظم مجتمعاتنا ومعظم مجتمعات العالم بطرق وآليات مختلفة... فمثلاً منذ فترة وقعت حادثة مروّعة في وسط بيروت، حين أقدم شخص معروف بسجله الإجرامي، على طعن الضحية (وهو زوج وأب لثلاثة أطفال) طعنات نافذة أدّت لمقتله على الفور، وسط صياح الرجل وتوسلاته للحضور أن يغيثوه دون أن يتدخل أحدهم، مكتفين بتصوير الحادثة بكاميراتهم الهاتفيّة إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة أمامهم، ليقوم القاتل بعدها دون أن يطرف له جفن بشرب كوب من العصير..!!. كما قُتل منذ فترة أربعة أشخاص خلال عرس تحول لمأتم في خلاف على موال كان نقطة تفجر غرائز الذات..!. وتتكرر الحوادث في غير بلد ومجتمع عربي.. مضافاً إليه شيوع الحشيش والمخدرات وغيرها كنتيجة طبيعية لانعدام الأخلاق وضعف المسؤولية وحالة العطالة والبطالة السائدة.. وللأسف إنها ثقافة اللامبالاة واللا مسؤولية واللا قيم...

وما هو أشد خطورة أمامنا، أنه وعلى كثرة أحداث ومشاهد وأفلام ويوميات العنف الأعمى والقتل التي يشاهدونها، فقد تبلّدت مشاعر كثير من الناس، وتكلست أحاسيسهم، وتجمدت عواطفهم ومشاعرهم وأخلاقياتهم، وأصاب العور الدائم حميتهم وقيمهم "الجاهلية - الحضارية!!" التي نعرفها.. والتي قال الرسول الكريم محمد بأنها جاء ليتممها "إنما بعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق"... مع قناعتي أن ما يشغّل محركات الأخلاق عند البشر ليس الوعظ ولا كثرة الأحاديث الأخلاقية والفضائلية، بل تكريس الحقوق وتلبية حاجات الناس، وترسيخ مبدأ المواطنة وسيادة القانون على الجميع..!!.. أي كما نقول دوماً: أعطوا الناس حقوقها تصبح الضرورة أخلاقية بامتياز..!!!.

نعم، بات الناس في اجتماعنا الراهن يفتقرون لكثير من المعايير الاخلاقية الاجتماعية الأصيلة، ولن أقول المعايير الدينية فقط.. بل الاجتماعية القيمية التقليدية.. تغيرت المفاهيم والأسس، بل انحرفت عن مساراتها القائمة على المحبة الحقيقية والمودة والتراحم والتضامن المجتمعي، والانفتاح المتوازن، وباتت قناعات الناس متمحورة ومتركزة حول النفعية المادية، حول الأنانية والتوحش الذاتي والانغلاق على جوانيات الغرائز إذا صح التعبير.. نعم ولا تقولوا أنني أضخم الأمور..!!. ويبدو لي أن لهذا الانحراف القيمي السلوكي، أسبابه العامة من الحرمان والتمييز وشيوع الفساد العام وضعف منظومة الحقوق إلى حد تلاشيها، كما قلنا.

إن القيم والمبادئ والفضائل لا تعمل لوحدها، ولا تنمو بمفردها، بل تحتاج إلى تربة مناسبة ملائمة، تربة سياسية واجتماعية واقتصادية وتنموية، تحتاج أيضاً إلى سقاية ورعاية دائمة من التعاليم والأفكار وأيضاً من السلوكيات والممارسات لمن هم في موقع القدوة والاسوة الحسنة.. وللأسف حتى كثير من هؤلاء ممن وضعوا أنفسهم أو وضعتهم الظروف في موقع القدوة للناس، أضحوا أول وأكثر من ينتهك تلك المبادئ والأصول الاجتماعية والأخلاقية والضوابط القيمية...

نعم، لقد ضاعت المعايير والأولويات، ضاعت أو تم تضييع البوصلة الأخلاقية المعروفة.. اهتزت وتغيرت المفاهيم، مفاهيم (وآليات) الضبط الاجتماعي.

من هنا نقول دوماً:

أعطوا الناس حقوقها، بلا منية، وكونوا قدوة حسنة وطيبة لها في التطبيقات القانونية والاخلاقية، ثم حاسبوها، وطبقوا عليها القوانين..!!.. الناس ملّت وتيبست عروقها من شدة الإفساد، وقلة الأخلاق والضمير وتبديد الطاقات والعمل على فراغ.

وهناك كثير من الأمثلة على تلك المخالفات أو الانتهاكات الاجتماعية التي ترد دوماً على صفحات التواصل أو التي نراها ونعايشها ونصادفها في مختلف مواقعنا الخاصة والعامة وقد ذكرنا بعضها سابقاً.. وهي ذات دلالة خطيرة ومؤشر مهم على هذه الحالة المتصاعدة منذ سنوات على مظاهر من التفكك الاجتماعي لمجتمعاتنا..

أما الحل الذي نُسأل عنه دوماً، فهو كما قلت، حل متكامل، يقوم وينبني أولاً على صعيد البناء الأسري، وثانياً على صعيد المؤسسات، وقبل ذلك على صعيد الحقوق، حقوق الفرد ككل..

واليوم – وهذا أمر محزن - لا يوجد أي حقوق في واقعنا السياسي والاجتماعي، بل نعيش في قلب هزيمة حضارية مرعبة.. وسبب هزيمتنا كعرب ومسلمين – على الرغم من عددنا الذي يصل لنصف مليار، وحيازتنا (النظرية) على ثروات ضخمة ومواقع استراتيجية فعالة، ووجود مقدسات إسلامية التي توجّه حوالي 2 مليار مسلم بأرضنا حول العالم، ورغم امتلاكنا لبنية أخلاقية نظرية هائلة - أقول: سبب هزيمتنا ليس فقط ضعف أخلاقنا، وعدم اكتراثنا بمصدرها الديني، بل قبل ذلك هو أننا نعمل بعقل فردي، ونعيش في ظل سياسات عربية أهلية - قبلية غير مدنية (بالمعنى السوسيولوجي العملي) بعيدة عن منطق العصر والتطور والحداثة المعرفية والعلمية العميقة، ولا مكان فيها لأية منهجية تفكير علمية رصينة، ولا يعلو فيها سوى صوت السلف بسيوفه وتروسه وصولجاناته التي انتقلت –  بقوة الدين وسطوة الأعراف والتقاليد - من أيديهم إلى أيدي الخلف من النخب السياسية والقبلية الجديدة التي يحكمها قانون البقاء والمصلحة، ويتحكم بوجودها فكر ومناخ الغلبة والمُلك العضوض التاريخي.

إننا نعتقد أن الدين ذاته في أفكاره وأصل علته الأخلاقية، يقول بأن الإنسان هو الأساس والجوهر.. وفي الأصل كانت الأخلاق.. بما يعني أنّ الإنسانَ متدينٌ لأنه أخلاقي، وليس أخلاقياً لأنه متدين.

فالدين جاء لتدعيم الأخلاق وترسيخ مكارمها "بعثتُ لأتمّمَ مكارمَ الأخلاق...".. والتّدعيم والترسيخ والإكمال يأتي فقط عبر الحقوق وتنمية الفكر والعقل والمهارات، والاكتساب السلوكي الحقوقي والقيمي العملي.. إذ أنه لا أخلاقَ رصينة بلا حقوق معيارية محقَّقَة ومستوفاة عملياً في العلاقات الفردية والمجتمعية..!!. فعندما تأخذ حقوقك وحاجاتك أنتَ – بالضرورة - إنسانٌ أخلاقيٌ بامتياز... ولكلِّ قاعدة شواذ..!!.

طبعاً الخوف ليس من الأخلاق وليس من الدين، بل هو نتيجة لعدم العلم ولعدم الأخلاق.. الخوف لا يبني ولا يطور ولا يعطي.. يصنع كائنات مشوهة، عاجزة، مستلبة، تائهة، تابعة، معطلة، مشلولة..

البناء والتطوير والإبداع مشروطة بالإرادة والحرية والوعي وامتلاك زمام النفس والمبادرة..

كثير من المجتمعات (ومنها وعلى رأسها مجتمعاتنا العربية) القائمة على روابط الولاء والعصبيات، وعلاقات الخوف والتخويف والمهجوسة بقضايا المصير، تبقى في حالتها البدائية المتخلفة، تجترها، وتكرر ذاتها بنسخ مشوهة، تتعطل قواها الإدراكية والإنتاجية، ويصبح ويمسي همّ الناس فيها تأمين لقمة العيش بحدودها الدنيا.. أما الإنتاج الحقيقي ففي خبر كان.

نبيل علي صالح

 

 

 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد